هل يخرج مخيم اليرموك من براثن الإرهاب والتجويع؟! – عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح ادريس

عبد الفتاح ادريس

البعض من الفلسطينيين الذين امتشقوا سهامهم المسمومة مصوبين حقدهم ضد النظام والشعب في سورية، ملؤوا الدنيا صخباً مختصرين أزمة مخيم اليرموك في حصار ظالم من (النظام) والدولة السورية!! وكأن المطلوب هو تسهيل المرور لعصابات الإجرام والقتل، ودعم مهمتهم التكفيرية بإفلات عقالهم لمزيد من العبث والقتل وصولاً لأحياء دمشق الملاصقة للمخيم! وإلا ما معنى تركيز الدعاية على حصار خارجي للمخيم منع مقومات الحياة وأمطر ما تبقّى من الفلسطينيين كما يقولون ببراميل الموت!. وكأن السلاح الذي تملكه المجموعات المسلحة الخارجة على القانون في المخيم هو مجرد سلام آمن يمطر الحب والورود!! وبكافة الألوان!!.

صفحات التواصل الاجتماعي والنشاطات التي لا حصر لها في المدن الأوروبية تصنع عالماً افتراضياً لممارسة العدوان على الشعب السوري والجيش السوري والوطن السوري بأساليب إعلامية غريبة!! هذه النشاطات الظلامية تقام اليوم من قبل مؤسسات كانت حتى وقت قريب تناغم خطواتها مع دمشق الصمود والمقاومة لدعم حقوق الفلسطينيين بالعودة إلى بلادهم ووطنهم فلسطين!! أما اليوم فقد أجل القائمون عليها النشاطات والمؤتمرات والتجمعات التي تقام ضد الكيان الصهيوني المحتل وضد القوى الاستعمارية المؤيدة لهذا المشروع الاحتلالي. واستعادوا بدلاً عنها مؤتمرات ووقفات وتجمعات لتأييد الإرهاب التكفيري في سورية ولتأييد القتل وتشجيع إسالة الدماء باسم حرية الشعب السوري والدفاع عنه ودعمه!! أسماء تعرفونها جميعاً كانت تحجّ كل موسم إلى دمشق العروبة والصمود، دمشق المقاومة أو هذا على الأقل ما كانوا يسمعوننا إياه: ثناءً وعرفاناً وشكراناً!! هؤلاء من أمثال ماجد الزير وأسماء أخرى كثيرة تعرفونها وتعرفون انتماءها طالما استقبلت واستأثرت وفتحت دمشق أحضانها لهم ولقضيتهم هم اليوم في أقصى العداء والتنكر للفرع الذي أسقاهم الأمل والحياة!! على مدى سنوات طويلة!! وهم يريدون أن يقنعونا باطلاً برؤية سقيمة معتمة ظلامية مختصرة بالمقولة التالية: مخيم اليرموك محاصر من قبل النظام ويمطر ببراميل الموت في كل لحظة.. والمطلوب فك الحصار عن مَنْ؟؟ بالتأكيد عن المسلحين والتكفيريين الذين ينتمون إلى نفس الخط والجنس من الفكر الذي يتسربلون به!.. لقد كانوا مقاومة وفصيلاً مقاوماً ولكن عندما سوّلت لهم أحلامهم المهيضة أن أياماً ويصبح أصدقاؤهم وحلفاؤهم قيد التصفية والسقوط عندئذ انقلبوا وبدّلوا مواقفهم وأفكارهم فالأصدقاء والحلفاء أصبحوا أعداء بالنسبة لهم، والمقاومة انكفأت وبات الانتماء إلى الإخوان المسلمين والفكر الديني المتطرف هو خيارهم الوحيد، وضربوا بعرض الحائط الأخلاقيات والقيم.. وبات كل هدم وقتل ودمار (ثورة) يتغنّون بها في كل محفلٍ ومناسبةٍ، ومع ذلك يقولون كذباً بأنهم في حالة من النأي بالنفس.. وأفعالهم ومواقفهم تفضحهم.. ومجموعاتهم المقاتلة داخل المخيمات وخارجها تشي بهم صباح ومساء..

نحن هنا لا نريد أن ندخل بمناكفة طالما ترفّعنا عنها طوال الأزمة التي تحصد الزرع والضرع.. ولكنهم لم يهدأوا لحظة واحدة دعماً وإعلاماً ومواقف ضد هذا البلد الذي حضنهم ورعاهم سنوات طويلة. فكانت الجائزة حقداً ونكراناً وسنداً للمجرمين!! لم ندخل في الماضي في سجالات عقيمة معهم.. فحلفاء أمس اختاروا انتماءهم وتبعيتهم فصيلاً من فصائل الإخوان المسلمين.. كنا –ونعرف هنا- نراهن على انتمائهم المقاوم وعلى مراجعة كانت مطلوبة منهم ومن غيرهم لعلهم يطوّرون فكرهم السياسي والديني.. ويحدثون تعايشاً لا تناقضاً أو إلغاءً أو صداماً أو تكفيراً لمعنى من المعاني مع الذين يخالفونهم في الرأي والشراكة الوطنية.. لقد صبرنا عليهم وهم يهاجمون ويخطئون ويلغون نهجنا القومي الوطني ويُدينون تجاربه الرائدة في الحكم والقيادة!! وكنا نسمعهم يولولون بخيارهم (الإسلامي) الذي اصطفاهم الشعب بسببه!! وهذه كذبة كيري. فالإسلام هو دين الله لخلق الله وليس مقتصراً على فئة سياسية تتدعي ورثتها لدين الله وحكمه وقدره!! فليس من الحصافة أن يكون الدين خياراً وهدفاً سياسياً من صنع البشر ووفق أهواءهم الفانية!!. فبدلاً من أن تكون أهدافنا الكبرى في المقاومة وتحرير الأرض ومكافحة مشاريع الفوضى الهدامة والاستهداف الاستعماري لبلادنا عاملاً في مشاركة وطنية صادقة تجمعهم وتجمعنا على نهج مقاوم واحد..! اختاروا نهجاً دعاوياً خلافياً إقصائياً يصل إلى حد التكفير أحياناً!!.

نحن لا نريد أن نذكّر اليوم بمن تسبب بمأساة مخيم اليرموك وغيره من المخيمات الفلسطينية في سورية!؟ لا نريد أن نعيد الحقيقة في كل مرة على مسامع من لا يريد أن يسمع أو يرى أو يتفكّر.. باختصار نقول من تسبب في مأساة مخيم اليرموك وجلب الموت والدمار والقتل والتشرد والجوع هم هؤلاء العصابات الذين اختطفوا المخيم، وجعلوا منه خراباً يباباً.. ومنهم للأسف من ساعدهم من الفلسطينيين وهم على شاكلتهم من الانتماء والأهداف!! وهم معروفون بالأسماء والانتماءات.. لم يحسبوا حساباً لمأساة أبناء جلدتهم من الفلسطينيين بل كانوا شركاء بالتهجير والمحاصرة والتجويع والاستباحة لكل ما هو ثمين وغير ثمين. فكل شيء في مصطلحاتهم غزو وسبي وغنائم، وفي عرفهم خاضع لفتاوى مشايخهم.. والدين منهم براء..

لقد تعاملوا مع مخيم اليرموك كجزيرة معزولة بل (كغيتو).. وكأن ما يحدث في المخيم ليس له علاقة بالأزمة السورية، وليس له علاقة بالقضية الفلسطينية نفسها. فما يحدث اليوم في سورية بكل بساطة من أجل اليهود والصهيونية العالمية لتدمير بنية المقاومة ضد الاحتلال! ولخدمة المشاريع الإمبريالية في المنطقة!! وما يحدث اليوم في سورية هو بسبب فلسطين، ولإنقاذ الكيان الصهيوني من مصير محتوم هو الزوال!!!

لا نعرف السبب الذي يدعو للتركيز اليوم على مخيم اليرموك في مثل هذه الرؤية المريضة!! ونسيان ما يحدث لفلسطين والقضية الفلسطينية! لا نعرف لماذا يصرف النظر عن الاحتلال الصهيوني لفلسطين ويتم التركيز من المجموعات الإسلامية المختلفة على تدمير سورية!!! لا نفهم لماذا يشاح النظر اليوم لما يقوم به الاحتلال من تهويد للقدس والضفة والأغوار في ظل حراك دؤوب للوزير جون كيري لصناعة (اتفاق إطار) هو مجرد رؤية مستقبلية هاديةً للمفاوضين (لتصفية) المفاصل الأساسية للقضية الفلسطينية.. ويمكن أن نأخذ عبرة من كلام (الرئيس) محمود عباس الذي يطمئن الإسرائيليين بأنه لن يغرق الكيان الصهيوني باللاجئين الفلسطينيين الذين يودون العودة إلى وطنهم وبلادهم فلسطين!!! 

نقول اليوم إن العالم يحترم الأقوياء؛ والضعفاء لا مكان لهم على مآدب اللئام.. ونقول بصراحة: إن العرب والفلسطينيين ضعفاء بفعل انشغالهم بتدمير بلدانهم تحت وهم (الثورات) ومخلّفات الربيع الدامي الذي حطم كل شيء بما فيه القيم والمحرّمات الوطنية!!.

العرب اليوم وبعضاً من الفلسطينيين اختاروا بريق الوهم الخدّاع!! ودعموا القتل والتكفير والإرهاب لتدمير الدولة السورية والتفكيك المذهبي للمجتمعات العربية!! ونسوا أعداءهم وقضيتهم المقدّسة في فلسطين. بل ذهب البعض منهم للتحالف مع إسرائيل!! وهم اليوم يريدون أن تكون فلسطين نسياً منسياً! اليوم لا يوجد عالم عربي ولا عالم إسلامي متكاتف لمجابهة عدو الأمة (إسرائيل) الكل مشغول عن فلسطين بل أن الواقع العربي اليوم يضغط على الفلسطينيين أنفسهم للتنازل للولايات المتحدة مقابل الحفاظ على سلطة الحكم. والوضع الفلسطيني كما نرى وضع انقسامي منشغل بمخيم اليرموك، وبالخلاف بين غزة ورام الله!! وفي المقابل فإن إسرائيل تعتبر الأجواء فرصة مواتية لتصفية القضية الفلسطينية وفرض الشروط التي تتناسب مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية. لقد وصلنا اليوم إلى اختلاف بيننا في تشخيص الخطر وتشخيص العدو!! فمن هو العدو بعد أن أصبحت إسرائيل حليفاً للسعودية مثلاً!! وأصبح الصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني بنظر البعض مجرد دائرة من العنف يمكن حلها حول طاولة المفاوضات!!.

اليوم خطر الإرهاب التكفيري امتد ليصل للعامل الفلسطيني والقضية الفلسطينية! بعد أن دخلت القضية الفلسطينية ضمن هذا الحيّز ومؤثراته.

وهكذا فالخطر أولاً ليس قائماً في الدائرة العسكرية فقط بل في امتداداتها الفكرية، وعندما تصبح الدماء والأعراض والممتلكات والرأي الآخر نهباً لهذا الفكر ومقتضياته، وأخطر ما في هذا الملف هو توظيف الفلسطينيين في ملف الفتنة والظرف التكفيري. وبالتالي فإننا نقول اليوم يجب وقف الحرب على سورية حفاظاً على فلسطين. والصراع عند الحكماء يجب أن يكون مع العدو الصهيوني في وقت انتفت فيه الحكمة!! والتفكيك الفكري والقيمي لا يخدم القضية الفلسطينية، وهو بالتأكيد يضعف الجهد العربي الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني..

اليوم ونحن نشهد أملاً في إنقاذ مخيم اليرموك من سطوة المسلحين، نرجو الله أن يتم الإجراءات التي تطمئن شعبنا بإعادة عجلة الحياة والأمن.. ووقف المعاناة لعلها خطوة في مصالحة واسعة تشمل كافة فئات المجتمع السوري وتضع حداً للقتل والإرهاب والغرباء.