هكذا أنقذ الابرتهايد الذي ينازع الموت الصناعة الامنية الاسرائيلية

الكاتب: ألوف بن / نشر في: هآرتس , 12/12/2013

هكذا أنقذ الابرتهايد الذي ينازع الموت الصناعة الامنية الاسرائيليةكان نظام الابرتهايد (التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا) الزبون الأكبر والأهم للصناعة الامنية الاسرائيلية، ومول المشاريع الكبرى والأكثر طموحا لها. فقد كان الجنوب افريقيين “زبونا أسيرا”: جيشهم تمتع بميزانية طائلة، ولكن القوى العظمى الغربية فرضت عليه العقوبات ورفضت توريد اسلحة متطورة له. أما اسرائيل التي عانت من عزلة دولية خطيرة وكانت جائعة للسيولة النقدية، فلم تكن لديها قيود وثوابت كهذه.

بلغ التعاون ذروته في نهاية الثمانينيات، في فترة بدت في نظرة الى الوراء كسنوات منازعة حياة نظام الابرتهايد. وتشاركت اسرائيل مع جنوب افريقيا التكنولوجيات المتطورة التي أعدتها الصناعات الامنية. وأجرى كبار مسؤولي وزارة الدفاع والجيش الاسرائيلي اتصالات وأقاموا علاقات ممتازة مع نظرائهم الجنوب افريقيين، وعلى رأسهم وزير الدفاع ماغنوس مالان، رئيس الاركان كونستند بيليون ومسؤولي الصناعات الامنية الرسمية.

كانت الصفقة الأكبر، كما زُعم، قد وقعت قبل نحو ربع قرن، في صيف 1988. فقد باعت اسرائيل لجنوب افريقيا نحو 60 طائرة “كفير” خرجت من الخدمة في سلاح الجو، اجتازت تحسينا جذريا، وأُدخلت الى الخدمة في سلاح الجو الجنوب افريقي تحت اسم “تشيتا سي”. وكانت قيمة الصفقة 1.7 مليار دولار، مبلغ غير مسبوق.

 

تجاه الخارج وصف المشروع كتطوير للصناعة الجوية الجنوب افريقية، الذي سمي في حينه “أطلس″ وعُرضت كمقاولة رئيسة له. وأُبقي الدور الاسرائيلي في الظل. وإن كانت تفاصيل عنه نشرت هنا وهناك. أما عمليا فقد جرى عمل كبير في مشاريع الصناعة الجوية في اللد، وفي شركات اسرائيلية اخرى قدمت اجهزة فرعية وعناصر للمشروع.

 

لقد ساعدت الصفقة الجنوب افريقية الصناعة الجوية في التخلص من الازمة الجسيمة التي علقت فيها بعد الغاء مشروع الطائرة القتالية “لافي” في صيف 1987. مصنع الطائرات العسكرية الخاص بها، “لاهف” تم تحويله من انتاج الطائرات الجديدة الى تحسين الطائرات المتقادمة. وكانت للصناعات الاسرائيلية سلسلة منتجات تم تطويرها من اجل طائرة “لافي” – رادار، اجهزة قتال الكترونية، خوذات للطيارين، شاشة لحجرة الطيار وما شابه. ومع الغاء الطلب المرتقب من الجيش الاسرائيلي، اتجه الجهد نحو التصدير. وقفز زبونان لالتقاط اللقية. فقد اشترت الصين التكنولوجيات الاسرائيلية لطائرة قتالية طورتها، “جي 10″، التي سميت “لافي الصينية”. أما الجنوب افريقيين فحبذوا شراء طائرات “كفير” وادخال اجهزة لافي اليها.

كانت “كفير” هي الصيغة الاسرائيلية لميراج الفرنسية، مع محرك من انتاج امريكي. ولما كانت هكذا، فقد كان للادارة الامريكية حق الفيتو على تصدير “كفير”. وبالاجمال بُنيت نحو 200 طائرة كهذه، ولكنها تقادمت بسرعة وسعى سلاح الجو الى التخلص منها. أما الجنوب افريقيين الذين تخوفوا من التدخل السوفييتي والكوبي في الحرب الاهلية في انغولا المجاورة، فقد رأوا فرصة لتعزيز سلاح الجو لديهم.

وحسب منشورات اجنبية خلقت الصفقة مع جنوب افريقيا مشكلة: فقد فرضت الادارة الامريكية عقوبات على حكومة الابرتهايد، ولم يكن احتمال في أن تمنح الاذن لتصدير “كفير” مع المحرك الأصلي. فوجدت الصناعات الجوية والجنوب افريقية حلا وحصلتا على محركات من فرنسا، تم تركيبها بصيغة جنوب افريقية. وهكذا أُغلقت دائرة: الميراج التي خُطط لها في فرنسا ونُسخت في اسرائيل عادت الى محركها الأصلي.

في 1987 انضمت اسرائيل الى العقوبات الدولية على جنوب افريقيا، ولكنها أعلنت بأنها ستواصل احترام العقود القائمة لبيع السلاح. وبالتالي فقد عُرضت صفقة طائرات كفير كاستمرار لصفقات سابقة وليس كعقد جديد على الاطلاق. ويبدو أن الفرنسيين ايضا، موردي المحركات، تغطوا بعذر مشابه.

السيناريو المعقول هو أنه من الطرف الاسرائيلي قاد الصفقة وزير الدفاع اسحق رابين، مدير عام وزارته دافيد عبري، مدير عام الصناعات الجوية موشيه كرات، نائب مدير عام وزارة الدفاع للعلاقات الخارجية والامنية، حاييم كرمون، ورئيس البعثة الامنية في بريتوريا، العميد حجاي ريغف. ليس واضحا اذا كان رابين سافر بنفسه الى جنوب افريقيا للتوقيع على الصفقة أم أن كل اللقاءات أُديرت على مستويات العمل. وفي جهاز الامن احتفلوا بالانجاز، ولكنهم أبقوا تفاصيله في سرية كبيرة خوفا من ضغط امريكي يؤدي الى الغاء الصفقة.

بعد بضعة اسابيع من التوقيع على صفقة طائرات كفير، سجلت الصناعات الجوية انجازا تاريخيا آخر في اطلاق القمر الصناعي الاول في سلسلة اقمار التجسس “أوفيك”. وحسب منشورات اجنبية، في هذا المشروع ايضا، كان التعاون مع جنوب افريقيا حاسما. بدون التمويل الذي منحته حكومة الابرتهايد للمشروع، الذي كان على شفا الاغلاق بسبب مشاكل في الميزانية، ما كان القمر الصناعي الاسرائيلي ليصل الى الفضاء.

ولكن المشروعين الكبيرين لم ينقذا الابرتهايد من انهياره. ففي العام 1991 اشتد الضغط الامريكي على اسرائيل للكف عن الصفقات مع حكام بريتوريا، واضطرت حكومة اسحق شمير الى التوقيع على اتفاق تعهدت فيه اسرائيل بعدم تصدير منظومات الصواريخ للمدى المتوسط والبعيد. ولكن الامريكيين لم يعرقلوا صفقة طائرات كفير – تشيتا التي اجتازت التحسين ودخلت الى الخدمة في سلاح الجو الجنوب افريقي، الى أن استُبدلت قبل بضع سنوات.

سلاح جو الاكوادور، الذي من اجل شراء طائرات كفير من فوائض سلاح الجو الاسرائيلي، تزود ايضا بنحو عشر طائرات تشيتا خرجت من الخدمة في جنوب افريقيا. هذه هي الصيغة الاخيرة، حاليا، لصفقة السلاح الأكبر.