هل ستهتز حدود سايكس بيكو؟ – د.عبد اللطيف عمران

هل ستهتز حدود سايكس بيكو؟ - د.عبد اللطيف عمران

د.عبد اللطيف عمران

لا يمكن لعاقل أن يطمئن لمعطيات يقدّمها تحليل سياسي حول مستقبل المنطقة الجيوسياسي جرّاء الصراع المحتدم فيها، وعليها. فقد شهد تاريخها تبدلات عديدة في حدودها الجغرافية كادت تستقر بعد  سايكس – بيكو، لكن استمرار تبدّل أشكال الحروب ووظيفتها اليوم يربك الباحثين، ولاسيما أن المواجهات العسكرية التقليدية بين الدول كادت  تتلاشى ليحل محلها الحرب داخل الدولة الواحدة.

وهناك الآن تساؤلات عديدة حول مصير المشهد المحيّر الذي تعيشه  البلدان العربية، وحول مايمكن أن ينتج عن هذا المشهد من حدود جغرافية جديدة، أو ضمن البلد الواحد ولاسيما بعد أن صارت حدود الدولة الوطنية المشرقية هشّة ومهتزّة وعرضة للاختراق والتجاوز السهل خاصة أمام أفواج الإرهابيين الجوالين الذين فتح التحالف الرجعي العربي الصهيو-أطلسي هذه الحدود أمامهم.

ويكاد استنتاج المراقب يكون صحيحاً في أن هذا المشهد سينتج حدوداً جديدة قابلة للتغيّر باستمرار، لولا وجود الكيان الصهيوني، حيث أثبتت الأحداث الأخيرة أنه المستفيد الأهم من الجيوسياسية التقليدية والراهنة، فقد استفادت إسرائيل فائدة كبرى من هذه الأحداث فقدمت لها المجموعات الإرهابية المسلحة والأنظمة التي تدعمها خدمة كبرى لم تكن تحلم بها في زمن المدّ القومي العربي.

ويرى عدد من المتابعين والمحللّين أن النظريات الاستراتيجية الكبرى للصراع في المنطقة صارت تقليدية، فكتاب «رقعة الشطرنج الكبرى» لبريجنسكي، أو كتاب «لعبة الأمم» لكوبلاند، أوكتاب «لماذا تتحارب الأمم؟» لريتشارد نيد ليبو … وغيرها صارت في حساب الماضي، وقد يكون الماضي البعيد، ولاسيما من خلال انعكاس هذه النظريات على مآل الأوضاع الراهنة في الوطن العربي الذي طالما استُهدِفت العلاقات الأخوية والاستراتيجية بين أقطاره في القرن الماضي، لينتقل اليوم الاستهداف الى الدولة الوطنية، بل الى بعض المناطق في هذه الدولة، استهدافاً مناطقياً وطنياً وقومياً يهدّد التماسك الاجتماعي، والهوية الوطنية جرّاء  التركيز على طرح مفهوم الأقلية والأكثرية طرحاً يناقض مفهوم المواطنة، والوطن، والعيش والمصير المشتركين.

وقد نتجت بعض هذه الظواهر من انتقال إيديولوجيا المحافظين الجدد بالعدوى الى دول مثل قطر والسعودية وتركيا التي أدت دوراً سلبياً جداً في الإخفاق التاريخي للحركة الوطنية والعروبية، وللعلمانية. فحدثت تبدلات مفاجئة وسريعة في المنطقة أفضى بعضها ببساطة الى تفاهمات ومصالح مشتركة سعودية إسرائيلية عفوية أو مخطط لها. هذه التبدلات لم يكن متوقعاً أن تفضحها بهذه السرعة نتائج التفاهم الإيراني مع دول 5+1 .

فقد اعتدنا في السنوات الماضية على تنسيق إسرائيلي مع بعض الأنظمة العربية سرّاً وعلانية، لكن لم يصل مستوى التلاقي الى ماهو حاصل مع السعودية اليوم، فليس مجرد المصادفة تطابق المصالح السعودية الإسرائيلية تجاه العراق وسورية ولبنان وإيران واليمن…، وليس مصادفة أن ينقل نتنياهو وسعود الفيصل رسائل متشابهة بل مشتركة الى واشنطن خاصة حول جنيف السوري، والإيراني.

وليس مصادفة أيضاً أن تكتشف السعودية واسرائيل مباشرة أنهما لم تعودا دولتين وظيفيّتين بامتياز في المنطقة، وأن يقلقهما سوية هذا الاكتشاف بعدما تأكدتا من أن أمريكا تعبت من قيادة العالم، ولذلك لم تستطيعا تفهّم العناق الحار والطويل بين كيري وأشتون لحظة الاتفاق حول النووي الإيراني، فكانت تصريحات قيادتيهما متشابهة في تناقضها الحاد مع ماصرّح به زعماء العالم من أريحية وإيجابية وآمال ستنتج عن هذا الاتفاق.

والحقيقة أن الصمود العربي السوري، والاتفاق حول النووي الإيراني، ومايتصل بهما من أسباب ونتائج هو نقطة تحوّل جديد وإيجابي في العالم الجديد، ودليل على «أن السياسات الاستقلالية أكثر جدوى من سياسات العجز والتبعية والعمالة»، ودليل أيضاً على أن الدول الكبرى لم يعد باستطاعتها رسم المستقبل وعقد الصفقات وحدها بعيداً عن إرادة الشعوب وصمودها ومقاومتها، وعلى أننا في الوطن العربي بحاجة ملحّة الى انطلاقة جديدة لمشروع وطني عروبي يتجاوز الحدود الجيوسياسية التي رسمها ويرسمها الآخر، ولطالما حفل مشروعنا وفكرنا القومي بهكذا طروحات، لكن المفارقات بقيت قائمة بين النظرية والممارسة.