Uncategorized

ندوة بعنوان خمسات القاها الرفيق رسلان عودة بمقر فرع اليرموك للحزب

خمسات!..

جمع حواسَه الخمس كلَّها وحصرَها في الرجل الجالس على طوله خلف طاولة طويلة، تتفحص عيناه أوراقاً تقلِّبها يداه وتضربُها بأختام حمر وزرق.

ليس الطابور الواقف فيه طويلاً، كما هي طوابير الأفران ومحطات الوقود وآلات صرف الرواتب المغروزة أصلاً في زوايا ضيقة..

كان يحصي عدد الواقفين أمامه ويتمنى لو أنهم أكثرَ قليلاً..

تحرك الرتل وظلَّ واقفاً سارحاً في حيْرة أيرجعُ خطوةً للوراء أم يخطوها للأمام وليكن ما سيكون!؟.. لم يكن خائفاً.. لكنه موجوع إثرَ عملية تجميل لا تُرى في المرآة!.

نكزتِ امرأةٌ بأصابعِ يدِها كتفَه وقالت بابتسامةٍ محايدة وبالإسبانية: تفضل.

قبل مجيئِهِ إلى هنا بشهرٍ أو أكثر قليلاً تعلم بعضَ المفرداتِ والجملِ الجاهزةِ باللغة الإسبانية، وشكر ذاكرتَه على حفظِها.. وهي ذاكرةُ فنانِ متخمةِ بفنون الديكور والهندسةِ المعمارية للعالمين القديم والجديد..

خطا خطوةً إلى الأمام، خطتْ نبضاتُ قلبه خمسَ خطواتٍ إلى الأختام، وخطوةً واحدةً إلى إنذار زوجتُه قبل خمس سنوات، وهي الابنة الوحيدة المدللة لعائلة دمشقية عريقة من داخل سور دمشق القديم، كما كانت تقول أمُّها متباهيةً، وتعيِّره بنسبه القريب وبجنسيته المزدوجة..

جاءت نبرتُها عبر الهاتف بين تهديد ووعيد: أنا راحلة بولديَّ إلى الدانمارك، فهذه الحرب هنا لا تطاق وهي لا تعنيني أصلاً.. جوازُ سفري يفتح لي بوابات العبور أينما اتجهت.. أنتَ لن تستطيعَ اللحاق بنا لكنك تستطيع الموافقةَ على سفر الولدين وإرسال المبلغ المطلوب شهرياً..!

شددتْ شهرياً بنبرة ساخنة.. ردَّ عليها بأحرفٍ باردةٍ: حاضر..

كان يوسف هادئ الطبع، قليلَ الانفعالِ حين يكون القلب خارج الجسد، يعلم بأنَّ شرخاً كبيراً وقع بينهما قبل الحرب وزاد اتساعاً بعدها.. لم يعد يرى العلاقةَ معها إلا كعلاقةِ الموظف بآلة الصرافة.. يختزنُ وجعاً خفياً في قلبه خوفاً على ولديه. يقضي النهارَ كله في تصنيع الديكورات وتأمين الإكسسوارات، ونصف الليل الأول يقضيه في سهرة مع رفاق التصوير على كأسٍ شقراء مثلجةٍ ترغي وتُزبد.. يعود بعد كل مبلغ ويضع من مال تعبه ما يكفيها وأكثر في درج زينتها وعلى مرأى منها، يبتسم ولا تبتسم..

صار كل منهما أسير الخيار الخاطئ في الآخر، لكنهما على وسادة واحدة بطفلين.!

جاءته الموافقة لدخول دولة الإمارات قبل وقت قصير من سفرها، فقد كفله مالك شركة إنتاج كبرى نزولاً عند رغبة المخرج لينفذ له ديكور مسلسل عربي..

اتصل المنتج ذاتُه قبل شهور خمسة بعد الانتهاء من تصوير آخر حلقة في المسلسل التاريخي المفصل على مقاس حاكم وأمير.. وطلب منه أن يستعد للسفر إلى المغرب الشقيق، لإنتاج مسلسلٍ آخرَ طويلٍ عن حرب طوائف الأندلس.

ربتت ذاتُ المرأة على كتفه بكفها فاهتزت أصابعُها من فوران الدم ينتفض تحت كتفه الأيسر. لمح بطرف عينه اعتذاراً في ابتسامتها فخطا الخطوة الثانية كأن الرخامَ تحته أرضٌ موحلةٌ وفي حذائه فتقٌ من ضيق..

ضاقت حقائبه بكتبه والمراجع قبل شهرين، استعداداً للسفر إلى المغرب مع كامل طاقم العمل، لكن القنصل المغربي طلب منه (فيزا) لدخول جارةِ المحيط.. هو الوحيد الذي لم يستطع الحصول على إذن الزيارة، وقد قال له القنصل بلباقة مفتعلة وبلغة عربية مهدمة:

آسف يا أستاذ يوسف، أنتم لكم وضع مختلف عن باقي الجنسيات! ولا يوجد من يكفلك في مراكش وإن كنتَ مهندس الديكور الشهير.!

عرف أنه محاصر هنا، وما إقامته الطويلة على شاطئ الخليج في هذه الإمارة المأمورة، إلا لأنه مملوك لكفيل مواطن هو الممول لكل هذا الإنتاج الضخم لتاريخ هزيل..

كان طلب الفيزا قبل ذلك وبعده مرفوض في عُمان وعمَّان وبيروت.. ولا تزال كلماتُ موظفِ إحدى السفاراتِ الشقيقةِ تصفعُ روحه:

فلسطيني وسوري أيضاً! كيف لي أن أضع هذا في جملة مفيدة؟!.

ضرب سطح الطاولة ورد له الصفعة صارخاً: بالتأكيد لن تستطيع! فعربيتك سبقت الباءُ راءَها!. هما بؤبؤ العينين في عين واحدة، ومثلك لن يفهم هذا!.

خرج يمشي وحيداً في الشوارع السود العريضة، وعلى الجانبين ترتفع شواهقُ أعمدةِ الإسمنتِ الملونِ وهي تحاصر البللورَ الغامقَ والشفيف.. ديكورات هذه المدينة تذكره بشقيقتيه حين كانتا تلعبان (بيت بيوت) بيتٌ تراه، تصنعه ولا تعيشه.!

كان الليل في أوله، والناس كأنهم في أول النهار.. كلٌ في سيارته الفخمة أم الدفعِ الرباعي وربما السداسي.. يصطحبون أولادَهم إلى (المولات) والمطاعم..

لا أحدٌ هنا في إمارة اللهب يمشي من غير سيارة.. إلا العمالُ الهنود وبعضُ الوافدين الجدد.. هو لم يكن جديداً، لكن رخصتَه لا تؤهله لقيادة سيارةٍ في نظامِ سيرٍ أشدُ انضباطاً من آداب الطعام، على مائدة حماته في بيته!..

يسري في الشارع الاصطناعي الطويل كأنه لا يسير.. فهذه الصخورُ المقطوعةُ من جبال بعيدةٍ، غريبةٌ عن هذا البحرِ فهي مرصوصةٌ فوق بعضِها قهراً على قهر، تمتد في سعاف نخلة من جذعِ يطفو صخراً على ماء! وقد غطى الإسفلتُ المطرزُ بالأبيض بطنَ النخلة العملاقة، ليمتد لساناً طويلاً يلعقُ مياهَ الشواطئ الكاذبة ولا يستطعم ملحها..

ركض عامل بزيه الهندي الكامل إلا من ريشة كانت يوماً ما تزيِّنُ عمامتَه، ووقف في وجه طفلين هاربين من خادمة / مربية؛ تلملم الساري وتركض، حاشَهما بذراعيه وسلمهما إليها، لم يتبادلا الشكر باللسان ولا التحيةَ باليدين، لكن الخوف في سواد عينِيهِما قال أكثر من حنين على أولادهما في القارة البعيدة..

سامر وسمير.. أيُّ فايكنغ يحوشكما الآن أيها المشاغبان؟

سلمى ابنة الأكابر أسمتْ ولدَيْنا على الحرف الأول من اسمها، وكادت أن تعطيَهُما كنيتَها!؟

قصة إعجاب قصيرة عاشاها تحت مظلة حب مثقوب.. هو مهندس الديكور اللامع، وهي الجميلة المدللة، وتبحث منذ اكتمال دورة القمر في جسدها عن ثوب زفاف باهظِ الثمن..

كان في بحر الأربعين وهي في نهر الثلاثين.. كلاهما شعر بأن قطار العمر انطلق من محطة العنوسة.. فاتفقا..

لكن أمها طحنتْ أحجارَ قلعةِ دمشقَ على رأسها حين عرفتْ أن من اختارته ليس من عائلة دمشقية معروفة ويسكن خارج السور العريق!..

تقدمَ هذه المرة خطوةً ثالثةً من غير تنبيه، فالسائحةُ الشقراء خلفَه مشغولةٌ بالرد على رسائل هاتفِها الجوال بالصوت والصورة.

نصحه النطاط أن يتقدم للحصول على جواز سفر وجنسيةِ دولةٍ في أمريكا الجنوبية، مقابل كل ما جناه من عملات صعبة وسهلة.

كان قد اشتكى لصاحبه هذا راشد النطاط لوعةَ البعد عن ولديه فقط، وعن سياج الحدود دائماً.. وأكد أنه لا يحب العيش في أوروبا ولا يريد اللجوء إليها، ففيه من المذلة ما هو أشدُّ من اللجوء الأول لأبيه وأمه من قبل أن يولد بكثير.. فقد مات أبو يوسف وحسرة أنفاس البلاد تختنق في رئتيه..

– هذا كثير يا راشد.. مئة ألف دولار! تعني خمسين مليون ليرة سورية وأكثر.. مقابل خمس أوراق في جواز سفر؟!.

– لا.. ليس كثيراً أن تشتري بها وطناً! ألا تريد أن تكون مواطناً دائماً بدلاً من تهمة وثيقة السفر المؤقتة! ألم تلفظْكَ المطاراتُ والحدود؟ كم مرةٍ أودعوك مستودع التسفير كأنك بضاعةٌ فاسدة؟! ودَّعْ ما كنت فيه.. وكن غير أنت!.

رد يوسف غير آبه بالذي سمعه: لكنني أنا.. أنا.. ولي ما لي!

وبعد صمت حزين وبانكسار الشفتين ولعثمة اللسان قال:

أظن هذا!.. فأنا بلا أرض..! وبلا ولديَّ.

 تعمد راشد عدم سماعه أيضاً، وأردف مزهواً بنصيحته: سيكون لك جنسية وطن حتى ولو كان في حوض الأمازون يا صديقي.. سترى ولديك، تذهب وتعود إلى أي بلد أنَّى شئت.

ازدادت دقاتُ قلبِه أكثر في الخطوةَ الرابعة.

استلم الجواز الأحمر قبل أربعة أيام، حفظ اسمه الجديد وكنيتَه الغريبةَ وتهجَّى اسمين آخرين لأمه وأبيه وردَّد مراتٍ ومرات لفظ مكان ولادته الجديد في آخر الدنيا.. لم يبق منه إلا صورته وتاريخ مولدِه، فالشعرُ الأبيض الذي يفترش رأسه وذقنه لا يكذب..

أعطى الكيس الأسود وفيه ألفُ مئة دولار خضراء لبائع المواطنة، وطلب من صاحبه أن يقرضه بضعةَ آلاف ليذهب إلى وطنه الجديد ومن هناك يسافر كمواطن محترم ليرى ولديه، فقد سأله الصغير ذات اتصال على سكايب:

– إنتَ بابا؟ قالت ماما: بابا راح.. ( إنتَ كبير.. إنتَ مو بابا ).

هو يحزن لكنه لا يبكي فكثيرة هي الدموع الكاذبة التي كان يراها تنساب من أعين الممثلين على المكياج بصعوبة وبلا حزن.. ولأن الأبوَّة تناديه لاستعادة ولديه من ابنة حماته، خطا الخطوة الخامسة فصار وجهاً لوجه أمام ضابط المطار..

تحررت حواسُه الخمس من حصارها وبدأ يشم ويسمع ويرى لكنه ثابتُ الإحساسِ ولا ينطق.. كل شيءٍ في هذا البلد صار أمامه مختلفاً:

رائحةُ البشر.. أصواتُهم.. سحناتُ وجوهِهم.. حتى أن الماء هنا له طعم السمك المقلي.

قلَّبَ الضابط صفحات جواز السفر والأوراق المطوية فيه وكتب شيئاً على جهاز الكومبيوتر.. ثم نظر إليه بارتياب وسأله عن اسمه وأين كان؟..

اختلطت عليه الأسماءُ الجديدةُ كلُّها، وحضرت الأماكنُ العتيقة بين المخيم ودمشق، فتح عينيه على اتساع أجفانهما، قطع سيف ذاكرة ابن الرملة كلَّ ما حفظَه في صفحات الجواز..

وسأل اسمه الأول:

ما الذي أفعله هنا؟..

ورد على الارتياب بالعربية الصارمة من غير تردد: أنا… أنا يوسف منصور الرملاوي..

وقف الضابط مشدوهاً فصار طولُه مترين وهو يرطنُ بكل لغات العالم ما عدا العربية.. لم يكن يوسف يستمع إليه ولا يهتمُّ لأختامُ النجاةِ إن كانت ستهوي على الجواز بالقبول أم لا..

التفت إلى رجل يحتضن ابنه وهمس في البعيد القريب:

سامر وسمير سأكون بانتظاركما هناك!.

ترك الضابط والطاولة وجواز السفر، مشى بضع خطوات نحو بوابة العودة وهو يحدث ذاته الموعودة: كان هذا ظلي ولست أنا، وذلك الجواز لا يجوز لي.. إنها خمس أوراق بخمسين مليوناً لكنها لن تشتري حبة رمل من وطن!..

                                                        

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق