Uncategorized

قصة بعنوان الغداء الاخير القاها الكاتب رسلان عودة في مقر فرع اليرموك لحزب البعث العربي الاشتراكي

الغداء الأخير..!

تمشي في السوق خطوة على خطوة.. والبحر أمامها يراوح في مكانه موجة تصفع موجة.. هي لا تراه إلا بلاطة زرقاء وطريق عبور بين برَّيْن..

عربات الخضراوات والفاكهة على الجانبين، تشع منها ألوان الطبيعة كأنما الحرب لا تعنيها.

تنظر بِحَيْرةٍ إلى ما حولِها وتحاول أن تجيبَ عن السؤال اليومي المكرور: ماذا سنطبخ غداً يا أولاد؟ والأولاد ما يزالون على مائدة الغداء، يستنكرون السؤال وكأنهم لن يأكلوا بعد هذا اليوم..

تتفحص الخضراوات بعينيها الصغيرتين وتردد في سرها (هذا كله طبخناه وأكلنا الطبخة الواحدة ليومين أو ثلاثة!)، تتابع السير وئيدة الخطا مشغولة البال، وتبحث عن وجبة جديدة تفرح الزوج المنكوب بوظيفته وبسفر ابنه البكر، كيف سمح له بالرحيل من غير أن تدري، تاركاً إخوته كومة من اللحم الخائف الباكي في موقد حرب لا يعرف أحد إلى أين تمضي ولا كيف ستنتهي.!

كان الوالد في قرارة نفسه لا يمانع كثيراً سفر ابنه برغم احتجاج أمه الشديد، يقول في سره: لعله هناك يكمل مشواره بعد أول شاطئ، بعيداً عن فوضى الموت هنا، والإفلاس المبكر في منتصف كل شهر..

كان أبو عدنان قد فكر بما هو أبعد من ذلك، يتمنى لابنه الاستقرار هناك فيرسل إليه أخته وأخويه، ويبقى هنا مع أم عدنان وحيدين كما بدأا..! يغص بدمعة وبابتسامة تحت شاربيه الرماديين ويهمس: أية لعنة وقعت علينا؟!

يتناهى إلى سمعها مع ضجيج الطائرات نداء الباعة على السمك البحري الطازج من البحر العتيق.. تتفقد ما معها من النقود، تبتسم راضية وتقول: هذا يكفي لوجبة سمك.. فمنذ شهور لم يدخل السمك بيتَنا، وبيننا وبين البحر موجة وحاجز..!

تسأل البائع عن سمكة شقراء مكتنزة، ذكَّرتها بسلفتها رُفَيْدة وزوجها المليونير على حين بندقية..!

تحزن أم عدنان أحياناً من ابتهاج سلفتها بأحذيتها الجديدة المستوردة بلا رسوم، وبسيارتها الحمراء وسيجارتها المالبورو..! وتحزن الوقت كله على بلدتها هذه جارة البحر حافية الشوارع عارية الأبنية وهي لا ترى إلا الكهول والأطفال، فالشباب منهم من رحل مبكراً إلى هناك البعيد ولم يعودوا، ومنهم من انتفض إلى هناك القريب فجاؤوا إلى هنا محمولين من خلف متاريس الرمل والركام..

المقبرة كانت بعيدة عن البيت.. الآن صارت تحت حبق النافذة، والشواهد البيض موشاة بالكلمات السود وبالصور الملونة.. وبين القبور تفشى نبات فوضوي وتطاول البنفسج الحزين..

أم عدنان لا تريد أن تتذكر ولا تريد أن تنسى، فهي مذ آخر اتصال لا ترد على أي سؤال عن صحتها وأحوال بيتها إلا بالحمد لله ولا تبتسم..

انتبهتْ لقول البائع: ثلاثة كيلو و.. ثم ابتسم: تكرمي ثلاثة كيلو.

أراد أن ينظفها، رفضت ذلك بلباقتها المعهودة: لا يا ابني أنا أحب تنظيفها بيدي ولا أريد أن أتعبك.

لكن السماء انشقت فوق البحر عن هدير طائرة حربية أخذ صوتها وبصرها، فلم يسمع البائع منها باقي الاعتذار.

كان عدنان يقول كلما نظر إلى البحر:

صحراء أنت، كثبانُكَ ماء وزفيرك زبد.. لكنني أحبك أيها الأزرق المالح…

مع نهاية امتحانات الشهادة الثانوية العامة، جاء شرطي إلى بيته وسلم والده مذكرة سوق إلى الخدمة الإلزامية.. معاملة التأجيل ستطول وتحتاج إلى عدٍّ أطول من الأوراق النقدية..

أقنع والده بالسفر فهو لا يحب الحرب ولا البنادق.. كان يعشق حسناء الحارة (حورية) وسنارة الصيد والشبكة العتيقة، وعنده ناي من قصب الشطآن المهجورة.. يفرح ببضع سمكات يصطادها، وكثيراً ما كان يعيد إلى البحر سمكة صغيرة أو أماً لبيض.. ثم يعزف على الناي لحناً حزيناً، هو لا يدري كيف نفخته شفتاه.. حتى أن حورية أجابت دهشته بأنَّ طبعَ القصبِ حزينٌ يا عدنان..

******************

هناك يا أبي سأكون بعيداً عن وباء السلاح وطرطقة النفوس.. سأرسل لكم لتأتوا إلي.

يبتسم الأب من أحلام ابنه.. تُرسل لمن يا بني؟! أخشى أن تأتي رسالتك متأخرة جداً..!

ثم يقول بين مزاح وجد: كأنك تهرب من البلد يا ولدي؟

يرد عدنان بجدية: لا يا أبي كأن البلد يهرب منا.!

*********************

ذات فجر استيقظتْ على رنين هاتفها الجوال وعلى فراش ابنها الخالي.. تومض الشاشة باسم عدنان، عصرت الأزرار كلها فجاء صوته حـفيفاً: رضاكي يا أمي.. وبكى. انقطع الصوت وبقيت هي على النافذة تذرف دموعها بصمتٍ وضجيج البحر يدق طبلتي قلبَها حتى الصباح.

ركب ابن البحر بحر بلده ورحل إلى البحر الغريب مع مجموعة من النساء والأطفال وبعض الرجال الهاربين من الموت تحت عبث القذائف وجنون الرصاص..

كان الزورق يتمايل فوق الموج كأنه خصر راقصة في ملهى رخيص.. عدنان معتاد على غضب البحر وعلى غنجه، لكن أكثر الراكبين كانوا خائفين حد الرعب، فمنهم من لم يرَ البحر إلا اليوم! ومنهم من رآه تابوتاً جماعياً بلا أكفان!.

بكت حورية حين أخبرها بنيَّة الرحيل، تجرأ لأول مرة وأمسك خديها بكفيه.. مسح بإبهاميه دمعَها الساخن وسأل: ستنتظرينني؟.. عديني بأن الحرب لن تأخذك إلى غيري.!

قالت: عِدني أنتَ بأنك ستعود..!

تجرأ عدنان على وداع حورية لكنه لم يستطع وداع أمه.. لم يعد في تلك الليلة إلى البيت ولم يرَ أحداً من إخوته ولا حتى أبيه.. فقط اصطحب معه ناي القصب، وخارطة للعالم انتزعها من كتاب الجغرافيا!..

********************

ارتاحت أم عدنان على مصطبة أمام محل مغلق، وجهها إلى البحر، لكنها لا تنظر إليه، ولا حتى إلى السماء الملوثة بضجيج طائرات غريبة.. تُقْبِلُ باتجاهِها أم سامر تحمل كيساً أسودَ محشواً بالخضرة وهي محشوة بثياب سود ليست على مقاسها. سامر حمل بندقية، وعاد محمولاً من طلقة قناص خرجت من فمه.. أمه من يومها صامتة لا تسلم على أحد ولا تتحدث إلى أحد إلا إذا ناداها يا أم الشهيد..

مرَّت أم المغدور ولم تنتبه إلى جارتها ولا إلى حبة البندورة التي سقطت من كيسها الأسود.

نهضت أم عدنان تتابع الطريق إلى بيتها وتستعيد ذات الأسى على ما تراه.. أطفال يلعبون ببنادق خشبية وخناجر من البلاستيك الأبيض.. يتبادلون إطلاق الهواء من أفواههم، ويلوحون بالسيوف والأصابع الوسطى، ويتنادون للقتل والانتقام.. كأنما مدارسُهم كانت ساحاتِ قتال!.

ولأن همَّتها أكثرَ قليلاً وصلت إلى محاذاة أم سامر وأعطتها حبة البندورة، فقالت لها بحياد: مبارك نجاح عدنان يا أم عدنان! ثم بكت على رسوب سامر وموت سامر.. أدمعت عينا أم عدنان من نجاح ولدها.!

كانا في الصف ذاته لكنهما اختلفا من أول الطريق، سامر يحب الحرب وعدنان يحب البحر.. تقابلا مرة واحدة، سامر على كتفه بندقية قناصة، وعدنان في يده سنارة صيد وفي جيب قميصه ناي القصب..

عند باب الدار التقت بزوجها يهم بالخروج لأمر تجهله، وكعادتها لم تسله، لكنه أجابها بأن أحد معارفه أرسل في طلبه لأمر هام..!

وضعت السمكة في وعاء كبير، وأخرجت من البراد بضع حبات من الليمون الحامض، جلست متعبة على كرسي أمام طاولة المطبخ، وبدأت بتقطيع أول ليمونة إلى شرائح شفافة تشبه نصف شمسٍ رسمها عدنان وهو في المرحلة الابتدائية.. كانت ترتب الشرائح في قوس من دائرة لا تكتمل وتغالب نعاس عينيها كلما أخطأت الترتيب..

تنظر السمكة إلى أم عدنان بعينيها الواسعتين اللامعتين، وأم عدنان تزيح بصرها بخوف وتحسب.. قَلَبتْها على ظهرها هرباً من عينيها, وأخذت تقشرها بسرعة، والحراشف تتطاير من حولها براقة لامعة، تصطف على بلاط المطبخ كأنها حصيرةٌ من خزف تُذكرها بصندوق حليها الخاوي على مخمله الأحمر الباهت..

شقَّت بطن السمكة الأبيض العاري، وأخذت تسحب الأحشاء وتغوص بأصابعها حتى الظهر، شدتْ بكل قوة الأمعاء واستعانت بالسكين فأخرجت المعدة ما فيها.. أسماك صغيرة لم تهضم بعد! وكائنات بحرية أخرى لا تعرف لها أسماءً.. لكن شيئاً سمعت طرقته بالسكين لمع بين المهضوم واللا مهضوم.. دققتِ النظرَ فكانت إسورة معدنية مطوية على بعضها، تساءلت إن كانت ذهباً أو فضة؟ دققتِ النظر أكثر فأكثر فوجدت بين عجينة المعدة أظافر آدمية كاملة!.

رمت السكين والإسورة، وارتدت إلى الخلف مغمضة العينين.. سرَتْ رجفة في جسدها كله.. نادت ابنتها وطلبت منها أن ترى ما تراه أهو حقيقة أم أنه أضغاث نظر؟!

فتحت البنت الدائرة المعدنية فظهر اسم عدنان عليها.. هي تعرفها تماماً وقد عيَّرت عدنان بها حين وضعها في معصمه، وقد رد عليها غاضباً:

يا (هبلة) هذه إسورة لتفريغ الشحنات السالبة من الجسم!.

انتبهت الأم لذهول ابنتها التي ركضت إلى غرفتها في نحيبٍ عالٍ، فعرفتْ منها الحكاية كاملة، وبذات الذهول رأتِ الأحشاء كلها تعود إلى بطن السمكة مع الإسورة والأظافر!..

********************

تستيقظ أم عدنان من غفوتها على انصفاق باب الدار بقوة، تسقط نصف الليمونة من يدها فتختلط الشرائح ويعوَجَّ قوس الدائرة.. تنظر حولها مشدوهة فتجد السمكة الجاثمة في وعائها الجاف كاملة بحراشفها، وبطنَها ما يزال مغلقاً على ما فيه، إلا أن بريق العينين قد بَهُتَ قليلاً، فهي تنظر إلى أم عدنان هذه المرة بخجل وعتب..

كان الزوج قد جاء بخبر يشبه ما رأته في منامها، سقط قلبُها إلى البحر وامتلأ فمُها بملح عينيها، لم تعد ترى أو تسمع.. أبعدتِ السمكةَ عنها فسقطت على الأرض وقفزت منزلقة من وعائها المكسور..

رجتْ زوجها أن يعيد السمكة إلى البحر فهي لم تعد تحب السمك ولن تأكله بعد اليوم!

حملها الرجل بما هو فيها وما ليس فيها، وطمرها إلى جوار النافذة تحت حبقها المصفر.. نفض عن يديه التراب بتصفيقتين وحفيفين بعد أن وضع بلاطة على طولها عند الرأس..

يحدَّق إلى البحر الراكد تارة.. ويسرق تارة أخرى نظرةً إلى الأم الجالسة على عتبة الدار بين أولادها المتبقين وهي سارحة بين البحر الأول والسماء السابعة، قال يخاطب أولاده وقد صدَّق منامها: كأن البلاد لا تهرب من ساكنيها يا عدنان؟!.

التفت إلى شواهد القبور الناطقة بالأسماء هامساً:

ثمة فرق بين موتٍ هناك وموتٍ هنا!.

ما تزال أم سامر تجلس كل مساء عند قبر ابنها وتصيح بالعتابا والعتاب.. وأم عدنان عند كل فجرٍ تسقي حبق النافذة وبقايا الغريق!.

مع إشراقة الشمس تضع على رأسها شالاً أبيضَ وتنزل إلى شاطئ البحر، تقف على صخرة فوق القبر الأزرقَ الواسع؛ تنادي الموج أن يأتيَها بناي القصب..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق