Uncategorized
أخر الأخبار

قرأة نقدية للدكتورة مانيا بيطاري امين فرع اليرموك للحزب

الغداء الأخير

الغداء الأخير قصة استجمعت حواسنا، وألهمتنا حيثيات ناصَّة إثر قراءتها أكثر من مرة؛ وأول ما استرعى انتباهنا هو عتبةُ النص أي العنوان “الغداء الأخير”. يحث العنوانُ القارئَ على ترديده، ومن ثمَّ على النسج على منواله؛ فإذا غاب وجه عزيزٍ عنا قلنا الوجه الأخير لمن نراه ويرانا، وإذا أُرغمتنا الظروف على استبدال أشعار رامبو بأكياس المعونة قلنا غِذَاؤنا الأخير، ألم ينسج سعد الله ونوس، في نهاية القرن العشرين، كامل مسرحيته “منمنمات تاريخية” على نَفَسِ ابن خلدون، العالم بعقلية المجتمع العربي في القرن الربع عشر (1332 – 1406 م)، فقال في المسرحية الأعرج الدجال موازياً “الأعور الدجال”؟ فالعنوان مولد محرق لنصيَّات خارجية تمثيلية موازية للمضمون، وله ميزة انفصالية عن النص، فالعنوان قصة بحد ذاتها، يتمثل إيحاءَها حوارُ القراء والمهتمين، فأول ميزة جمالية هي قدرة العنوان على التسرب إلى الضمير الجمعي قولاً وفعلاً، ألم تستقر في أذهاننا عناوين أعمال أدبية ومثلها شخصيات أدبية بتنا نستدعيها، ونتمثل بها في وقائع حياتنا اليومية (عنترة، الزير سالم، شايلوك اليهودي، أسفل السافلين وهي عنوان قصة لعزيز نيسين، الأعور الدجال…)!

حكاية القصة أو الحدوتة أن أم عدنان فقدت ولدها عدنان في البحر مع من هاجر بقارب صغير، وهذه الحدوتة نعرفها سابقاً، ونعرف ما هو أقسى منها علينا، لكن ما سبب فورة كل هذا العذاب والألم فينا إثر قراءتها ونحن نعرف الحدوتة قبل ريّها في جسد نصي؟ أهو فجيعة الأم بغرق ولدها أم ثمة أمر آخر إليه انطلقت نباهة القلب، وبه أعجم اللسانُ؟

ذاك الألم والعنوان “الغداء الأخير” يوجهان إلى التشفير المسيحي بالعشاء الأخير قبل صلب المسيح بليلة واحدة ، العشاء الرباني الذبيحة غير الدموية، امتد هذا التشفير حتى آخر قطرة حرفيّة، لكن ، وكلمة لكن تفتح باب التأويل والألم معاً، لكن أم عدنان المصلوبة على جراحها لم تتناول وجبتها المقدسة ، بل السمك أكل ولدها حلماً وحقيقة وسرداً، والأم لم تنزل عن صليبها بل رفعتنا إليها، وهكذا، أخذنا والأم نروي حكاية تقارب وتغاير حكاية عذاب المسيح الفردي عشية بذل دمه وجسده لخلاص مريديه من آثامهم، أخذنا والأم بدء عهد جديد نرسمه بلحمنا ودمنا بعد أن كنا قد رضينا بالزمن الرخو، بزمن اكتفينا فيه أن نكون مجرد حراسٍ للباب العالي المغلق وراء آخر الأنبياء والقديسين المزيَّنين بعذاباتهم لأجلنا، أخذنا بدء عهد جديد نجرب فيه عذابنا الجماعي لا الفردي، ومعنى أن يصبح الآكل مأكولا، ومعنى أن يلصق المصلوب وجهه بخشب جراحه أبداً، وعذاب الأم ما أوتي الأولياء منه إلا قليلاً!

فما سر هذا الألم؟

تخبرنا القصة أنه بينما كانت أم عدنان تنظف السمك طرقت بالسكين قطعة معدنية طوتها أسنان السمكة، ولما فتحتها ابنتُها عرفت أنها السِّوار المعدني الذي كان عدنان يحيط به معصمه طرداً للشحنات السالبة! يهدينا السوار المعدني حسن السبيل، تلك القطعة الطاردة للشحنات السلبية هي نفسها التي أجفلت أمَ عدنان وابنتَها لتكشف لهما أن المهضوم واللا مهضوم في بطن السمكة هو بقايا عدنان الغريق؛ فَقَطَعَ السوارُ الطريقَ على الأم في أن تأكل بقايا ولدها، وأوقف تنفيذ أمر محتوم رتّبه لها البحر؛ فأحال السوار المعدني الحتمية المأساوية إلى الاحتمال لا التحقق. عهدنا في المآسي اليونانية أن الشخصية المُهَرطِقة تسير إلى قدر محتوم لا مفرّ منه، وكانت جموع النظّارة تتابع بقلق ما يجري على خشبة المسرح، مراراً وتكراراً، برغم أنها تعرف مسبقاً نهاية المسرحية، أملاً منها في أن تخرج الشخصية من عقال قدرها المحتوم، لكن القدر يطبق على الشخصية، ويبين لها في الوقت نفسه أن أفعالها هي التي قادتها لتكون مجرمة، وأنه لا بد من أن تكفّر عن جريمتها، وتبدي ندمها إزاء ما قامت به لسبب عائد إلى ضعف في شخصيتها مثل (أوديب، أوريستس)؛ فهل استطاع البحرُ أن يقود الأم إلى الندم؟ مكاشفة السوار للأم أظهرت لها كم هي مغبونة لا كم هي مجرمة، فمن عليه الندم إذاً، الأم أم البحر؟

انقلاب الحتمية إلى احتمال، وعدم تحقق ما رُتِّب للأم أوثقَ البحرَ والأمَ على طرفي صراع، تديم الأمُ النظر في البحر، الذي كانت تراه مجرد كينونة ماء وصخور، وتقول محترقة: أحقاً هيَّأت لي أكل بقايا ولدي غريقاً؟

أحقاً هيأت لها أكل عدنان غريقاً؟ هذا هو العذاب الذي لا ينطوي، فلم يكن عذاب الأم من غرق عدنان بقدر ما كان من شعور الأم بالغبن وبالجنون الذي كان ينتظرها بعد غفلة وحُلم لو أكلت السمك؛ فلعب البحرُ دورَ القَدَريَّة الجديدة، قدرية حلّت محل القدرية اليونانية المتمثلة في الآلهة وما ترسمه للشخصية، إلا أنا ثمة مورثات موضوعية أسطورية حاكت القصة، مثل موضوعة الحلم الذي رأته الأم، وأخبرت به زوجها، وملأها قلقاً من السمك.

مكاشفة السوار المعدني قادتنا إلى المحرق المولِّد للذة الجمال في القصة، فالصراع، على قصر القصة، صراع بين الأم والبحر، بين الأم التي كانت ترى البحر مجرد كينونة لا وجوداً مكتملاً: (ارتاحت أم عدنان على مصطبة أمام محل مغلق، وجهها إلى البحر، لكنها لا تنظر إليه، وحتى إلى السماء الملوثة بضجيج طائرات غريبة). تلك الكينونة يدركها الإنسان ولا تدرك نفسها، وفجأة عرفت الأم البحر على حقيقته؛ فهو وجود له حرية الاختيار والاحتفاظ بعدنان وأشيائه مثل ناي القصب: (تقف على صخرة فوق القبر الأزرق الواسع تنادي على الموج أن يأتيها بناي القصب). أما البحر، فقد أدرك نفسه وأدرك أن عدنان يحبه كوجود مكتمل: (صحراء أنت، كثبانك ماء وزفير زبد…لكنني أحبك أيها الأزرق المالح). وعدنان لم يكن خائفاً من البحر مثل رفاقه على ظهر القارب (كان الزورق يتمايل فوق الموج كأنه خصر راقصة في ملهى رخيص… عدنان معتاد على عضب البحر وعلى غنجه ، لكن أكثر الراكبين كانوا خائفين حد الرعب ) أدرك البحرُ حب عدنان له، فغالب الأم في حبها ابنَها واستخلصه لنفسه، وهكذا ، حيكت القصة بجهدِ إرادتي الأم والبحر في اقتناء عدنان، وانسجم إيقاعها مع تواتر الصراع الدائر بينهما، غير أنه صراع خفي يستلزمه النفسُ القصصي القصير.

 جمالية التمثيل:

استعنت بالأدب المقارن في مفهوم التمثيل، وأردت به على وجه الدقة تمثيل النص في مجال فنيّ آخر مثل النقد والمسرح والسينما …فكثيرة هي الأعمال الفيلمية المستلهَمة من أعمال أدبية سواء انطوت هذه الأعمال على أساليبَ سرديةٍ بصرية – سمعية أم لم تنطوِ.

جاء في النص: “لكن شيئاً سمعت طرقته بالسكين لمع بين المهضوم واللا مهضوم…. دققت النظر فكان سواراً معدنياً مطوياً على بعضه”.

لمع السوار بين المهضوم واللا مهضوم فلمعت تلك العبارة أكثر في اللقطة المندرجة في لغة فيلمية ناضجة، فلو قرأنا هذه العبارة فيليماً لكان التمثيل السوي لها فيما يسمى اللقطة المندرجة التي تعرض من منظور قريب المرئي مكبراً ليكون أساساً في الحبكة الفيلمية، وتكمن جمالية تلك اللقطة في أهميتها الدينامية أي الإحراكية كمفصل أساس يغير مسار أعمال الممثل ومصيره تماماً مثلما غير السوار مصير الأم. تمثل تلك اللقطة خيال الكاتب وتميِّزه، فوُظِّف السوار المعدني في سياق رمزي؛ إذ خلَّص السوار الأم من مصيرها المحتوم وقلب الحتمية إلى احتمال، فالسوار رمزٌ لسيرورةِ فكرة، بدأت بأنها وسيلة طاردة للطاقة السلبية، وانتهت في خيال الكاتب إلى المفارقة التي تقوم على الانقلاب والتعرف، فانقلبت الحتمية إلى احتمال، وتعرفت الأم على ما كان ينتظرها من جنون وألم، وتعرفت على البحر كوجود مكتمل.

يسرد الراوي قصته من زاوية الرؤية من الخلف؛ فيستبطن العالمَ الداخلي للشخصية، ويروي ما تقدم وتأخر من الأقوال، وعلى الرغم من ذلك فإن الوحدات السردية الأساس ظلت محتفظة بقدرتها على الدهشة ومكاشفة الجديد الممتع كأساس في ساردية القارئ. جاء في النص: (تنظر السمكة إلى أم عدنان بعينيها الواسعتين اللامعتين، وأم عدنان تزيح بصرها بخوف وتحسب) اكتفى النص بإخبارنا بدلالة واحدة، وهي أن أم عدنان كانت خائفة من لمعان عين السمكة وهي تنظفها؛ أي قبل أن تعرف ما في داخلها، ولكن بعد أن قرأنا كامل النص، وعرفنا ما في داخل السمكة، فإن الدلالة السابقة لم تعد كافية؛ إذ تُثمَّر بارتباطها بكامل النص، وتوحي بدلالة جديدة، وهي خوف السمكة من الأم في أن تعرف الأمُ فيما في داخلها. وهكذا ارتبطت الوحدات السردية بعلاقة المكاشفة وتثمير الدلالات. تتركنا علاقة المكاشفة على قيد الحيرة وتكرار قراءة النص كالمشي على الرمال المتحركة؛ فحكاية القارئ تُنسَج جدلياً بين الحيرة واليقين، بين التكوين والانحلال؛ إذ سُردت حكاية اكتشاف الأم بقايا ولدها في بطن السمكة على أنها حقيقة، ثم اكتشفنا أنها كانت حلماً، ثم عاد الراوي وأكد لنا أن عدنان قد تحوّل حقاً إلى طعام لسمك البحر عبر خبر يحمله الأب للأم مصدِّقاً فيه حُلمها الذي رأته بعد غفوة وهي تنظف السمك؛ فالحلم أسبق إنباء من الواقع، ونحن لسنا إلا ظل حلم، تارة نراه وتارة نلعب أدواره. وهكذا فإنه على الرغم من أن الواقع يعقِب الحلم، ويتأخر عنه إلا أنه يأتي مصدقاً له؛ فالواقع هو ذاك المهرج الذي يلعب دور الملك على الملك! فإذا كان الواقع مصدقاً للحلم، فأيُّهما أكثر واقعية: الحياة الحقيقية أم الحلم؟ وأيهما أكثر التصاقاً بالواقع: التيار الواقعي أم الرومانتيكي؟

أم عدنان وجارتها أم سامر تأبيان النسيان، كلتاهما على حداد دائم؛ فالنسيان، كما قيل، هو تدريب الخيال على احترام الواقع، وواقعنا لا يحتاج إلى احترام أو نسيان بل إلى تغيير جذري؛ فقصة “الغداء الأخير” لم تنص على موضوعة واحدة وهي مُكْنة تغيير الحتمية، بل قالت موضوعة أخرى أساسية، وهي عدم النسيان تدريب الخيال على تغيير الواقع.

لا بد من العودة لتغيير الواقع، والهروب والنسيان تقنين لواقع مرير، واقع كشفته القصة بين مدّ وجزر، بين تفكيك وإعادة بناء لعبارة مشهورة لمحمود درويش انتظمت النص، وهي: (لم نعد نعلم من الذي هاجر نحن أم الوطن!)؛ إذ تمت استعارة هذه العبارة وتفكيكها حوارياً في نص “الغداء الأخير”، يقول أبو عدنان لولده: (كأنك تهرب من البلد يا ولدي؟) فيرد عدنان: (لا يا أبي كأن البلد يهرب منا!!). وتحسم عودةُ عدنانَ بقايا في بطن السمك ذاك الجدل بين العبارتين، فيقول أبو عدنان بعد أن تغَّمد البحرُ ابنه: (كأن البلاد لا تهرب من ساكنيها يا عدنان!!).

وخلاصة حديثنا أن الأدب هو الآخر الصديق لذاتنا، وليس انعكاساً لمجتمعنا، إنه يسري بيننا وفينا، وتمثيلنا لحكاية القصة في أكثر من مجال فني (كالتأويل والنقد) ليس من باب البذخ، بل لأن الأدب رسول يحاكي مجتمعنا فيكمل ما ينقصنا.

********************************************************

خمسات

اللغة / الحديث الدينامي: إن أبرز سمة لقصص رسلان عودة هي بساطة اللغة الصائبة، فهي بوضوح السلسبيل؛ ولم تكن اللغة مجرد أداة حاملة للأفكار، بل هي الفكرة بحدّ ذاتها؛ فثمة فرق بين أن أكتب باللغة، وأعدها حامل أفكار ولا أنتمي إلى هذه اللغة كما لو كنت أكتب باللغة الإنكليزية، وجلّ همي هو دقة القواعد، وبين أن أفكر باللغة وأنتمي إليها وأنا أكتب قصَّتي، وهذا هو جوهر الجمال اللغوي القصصي؛ فعلى الرغم من بساطة اللغة إلا أنها جميلة لأنها فعل متنام لا يمكن فصله عن الفكرة؛ أي لا يمكن القول ببساطةِ وجودِ شكلٍ ومضمون، بل بحقيقة وجود حدثٍ لغوي يتنفس فكرة؛ فالشكل الجميل فكرة جميلة: ( صار كل منهما أسير الآخر على وسادة واحدة) ، ( وحسرة أنفاس البلاد تحتنق في رئتيه)، ( يسري في الشارع الاصطناعي الطويل كأنه لا يسير، فهذه الصخور المقطوعة من جبال بعيدة غريبة عن هذا البحر مرصوصة فوق بعضها قهراً على قهر، يمتد جذع نخلة، يطفو صخراً على ماء! وقد غطى بطنها العريض الإسفلت المطرز بالأبيض ليمتد لساناً يلعق المياه الراكدة ولا يستطعم ملحها).

إن من أهم خصائص اللغة كحدث دينامي هو التبادل الدلالي؛ فلو قرأنا العبارة التي تصف حال يوسُف ووضعه في إحدى إمارات الخليج، إذ لم يستطع دخول هذه الإمارة إلا بكفالة مواطن خليجي قائلاً : ( عرف أنه محاصر هنا، وما إقامته الطويلة على شاطئ الخليج في هذه الإمارة المدللة إلا لأنه مملوك لكفيلٍ مواطنٍ هو الممول لكل هذا الإنتاج الضخم لتاريخ هزيل)، فإننا لو قرأنا هذه العبارة وفق صناعة بلاغية لقلنا إن كلمة كفيل تستدعي نظيرها “مواطن” كما تستدعي كلمةُ “تجارة” نظيريها “الربحَ والخسارة”؛ فثمة تلاؤم دلالي سُمي بمراعاة النظير، ولكن وفق فكرتنا اللغة / الحدث الدينامي، فإن كلمة مواطن أو كفيل لم تعد نظيراً للأخرى بل نظيراً  لكلمة “مملوك”. فالأمر ليس صناعة بلاغية ، ولم تعد اللغة مجرد ائتلاف حروف محنطة، بل هو تبادل دلالي بحكم معاناة الشخصية الراوية وبحكم مجاورة الكلمات في سياق طغت فيه تلك المعاناة، وحرَّكت اللغة لإجراء هذا التبادل الدلالي، فاللغة حدث دينامي إحراكي، يتغير بتبادل دلالي بين عناصره؛ ولهذا، وبعد قراءتنا النص غدت تتبادر لذهني ،على أقل تقدير، كلمتا (مواطن، كفيل) في الإمارة الخليجية المدللة كلما ذُكِرتْ أمامي كلمة “مملوك”.

خرج رجال غسان كنفاني الثلاثة بحثاً عن لقمة العيش، فقبلوا بتهريبهم في خزان الماء، ولاقوا حتفهم بهذه الوسيلة فهم مخدوعون؛ وهذه هي موضوعة “رجال في الشمس” التي كتبها غسان كنفاني عام 1963. أما في قصة “خمسات” فإننا نجد موضوعة جديدة متطورة عن “المخدوعون” بالمغايرة، وهي موضوعة “الثائر الهيبرسي”، الذي تجاوز عن إرادة واقعه المأساوي، ورفض التهريب وإن كان بوسيلة آمنة. وهي موضوعة منطقية ولن أقول واقعية؛ لأنها ليست انعكاساً للواقع، ولم تمثل المجتمع في درجة الصفر، فهذه الموضوعة تمثل موقفاً فردياً محتملا يصحح المعادلة، ويعيد التوازن لمجتمع فقد بوصلته في الحرب؛ فالمجتمع يبحث في الآداب عامة والقصة خاصة عن حلمٍ موقفٍ لبناء واقع أفضل لا عن نسخة محنطة ينسخها في الأدب.

وما نقوم به الآن من قراءة تأويلية هي حالة من حالات تمثيل النص، وهو تعليق جمالي جمعي حول هذه الحالة الفريدة، تمثيل يجعل من الألم الفردي هماً اجتماعياً وانزياحاً عن المكننة، تمثيل يمد النص بقوة سحرية تغير تقلب المعايير، فدينامية النص الكامنة في عناصره ، مثل تطوير الموضوعات الأدبية الموروثة وغيرها، كما رأينا في الموضوعتين (المخدوعون، الثائر)، تُدرج النص في أرض الواقع بين الناس ليجذب أفكاراً ويطرد أخرى، إنه ذاك اللقاح الناجع في زمن الحرب؛ فالتمثيل تأصيل واقعي للنص، وإذا تكرر فإنه تأصيل النص في الموروث والضمير الجمعي.

أقول: إن التمثيل احتفال اجتماعي وتأصيل للمواقف الضمنية في النص، فهو ليس سرنمة اجتماعية، لأنه تحقيق جمالية النص كموقف اجتماعي، وبعبارة أخرى: تحقيق الضمير الفردي المحتمل ليوسف في الضمير الجمعي في زمن الحرب.

أحرق يوسف خمسين مليونا لينطق باسمه الحقيقي، فنُطقُ الاسم تحقيق وجود، كما لو أن الاسم هو الكلمة المفتاح السحرية التي باعد بها يوسف بينه وبين ظله الذي أراد التهريب وقبل به: (هذا ظلي ولست أنا، وهذا الجواز لا يجوز لي). ظله هو الآخر المجرم المدلّس، هو الآخر بطانة الذات ، فاضطرار يوسف للسفر قسمه على نفسه ، الأنا والآخر الظل عدو قيمه ، وأدرك يوسف أنه مخطئ في سفره / هروبه لا لأن الضمير العام يدينه، بل على النقيض فالشاطر من يهرب، بل لأن شعوره الفردي هو من كان ضاغطاً رائزاً في موقفه الفردي الذي خلق له هالة تاريخية مديدة لا تقل عن غيرها من الشخصيات الأدبية الموروثة، فسنظل نذكر يوسف ابن الرملة الذي رفض التهريب بجواز سفر مزور ، وسنظل نتمثله مادامت الحرب، كما نذكر رجال كنفاني وعبارته ” لماذا لم يدقوا جدران الخزان”، عبارته التي حكَّكنا شمس لغزها عن كثب في “خمسات”.

إن صناعة تاريخ الشخصية الأدبية انطلاقاً من موقف فردي مغاير هو الطريق إلى مسرحة هذه الشخصية في واقعنا كما لو كانت فرداً يحيا بيننا؛ لقد تجاوز يوسف موقفه المأزوم بموضوعة جديدة عن وعي وصراع فكان موقفه هيبرساً جديداً؛ إنه هيبرس بروميثوس إذ تجاوز كبير الألهة “زيوس”، واستخلص منه شعلة النار ووهبها للبشر. وها هو يوسف يلقي إلينا بموقفه لنتمثله، لقد أيقظ فينا، بتجاوزه الجنوني، تلك العفوية المحرِّرَة من كل تصنيف ومكننة، فكان موقفه جمالياً دينامياً ممثلاً الضمير الجمعي في أقصى احتمالاته التجاوزية المستقبلية.

وأخيراً، تظل تأويلاتنا طوافاً حول آثار النص، فلن يتقدم نقدنا عليه، بل سيبقى مثل سهم زينون أعجز من أن يتقدم عليه في زمن متقطع؛ إذ ستظل قصة “خمسات” تطرق ضمير كل فرد منا، راودته فكرة السفر عن حب الوطن؛ لأن القصة الحقيقية تعلمنا كيف نرى مستقبلنا مُوَدِّعين ركام الماضي والحاضر.    

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق