هيمنة الثقافة الغربية! – د. حسن حميد

د. حسن حميد

د. حسن حميد

كنت،ُ ومنذ زمن بعيد، ولم أزل أشعر بأن الهيمنة الغربية ليست هيمنة سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية.. فحسب، وإنما هي هيمنة ثقافية شديدة الوطء، شديدة الصلافة، وعنصرية أيضا تبدأ من اللغة وتوطيد أركانها والسهر على انتشارها تعليما وترجمة في الكثير من البلدان، ولا تنتهي بالترويج لآدابهم وثقافاتهم وعبر أحياز المنافسة البادية ما بين ثقافة إنكليزية وثقافة فرنسية، وما بين ثقافة أمريكية وثقافة ألمانية.

هذه الهيمنة الغربية ثقافيا أسهمت بأن نتعرف إلى الكثير من الآداب الغربية (الفرنسية، الإنكليزية، الألمانية، الأمريكية، السويدية، الإيطالية، الإسبانية…) روايات، وقصصا،ً وأشعارا،ً ومسرحيات، وأدب أطفال، وكتبا فكرية متعددة الموضوعات إلى حد قر في أذهان الكثيرين منا (وعبر أجيال ثقافية متتالية تترى) أن قراءة هذه الآداب الغربية يكفي المرء المثقف لكي يمتلك ثقافة واسعة ومهمة، وقد لعبت أقسام اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية في الجامعات العربية دورا مؤكدا على أهمية هذه الآداب ونخبويتها وعلو كعبها، الأمر الذي حجب الكثير من الآداب العالمية الأخرى، خصوصا آداب آسيا (بكل تقسيماتها الجغرافية والسياسية) وإفريقيا (بكل بلدانها القريبة من الضفة المتوسطية والبعيدة عنها معاً)، وجعلها تعيش في عزلة وحيدة ومحلية مغُرْقة في التجاهل واللامبالاة، والحق أن هذا الفعل بشقيه الباديين: الأول المتمثل بدعم الآداب الغربية والترويج لها طباعة وترجمة ونقدا،ً والثاني المتمثل بتجاهل الآداب الإفريقية والآسيوية، لم يكن (الفعل) سوى سياسة مخطط لها، ورؤيا عمُل من أجلها كثيرا،ً فلقد أراد الغرب أن يقول لشعوبنا ومثقفينا إنه متقدم في كل شيء ومتطور ومتجاوز، وإن أدبه يؤكد هذا، ومما لا مراء فيه هو أن الغرب متقدم أدبيا وثقافيا،ً وهذا لا يحتاج إلى نقاش أو جدل، وهو أمر مرغوب به، ومعظم شعوب الأرض، إن لم تكن كلها، تطمح إلى الإطلاع على هذا الأدب، وتلك الثقافات، ولكن ما يؤلم هذه الروح هو النزوع إلى الهيمنة الكلية، بما فيها الهيمنة الثقافية أيضا،ً ومن وجوه هذه الهيمنة وصورها تنحية الآداب الأخرى (الآسيوية والإفريقية) وتحييدها واتهامها بالقصور والسذاجة وعدم بلوغها (هي وأصحابها) سن الرشد.

وأرى من واجبي، هنا، أن أشير صراحة إلى أمر شديد الخطورة والأهمية وفحواه هو أنه لولا الأفكار الاشتراكية والروح الفكرية والسياسية الجديدة التي انتشرت في بلادنا مع انتشار الأحزاب الشيوعية (والاشتراكية بالطبع) لما عرف المثقفون العرب الآداب الروسية؛ الآداب التي كتبها: بوشكين، وغوغول، وتولستوي، ودويستوفسكي، ومكسيم غوركي، وتورغنيف، وإيفان بونين، وتشيخوف.

لا بل إنه من الإنصاف الإشارة أيضا إلى أن الروح الثقافية التي أسهمت الكنيسة الأرثوذكسية في انتشارها كانت هي وراء تشجيع الترجمات الأدبية والفكرية من اللغة الروسية إلى اللغة العربية، كما أن مراكز تعليم اللغة الروسية التي انتشرت في بلاد الشام، وخصوصا في البلاد الفلسطينية، أسهمت هي الأخرى بتعلم اللغة الروسية والتمكن من علومها، الأمر الذي رفد المترجمين من اللغة الروسية إلى اللغة العربية بمترجمين جدد جعلوا من فعالية الترجمة حالا ثقافية متواصلة العطاء متعددة الخبرات، لذلك عرفت بلاد الشام مبكراً، ولهذه الأسباب، الآداب الروسية قبل غيرها من البلاد العربية، بمن فيها البلاد المصرية العزيزة.

أتحدث عن الهيمنة الثقافية الغربية التي عملت في مجريين رئيسيين، الأول: نشر الثقافة والآداب الغربية بقوة في بلادنا والتركيز عليها، تدريساً، وترجمة، ونقداً، ودعاية، والثاني: حجب الآداب الأخرى، وفي رأس الآداب المحجوبة آداب آسيا وإفريقيا، قلت أتحدث عن هذه الهيمنة لأقول إنها ما زالت مهيمنة وحاجبة في آن معا على الرغم من حدوث حادثات جليلات في البلاد العربية كالاستقلال، وتعددية الأحزاب، واتساع رقعة الجامعات، وتعددية المصادر الثقافية، وكثرة المترجمين، والفورة التي شهدتها إصدارات الصحف والمجلات وسلاسل الكتب، والنزوع إلى عالم المثاقفة مع البلاد الأكثر قربا (الجغرافية) وشبها (التاريخ، العادات، العقائد).

إن اطلاعنا على الآداب الآسيوية والإفريقية ما زال في حدود متواضعة جداً، فنحن لا نعرف الكثير عن آداب وثقافات بلاد حضارية كبيرة مثل الهند، وإيران، والصين، واليابان، وأندونيسيا، وأثيوبيا، والسنغال، ونيجيريا، ومالي، وجنوب إفريقيا، وقد اقتصرت معرفتنا بهذه الثقافات والآداب الآسيوية والإفريقية على هبّات ثقافية كأن يحوز كاتب آسيوي أو إفريقي على جائزة كبيرة مثل جائزة نوبل، أو جائزة الكمنولث، أو جائزة الكونكور، أو جائزة غوته في كل من السويد، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا. أقول إن اطلاعنا على آداب شعوب اكتوت بنيران الاستعمار وويلاته، ونكبات الظروف وزلازلها، وغضب الأمكنة وعصف أمراضها، وتراكمات الجهل وظلموته الأسود.. ما زال متواضعاً، وضعيفاً، ونادراً، وكان من موجبات الجوار، والمثاقفة، والمشابهة، والتاريخ المشترك، أن تتنبه العقول وتعي أهمية الاطلاع على هذه الثقافة لا سيما أن بعض هذه الدول قطعت شوطا بعيدا في التطور، والمدنية، والرقي، والحداثة، وليست آدابها إلا وجها من وجوهها الباديات، فهل نتنبه إلى هذه الآداب ونعي ما فيها من أهمية وإبداع ومثاقفة مثلما تنبهنا إلى أهمية الثقافة والآداب الرابحة في بلاد أمريكا الجنوبية؟ إنه سؤال برسم أهل الثقافة!.

د. حسن حميد – مجلة الطلائع العدد 1622