هكذا تحولت إسرائيل دولةً عنصريةً

الكاتب: آفا إيلوز / نشر في: هآرتس , 23/11/2013 

في 2010 كان من شغل في الماضي منصب الحاخام السفارادي الأكبر لإسرائيل لا يزال كما كان على مر السنين: ماكينة سياسية فائقة القوة، ذات تأثير واسع في السياسة والمجتمع في إسرائيل. هكذا تحولت إسرائيل دولةً عنصريةً

وفي إحدى عظاته الأسبوعية تساءل عن العمل الذي يؤديه يهود وأغيار في يوم السبت: “لم يولد الأغيار إلا لخدمتنا، وتلبية احتياجاتنا. وإذا لم يكن كذلك، فلا مكان لهم في العالم. فقط من أجل خدمة شعب إسرائيل”. 

وإذا لم تكن النقطة واضحة فإنه أضاف: “لماذا ينبغي للأغيار أن يعيشوا؟ إنهم سيعملون، سيحرثون، سيزرعون وسيحصدون. نحن نجلس كأفندي ونأكل”. 

في تشرين الأول الماضي دفن هذا الرجل في جنازة حضرها 800 ألف شخص. وقد أثنى ساسةٌ من كل الكتل على العالم الذي مات. 
ملاحظات عوفاديا يوسف، يتبناها حاخامات كثر وجمهور كبير من أنصار “شاس” وقطاعات أخرى من المجتمع الإسرائيلي، شرقيون وأشكناز. 
وعدا الملاحظات ذاتها يجدر بنا التوقف لقراءة الإعجاب بعوفاديا يوسف وأفكاره، ومقارنته بأي بريطاني أو فرنسي أو عربي يطلق مثل هذا الكلام على اليهود وكيف كان سيثير اشمئزازنا.

ولكن هذا الرجل الذي أطلق الكثير من الأوصاف المثيرة ضد غير اليهود نال الجوائز والثناء والقبول الصامت أو اللامبالاة من جانب المجتمع الإسرائيلي واليهود في العالم. 

كيف يحدث هذا؟ إن الرد باستخدام أوصاف “التعصب الديني” أو “العنصرية” ليس كافيا في معظم الحالات لتفسير الظاهرة. 
إذ لماذا يتعاطف الكثيرون من الناس، أو لا يبالون، مع آراء مخجلة يطلقها إسرائيليون علنا؟ ملاحظات مشابهة أطلقها شمعون غابسو، رئيس بلدية الناصرة عليت، حول منع العرب من الإقامة في المدينة أو الحظر الذي فرضه شموئيل إلياهو على تأجير بيوت للعرب في صفد، أو حديث وزير الاقتصاد نفتالي بينت عن قيمة الدم اليهودي؟ لماذا دولة ولدت في اللاسامية تتحمل تعابير فظة كهذه عن الترفع الديني والعرقي من أناس يمثلونها؟ 

عندما عدت إلى إسرائيل بعد إنهاء دراستي للدكتوراه، كنت لا أزال متدينة وارثوذكسية. 

وكانت مفاجأتي كبيرة أنني بدأت أشعر أن تديني ليس كمثل الحذاء المريح وإنما صار مناقضا، حذاء يضيق ويؤلم. واليهودية بدت لي قسرية: كنت ملزمة بأكل الحلال في كافتيريا الجامعة، وشراء الخمر الحلال واللحم الحلال من السوبرماركت. وصرت ملزمة ألا أستخدم وسائل النقل في “يوم الغفران”، وأن يقوم حاخام بتزويجي، وغدت مهمة التبضع يوم السبت صعبة. وكل النشاطات التي كانت تجعل الدين اختيارا شخصيا ضميريا، التي تفرض بشكل طبيعي وشبه غير ملموس، تحيد فعل الاختيار الخاص وتجعل التدين موصولا مباشرة بالدولة. 

إسرائيل أعادتني إلى التدين القسري، التدين الذي رفضه والداي عندما هاجرا من المغرب إلى فرنسا. 

وقد انتهى التساؤل الذي استمر عندي لسنوات حول الطابع اليهودي لدولة إسرائيل فجأة يوم اغتيال رئيس الحكومة، اسحق رابين، على يد متدين يدافع عن “أرض إسرائيل”، باسم توراة وشريعة لم نعرفها. 

في ذلك المساء اكتشفت أن تديني في فرنسا وأميركا كان سبيلا لتحقيق قيم الحرية والفردية، وفهمت أن حقوق الإنسان والإيمان بشمولية الوجود الإنساني تتقدم على إيماني الديني، كما فهمت أن ما يربط بين التدين والشمولية عندي حتى الآن، هو واقع أن فرنسا وأميركا وعدا بمواطنة متساوية للأقليات الدينية كاليهودية.

وفهمت شيئا آخر: بسبب أن النظرة الشمولية للدولة، التي كانت عندي أمرا بديهيا، ليست في أساس النظرة الجمعية لإسرائيل، لم أقبل بإطار “لليهود فقط”. 

ولحظة توقفت أن أكون متدينة، فرغت التجربة القوية وعظيمة الأثر التي عشتها عشرات السنين دفعة واحدة من مضمونها. ولأنها كانت مرتبطة بكثافة بمصالح الدولة، فقدت اليهودية قداستها.

دولة كل حاخاماتها 
في 2 تشرين الأول من العام الجاري رفضت المحكمة العليا التماسا لجماعة إسرائيليين طلبوا شطب كلمة “يهودي” من بطاقات هويتهم والاعتراف بهم كـ”إسرائيليين”. 

وبحسب المحكمة العليا، فإن إسرائيل لا تعترف بـ”إسرائيل” كجماعة عرقية (قومية) مشروعة، لأن القضاة لا يمكنهم سوى الاعتراف بالتصنيفات القائمة. 

ودولة إسرائيل قائمة من 65 عاما، لكن القضاة لم يروا أن المواطنة لا ينبغي أن ترتبط بالانتماء الديني، وأنها مساوية للهوية، وهكذا ناقضوا بشكل حاد كل مبررات وجود المشروع الصهيوني.

وهنا أيضا ينبغي التوقف والتساؤل. ما الذي كان يدفع القضاة للتنكر لتصنيف المواطنة، السائد في كل أرجاء العالم لتأكيد وجود الدول وتعزيز دعاوى سكانها بالانتماء إليها؟ ألا وجود للإسرائيليين كإسرائيليين؟ وهذا ما تبين عدم وجوده. 

الإسرائيليون غير موجودين. وفيما قطعت الوطنية الأوروبية الغربية والأميركية نفسها عن الدولة من منطلق تسهيل التمازج بين الجماعات العرقية والدينية المختلفة، حدث العكس في إسرائيل: الدولة رسخت المواطنة على الدين، وبذلك تحولت إلى دولة شعب محدد بتعابير دينية. والأغرب هي واقعة أنه تم منح جناح صغير من هذه المجموعة الدينية – الأرثوذكس – الحق في السيطرة على تصنيف الانتماء الديني. 
بكلمات أخرى، تنازلت الدولة الصهيونية بإرادتها عن الحق الأهم في الدول والأمم – الحق بتصنيف المواطنين – لصالح حاخامات أرثوذكس تحكموا بحياتهم في الغيتوات. 

فإسرائيل ليست مجرد يهودية وإنما بالتعريف الأضيق، دولة يهود أرثوذكس لا يعترفون بالثيولوجيا، والحلول الخلاقة التي وجدتها تيارات يهودية أخرى لصراع التقاليد مع الحداثة. 

وهذا يعني أن اليهودية ازدهرت في دول مسيحية ليبرالية أكثر مما في إسرائيل نفسها، وذلك ببساطة: لأن المنظومة البنيوية التي تميز ضد غير اليهود (العرب) هي نفسها المنظومة التي تميز ضد التيارات اليهودية غير الأرثوذكسية الأخرى في العالم. 

وهذه الحقيقة ليست مفاجئة. ما يفاجئ أكثر هو أن اليهود في أرجاء العالم وإسرائيل أيضا، بالكاد ينتبهون إليها. فكيف نفسر قلة وعي الكثير من اليهود في أرجاء العالم للمسار الغريب هذا الذي تسير فيه إسرائيل؟ 

اسمحوا لي بتقديم جواب: قرار المحكمة العليا، العام 2013، أقوال عوفاديا يوسف، إبعاد اليهودية الليبرالية عن إسرائيل والاستكانة بقبول الثقافة غير الليبرالية لإسرائيل – كل هذه تستند إلى رؤية تعتبر أن غاية وجود إسرائيل كدولة هو “حماية” اليهودية، المصنفة جينيا، عرقيا ودينيا. 

والأشكال الأساسية لقولبة العالم تسمى لدى علماء الاجتماع بـ “الخطط الثقافية”. والخطط الثقافية هي طريق غير واعٍ لفهم العالم وتفسيره وتنظيمه. 

مثلا، طوال مئات السنين طور اليهود التعلم أكثر من المسيحيين، وذلك لأسباب ثيولوجية بين الديانتين (أبدت جهات كثيرة في المسيحية شكوكا تجاه العلم والتعلم). 

وتتحول السمات الثيولوجية إلى سمات ثقافية عندما تنتظم في مؤسسات تنقل وتضاعف قيمة التعلم في أوساط الرجال اليهود، وهو ما زاد من تعزيز مؤسسات أخرى: رجال مثقفون نالوا مناصب عامة، منح دراسية، وفي النهاية نالوا زيجات أفضل. الغرفة، المدرسة الدينية، الزواج والعوائد الاقتصادية عملت جميعا على الحفاظ على قيمة التعليم في الطوائف اليهودية. لذلك، في محاولة لفهم كيف تحفظ إسرائيل عادة التمييز هذه من دون أن تنتبه لها، علينا فهم الإيمانيات والمؤسسات.
فقط من غير الأغيار 
يشكل اليهود كيانا سوسيولوجيا فريدا واستثنائيا، تغلب بشكل خلاق وعنيد على عقبتين جديتين لوجوده: الانقطاع الجغرافي والتواصل الزمني. 

وبشأن الانقطاع الجغرافي، ينبغي التذكير بأن مشتتي بابل شكلوا تحديا جديا لليهود حينما وزعهم في أرجاء العالم، لكنهم تغلبوا على هذا التوزيع. عمليا، لم يكن هناك أي شعب نجح بهذا القدر في العالم، في أن يلبس الصور المختلفة من الثقافات التي تواجد داخلها، وأن يستمر في اعتبار نفسه جماعة مختلفة، طوال أكثر من 2500 سنة، عدا اليهود. 

في فترات كان التواصل ووسائل النقل ضعيفة جدا أو غير متوفرة البتة، حافظ اليهود في جاليات مختلفة في العالم على علاقات مع بعضهم، وأنشأوا وحدة سوسيولوجية فريدة تتخطى الحدود والأقاليم. 

والإنجاز المذهل أكثر هو نجاح اليهود في الحفاظ على هويتهم الدينية والعرقية على مدى العصور، رغم العنف الدائم الذي واجهوه من أديان أخرى، المسيحية خصوصا والإسلام بشكل أقل. 

لم يتحمل شعب أبدا هذا الامتداد من الاحتقار، الكراهية، الخوف والعنف كاليهود. 

ورغم واقع أنه لم تكن لهم سيادة سياسية، وأنهم غيروا دينهم قسرا، واعتبروا مصدر الشر واتهموا بالجريمة الأفظع – قتل المسيح – واصل اليهود تواجدهم على مر السنين. 

واليهود لم يكونوا أقلية بل أوضح أقلية. واليهود صاروا شارة ونموذج الأقلية التي صمدت بجرأة أمام خطر الإبادة الدائم، والإكراه على تغيير الدين، والاعتقال ومصادرة الممتلكات والأراضي والكراهية من كل جانب. 

وما أتاح لليهود التغلب بهذا الشكل المذهل على الانقطاع الجغرافي ومواجهة الحملات التي لا تنقطع على هويتهم، هو الإيمان الميتافيزيقي الداخلي بأبديتهم، والذي نبع من فكرة الصلة الخاصة لليهود بالخالق. 

بل إن بولس المقدس – الذي أسهم أكثر من غيره في مأسسة المسيحية ونشرها – كان مقتنعا أن الله اختار اليهود لتلقي التوراة ونشرها في العالم. وكان لليهود رؤية خاصة لدورهم التاريخي في المشروع الالهي الكبير للجنس البشري. 

وساعدتهم هذه الرواية في وضع أنفسهم وراء العوامل العابرة للزمان والمكان وترسيخ هويتهم بمعنى ميتافيزيقي، لزمان خارج التاريخ. 
وجرى الإيمان بأن اليهود شعب أبدي، لهم صلة خاصة بالله ودور تاريخي فريد، إيمانيات وعادات أخرى (الشريعة هي السبيل الممتاز لمأسسة الإيمان، عن طريق تحويله إلى منظومة عملية في الحياة اليومية وبالتالي يغدو ملموسا، موضوعيا وقابلا للنقل). 

واحدى هذه الإيمانيات كانت أن اليهود يشكلون شعبا واحدا، موحدا، ذا جوهر مشترك. 

والمذهل أنه طوال مئات السنين حددت فيها اللغة والعادات المحلية والأنظمة السياسية هوية السكان، حافظ اليهود على شعور الاتحاد العابر للحدود. 

كانوا الجماعة الأولى العابرة للوطنية في التاريخ، وهو إنجاز تحقق بفضل الإيمان بجوهر يسمى “الشعب اليهودي” (الأمر الذي أنشأ واقع الشعب اليهودي). 

وتفسير هذا الإيمان القوي هو أنه إذا كان اليهود حرموا من الانتماء للبلدان التي عاشوا فيها فإنهم بتوق أنشأوا علاقات تضامن مع يهود بعيدين، أكثر مما مع من تقاسموا معهم الأرض. 

وربما يمكن الزعم أن شعور الانتماء عند اليهود للشعب يستقيم مع العلاقة مع الأرض والقومية، أو يسبقها (وجود الوكالة اليهودية يقوم على هذه الفكرة، أي على فرضية أن اليهود من كل أرجاء العالم لهم مقاربة تفضيلية وعلاقات انتماء بديهية لإسرائيل). 

وما جعل اليهود شعبا فريدا هو واقع أن الإبعاد الجغرافي الذي عانوا منه تناسب مع الثيولوجيا اليهودية التي شددت على الفصل الراديكالي بين اليهود وغير اليهود. 

وكما يظهر يشاي روزين وعادي أوفير، فإن مفهوم “الأغيار” والذي في العبرية المقرائية يعني ببساطة “الشعب”، نال معنى ضيقا ومحددا كـ”غير اليهودي” لدى الحاخامات، وصار يتزايد في سلبيته مع مرور الزمن. 

وبدأ استخدام تعبير “الأغيار” لرسم الحدود الصلبة بين من هم أعضاء في الجماعة وغير الأعضاء. 

وجاءت قوانين الحلال (للطعام والخمر) وقواعد التهود، وزواج الاختلاط والدفن ومراسم يوم السبت لتعزز هذه النظرة التي جعلت الاندماج مع غير اليهود مصدر دنس. 

وبحسب المؤرخ يعقوب كاتس في كتابه “التقاليد والأزمة” فإن يهود أوروبا الشرقية الذين عاشوا انفصالا تاما عن غير اليهود رأوا في الانفصال “نوعا من الإعلان بأنه لو كان ممكنا لوجب الفصل التام بين اليهود وغير اليهود. وبالفعل كتب أن “التمييز التام بين إسرائيل والشعوب الأخرى” قام وبل وتم فرضه، و”تشربه أبناء تلك الأجيال في شبابهم”. والثيولوجيا التي شددت على الفصل التام قادت في نهاية المطاف إلى رؤية غير اليهود كقوة ظلامية ومعادية. 

وكما يوحي البروفيسور في الدراسات اليهودية ساشا شتيرن في كتابه المهم “Jewish Identity in Early Rabbinic Writings” تم النظر لغير اليهود كمجرمين، مشتبهين بالجرائم الخطيرة والقتل والزنا وعبادة الأوثان. وهذا هو سبب الربط بين غير اليهود والخنازير والحيوانات عموما. 
وللمقارنة: اليونانيون استخدموا تعبير “بربري” للإشارة لكل من ليس يونانيا. 

لكن هذا المفهوم لم يعبر عن جوهر. البربر مثلوا منطقة جغرافية (الفرس، مصر) والعبيد ممن عاشوا تحت أنظمة استبدادية لم يكونوا ضمن أي تعريف. فأن تكون بربريا – أو يونانيا – هو وضع قابل للتغيير وليس جوهرا. 

والشرط هو أن البربري مؤهل لاستخدام الحكمة التي اعتبرت قدرة شمولية. فسقراط، مثلا، علّم عبد مانو، وهو بربري، الهندسة، وحوله إلى يوناني. وفي نظر المسيحي، غير المسيحي هو إنسان ينتظر تغيير دينه (قسرا)، ما يدل على أن الحد بين الحالتين يمكن اجتيازه بسهولة (عن طريق الإكراه). 

بالمقابل، لم تبد نظرة اليهود لأنفسهم اهتماما بتغيير دين الآخرين وشددت على اختلافهم عن غير اليهود. 

وذلك لأن اليهود كانوا موضوعين في خانة ثالثة، واضطروا لاختبار اختلافهم عن غير اليهود، بانفصالهم الرمزي والاقليمي والعنف غير المتوقف من جانب غير اليهود، ومرة ثانية بسبب منظومة القوانين التي فرضت عليهم وحالت دون اتصالهم بغير اليهود، وثالثة بسبب الإيمان اليهودي بالصلة الخاصة بالله ورسالته.

ويمكن لهذا السبب القول إن لليهود شعور اختلاف قويا ومتطرفا، يتجلى بالاهتمام بحماية طهر الجماعة. 

وهذا الاختلاف المتطرف عن غير اليهودي هو الحافز المركزي في الثيولوجيا اليهودية والقداسة الدينية التي أفلحت في إنشائها، على مر الأجيال، كحامٍ للهوية لا يمكن هزيمته.

هذا الشعور بالاختلاف المتطرف هو البنية الثقافية العميقة التي تساعد في توضيح كيف صمد اليهود أمام العنف والشتات على مر آلاف السنين. 

الليبرالية الحذرة واليسارية الواهمة 
وبودي رغم ما سبق عرض الفكرة التالية: إن الوسائل والاستراتيجيات التي كانت مناسبة بل وعملية لغرض بقاء الأقلية الأكثر ملاحقة في التاريخ وبلورة هويتها، لا تناسب بل تغدو خطيرة حينما تتحول إلى أغلبية. 

إذ يمكن الحفاظ على الأنماط الثقافية حتى عندما تكون الشروط الأولية التي بررت وجودها قد كفت عن الوجود. 

والحركة الصهيونية التي زعمت أنها تشكل ثورة علمانية في الشعب اليهودي، تبنت أنماطا دينية وبنت الدولة على شاكلتها، وبذلك خلدت هوية لا تناسب الأغلبية المعنية بترسيخ حكم ومؤسسات ليبرالية وعالمية. 

وأقدم مثالين بسيطين: الأول إبعاد العرب، الذين يعيشون منفصلين في مدن وأحياء خاصة ومبعدين عن العضوية الكاملة في الدولة. 

وبحسب نشرات مركز عدالة لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، هناك أكثر من 50 قانونا يميز ضد العرب، سواء في ما تعلق بالأرض، بقانون المواطنة، بالتعليم وموارد وميزانية الدولة. وهذه القوانين تستبعد وتفصل عمليا السكان العرب عن المجتمع اليهودي. 

والمثال الثاني هو استبعاد أشكال شرعية كثيرة لليهودية الليبرالية عن الدولة الإسرائيلية. 

فاليهودية الليبرالية غير مقبولة في إسرائيل. والسبب بسيط: قانون التهويد والزواج فيها يسمح بدخول أسهل لغير اليهود. أي أن التمييز ضد اليهودية غير الأرثوذكسية ممنوع في الأساس عن طريق ترتيب وإبعاد غير اليهود عن الجماعة اليهودية، يشكل القلق على طهارة الجماعة. 

ورغم أن هذا القلق مشروع من وجهة نظر دينية ضيقة، الا أنها تغدو انتهاكا فظا للتعددية الدينية وحقوق الإنسان الأساسية، عندما تتحول إلى واجبات تفرضها الدولة. فبأيدي أقلية أرثوذكسية تغدو الدولة حارسة أسوار الطهارة العرقية اليهودية. 

وبناء عليه فإن يهودية الدولة غير مقبولة بالتربيع: أولا لأن تاريخ الصدمات لا يمكنه أن يشكل تبريرا لأن لا تحافظ إسرائيل على مبادئ كل الدول الليبرالية في العالم، والقائلة إن الدولة لا يسعها تمثيل جماعة دينية واحدة والتنكر للغاية الشمولية للتمثيل المتساوي لكل الجماعات. 

وثانيا لأن اليهودية حافظت جيدا على اليهود من الصلة مع غير اليهود، فإن الدين لا يمكنه أن يشكل الخط الموجه لنظام ليبرالي. 

وقد حان الوقت لقبول حقيقة أنه في جوانب معينة من الفكر اليهودي عداء لطرق التفكير الحديثة، الليبرالية والشمولية. 

فالدين، الذي كان مجددا، ووفر العون للشعب الأشد ملاحقة ومهانة في التاريخ للحفاظ على كرامته وهويته – يتحول إلى وسيلة لتمييز ممأسس حينما يعمل كدين الدولة، بالضبط لأن اليهودية كانت موجهة بشكل كبير للحفاظ على الاختلاف والهوية المنفصلة عن غير اليهود. وما كان صالحا وجيدا لأقلية، ليس حكيما وربما خطير على الأغلبية. 

في العقد الأخير بشكل أو آخر، انكشف المنطق اليهودي الداخلي، الخصوصي، المشمول بدولة إسرائيل، أمام الجميع: خطاب بار إيلان الذي طالب فيه نتنياهو الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، طرد كمية هائلة من مهاجري العمل بمبادرة الوزير إيلي يشاي بسبب “خطرهم” على طهارة الدم اليهودي، الاستخدام المكثف للمحرقة النازية لتشخيص الأعداء الدوليين وتبرير غايات ونشاطات سياسية، والجولات الإلزامية للطلاب في الخليل لتعزيز الهوية اليهودية. كل هذه التجليات لتعزيز الطابع اليهودي والديني للمجتمع الإسرائيلي هي “نسخ – لصق” من الشتات، وهي موجهة لاستعادة هوية الأقلية وحمايتها، ولكن في سياق أغلبية قوية ذات قوة عسكرية. 

واليهودية المبرزة لإسرائيل تنال تأييدا في استطلاعات الرأي التي تحلل الميول السياسية في المجتمع الإسرائيلي. 

وفي استطلاع مهم أجرته مينا تسيمح، العام 2011، تجلى تغيير مثير في مواقف الشباب: وإذا كانت اليهودية في العام 1998 تحتل الموقع الثالث في الأهمية بعد الديمقراطية فإنها قفزت العام 2011 كهدف قومي للموقع الأول. 

وعبر الشباب عن تدنٍ حاد في دعمهم للديمقراطية وتزايد عدائهم لها. ويظهر استطلاع آخر نشرته “هآرتس” أجري في العام 2012 أن نصف الشبان ممن أنهوا الثانوية يعربون عن عدم استعدادهم للعيش في أحياء عربية، وهذه الاستطلاعات تبين التناغم القوي بين اليهودية المتزايدة، والاشتباه بالديمقراطية والميول العنصرية في المجتمع الإسرائيلي. 

أما من يردون على أن العرب أو الأتراك يتعرضون أيضا للتمييز في فرنسا أو ألمانيا، وان إسرائيل ليست أسوأ من تلك الدول، أقول: العنصرية التي مصدرها السكان تختلف عن العنصرية التي مصدرها قوانين الدولة. وعندما يكون هذا التناسب يسهل تسويغ العنصرية – والدليل موجود في أقوال عوفاديا يوسف. وبفعلها هذا تتحول دولة إسرائيل إلى دولة مرفوضة جماعيا من قبل الآخرين. وفضلا عن ذلك، بعد مأسستها والمصادقة عليها من جانب الكيان الأقوى – الدولة – فإن القيم العامة ضد العنصرية تضعف. 

ومعارضة العنصرية وحماية حقوق الإنسان تبدو في إسرائيل كمواقف يسارية متطرفة، بينما هي في الدول الليبرالية مجرد قيم أساسية مشتركة لليسار واليمين. 

ولتغيير المواقف هذا عواقب سياسية مهمة. فسبب التخلي عن فكرة حل الدولتين يغدو المجتمع الإسرائيلي أشد تدينا وتقبلا لأفكار الهامشيين المسيحانيين، بأن الأراضي المحتلة يهودية بطبيعتها. 

وعند الإمعان في الثقافة السياسية الحالية في إسرائيل، والتدخل الواسع للأحزاب الدينية في السياسة الإسرائيلية والاهتمام المتزايد باليهودية في الفضاء العام، يمكن الاستنتاج بأن نموذج المواطنة الإسرائيلية الذي لم يفصل بين الدين والدولة قد فشل. 

فإذا كانت دولة إسرائيل تستبعد عن المشاركة فيها 20 في المئة من مواطنيها العرب، وتميز ضد اليهود من التيارات الليبرالية ولا يمكنها الاعتراف بـ”إسرائيلي” كنمط مواطنة ساري، فإن شيئا مختلا في ثقافتها السياسية. 

الخوف الوجودي والقوة الاستعراضية 
تتعلق الدول كثيرا بشكل تخيل أفرادها التضامن مع الآخرين. والخيال القومي لإسرائيل ينبع من ثلاث انعكاسات شتات: صياغة الانتماء القومي بتعابير دينية، التضامن مع يهود بعيدين بيسر أكثر ممن تتقاسم معهم الدولة، وعزل اليهود عن غير اليهود. وصوغت هذه الانعكاسات أنماط صياغة العلاقات الاجتماعية. وحقيقة أن إسرائيليين يتقاسمون فضاءهم العقلي ببساطة مع يهود بعيدين أكثر من عرب ومسيحيين حولهم، يمكنها أن تلبي حاجات هوية اليهود المشتتين في العالم، لكنها تعبر عن تفكك عقلي للأمة الإسرائيلية، مترافقة مع قلة ثقة وخوف من غير اليهودي، التي وفق منطقهم تتعاظم مع الوقت. 

وبينما كان الخوف وانعدام الثقة في الماضي رد فعل واقعيا مناسبا على اللاسامية، فإنها عندما تغدو ممأسسة وتخدم كسياسة معلنة، فإنها تنتج أمة انعزالية ومنعزلة، تتأرجح بين الخوف من الآخرين واستعراضات القوة. 

إن التاريخ اليهودي والرفض العربي يوضحان سبب توجه إسرائيل لمسار القوة العسكرية، لكن ذلك لا يفسر سبب اختيار مسار الضعف السياسي. لماذا الضعف؟ لأن الدول غير الليبرالية القائمة على التفوق الديني والعرقي لا يمكنها أن تنتج مشروعية على المدى البعيد. 

وإسرائيل اليوم معزولة أكثر مما كانت قبل 20 عاما سواء وسط اليهود أم غير اليهود… والعلمانية والحيادية المحمية ليبراليا هما السبيل لضمان قدرة الدولة على شمول وإدراج جماعات مختلفة. 

وقد شدد على ذلك ألكسندر هاميلتون، من مؤلفي الدستور الأميركي في القرن الـ 18 على ذلك في مقالته العاشرة: “من بين كل المزايا الكثيرة التي يضمنها لنا اتحاد مؤسس بشكل صحيح لا شيء يجدر تطويره بدقة أكثر من وقف وكبح عنف التشرذم”. 

وهاميلتون ليس متطرفا ولكن رؤيته تبدو جريئة بشكل استثنائي بالنسبة لإسرائيل. 

فهو يكتب أن الدولة هي اتحاد، والاتحاد لا يمكنه أن يعمل إذا لم يوفر إطارا تتجمع داخله مجموعات دينية وعرقية مختلفة. 

إن إسرائيل والصهيونية أكثر من مشروع قومي: إنهما توفران فرصة تاريخية فريدة لأن تتحول اليهودية إلى حضارة يمكن مقارنتها على شاكلة الحضارة الصينية، الإسلامية والأوروبية. 

فالحضارات تشمل الأديان، لكنها تعكس ما هو أكثر من ذلك لأنها مؤهلة لتبني ثقافات وجماعات بشرية أخرى وأيضا أن تطور فلسفات أخرى.

وفي مقالة نشرها في “نيو يورك ريفيو أوف بوكس” قبل وقت قصير من وفاته كتب المؤرخ الاشتراكي جون جات: “مع مرور السنين بدأت هذه الولاءات غير المقيدة – للدولة، لله، للفكرة، للإنسان – في إخافتي جدا. فالغطاء الرقيق للحضارة مؤسس على ما يمكن بالتأكيد أن يكون إيمانا زائفا بالإنسانية المشتركة بيننا. لكن حتى إن كانت زائفة أيضا، فمن الأفضل لنا أن نتمسك بها” (7 تشرين الثاني 2013، ص 102). 

لا سبيل أفضل لحب اليهود واليهودية من التمسك بمطلب أن تتحول إسرائيل إلى دولة علمانية شمولية، تمثل كل مواطنيها بشكل متساوٍ وتجسد فكرة الإنسانية المشتركة.