هـل نـشـهـد حـقـاً تـشـكّـل نـظـام إقـلـيـمـي جـديــد؟

الكاتب: تسفي مغين / نشر في: نظرة عليا , 30/11/2013

أجرى رئيس الوزراء نتنياهو مؤخرا زيارة الى روسيا والتقى بالرئيس بوتين. كان هذا لقاء مهما وذا معنى لا بأس به في المواضيع المتعلقة بالساحة الدولية. وكما هو متوقع، فإن الموضوع الإيراني كان الموضوع المركزي الذي بُحث في اللقاء، ولكن لا يزال من السابق لأوانه استخلاص الاستنتاجات بشأن النتائج العملية لهذا اللقاء.هـل نـشـهـد حـقـاً تـشـكّـل نـظـام إقـلـيـمـي جـديــد؟

لقد جاءت هذه الزيارة على خلفية التطورات في الشرق الأوسط، الجارية منذ الأحداث حول سورية وإيران. وفي إطارها تبدو واضحة جهود التقرب التي تقوم بها روسيا لسلسلة من الدول في المنطقة التي كانت حتى وقت أخير مضى توجد معها على علاقات متوترة بما فيها السعودية، مصر، العراق، الأردن والآن إسرائيل أيضا. هذا الميل ليس بالجديد في سياسة روسيا، التي حظيت حتى وقت أخير مضى باستجابة محدودة فقط لمغازلاتها لهذه الدول. يبدو أن الآن ستنقلب الأمور رأسا على عقب، الحقيقة ذات الآثار على تصميم النظام الإقليمي المستقبلي.

تُبدي روسيا، التي تتنافس على مكانة نفوذ في المنطقة، مؤخرا تواجدا فاعلا في معظم السياقات الإقليمية، عقب بث ثقة بالنفس حيال الولايات المتحدة. وذلك بعد فترة من عدم الاستقرار شهدتها على مدى أحداث الربيع العربي التي شطبت معظم ذخائرها في المنطقة ودفعتها الى الزاوية، الى جانب شركائها في الكتلة المتطرفة – إيران، سورية و”حزب الله”. ومن خلال الاستغلال الناجع جدا للحرب الأهلية في سورية، نجحت موسكو في تثبيت خط الكبح الإقليمي لديها، في ظل احتواء جزئي للضغوط من جانب منظومة الدول السنية، التي عملت ضدها بإسناد غربي. وكانت الذروة في هذا الحدث الإقليمي هي مناورة روسية ناجعة في موضوع السلاح الكيميائي السوري، والتي خلقت إمكانية لحماية نظام الأسد والمحور الراديكالي، حاليا على الأقل، جراء رفع مستوى مكانة روسيا في الساحة الدولية، على حساب صورة الولايات المتحدة.

إن نجاحات روسيا في الشرق الأوسط، كانت حتى وقت أخير مضى متواضعة نسبيا. ويبدو أن عمليا، في معظم المسائل التي تجتذب انتباه الساحة الدولية، تضع روسيا نفسها خارج اللعب. هكذا أيضا في المسيرة السلمية في القناة الإسرائيلية – الفلسطينية وكذا في الموضوع الإيراني. وتُعرض الانعطافة الإيرانية نحو الولايات المتحدة للخطر وجود المحور الراديكالي المناهض للغرب، العامل بإسناد من روسيا. ولكن تنقلب الأمور رأسا على عقب مؤخرا حيث أدت الأحداث في الجبهتين السورية والإيرانية الى تغيير في توجه بعض من اللاعبين الإقليميين، الذين يشعرون بأنهم يتعرضون للخيانة والتهديد من جانب سلوك الولايات المتحدة الإقليمي. ومنذئذ تجري سياقات، سواء بمبادرة روسيا، التي ترى منذ بداية الربيع العربي مثل هذه الفرص، أم بمبادرة دول مختلفة في الشرق الأوسط. وقد وجدت خيبة أمل هذه الدول تعبيرها ضمن أمور أخرى في محاولات جس النبض مع روسيا، التي تستغلها الأخيرة جيدا لاستئناف الحوار الذي ضيعته في عصر التقلبات، وثمة من يرى في هذه التغييرات آثارا بوسعها أن تؤثر على تصميم النظام الإقليمي المستقبلي.

وفي إطار ذلك يمكن الإشارة الى سلسلة تطورات في اتجاه تعاون روسيا مع دول الشرق الأوسط. الانعطافة البارزة تتم مؤخرا في علاقات روسيا – مصر. ففي الأسابيع الأخيرة تبدو واضحة حركة وفود مختلفة، وعلى رأسها زيارة وزيري الدفاع والخارجية الروسيين، الى جانب جهات أمن واستخبارات رفيعة المستوى، كما يدور الحديث عن زيارة محتملة للرئيس بوتين الى مصر. كما نشر أنه يجري الإعداد لصفقة مشتريات كبرى مع مصر، تمولها جزئيا السعودية.

إن علاقات روسيا مع السعودية تغيرت هي الأخرى. فحتى وقت أخير مضى ساد توتر بين الدولتين على خلفية كون روسيا، الداعمة الأساس للمحور الشيعي ونظام الأسد بينما السعودية تعمل كثيرا ضد المصالح الروسية في المنطقة وخارجها. ولكن الميل الأميركي الجديد في الموضوع السوري والإيراني يدفع السعودية أيضا الى البحث عن شركاء جدد لتوازن علاقاتها الخارجية. وكنتيجة لذلك تبدو واضحة في الأشهر الأخيرة انعطافة في العلاقات بين الدولتين. في هذا الإطار زار موسكو الأمير بندر بن سلطان، للبحث في تعاون أمني وكذا في نية الدفع الى الأمام بالأهداف السعودية في الموضوع السوري.

يمكن أن نُدخل في هذه القائمة أيضا العراق والأردن. فالعراق الذي هو حليف قديم لروسيا، يوثق علاقاته معها، منذ خروج الأميركيين من أراضيه، بما في ذلك في المجال الأمني (فقد اتُفق على صفقة سلاح كبرى، وإن لم تخرج الى حيز التنفيذ بسبب ضغوط مختلفة)، وفي المجال الاقتصادي، حيث تجري في العراق نشاطات تجارية روسية واسعة النطاق. والأردن هو الآخر استجاب مؤخرا للمغازلات الروسية. يدور الحديث هذه المرة عن صفقة لشراء مفاعل نووي روسي. وبين الدولتين تُبحث جوانب مختلفة من مظاهر التعاون الأخرى بما فيها الأمنية. ومؤخرا يدور الحديث أيضا عن زيارة قريبة للملك عبد الله الى روسيا.

وينبغي أن تضاف الى هذه القائمة الآن إسرائيل أيضا، التي توجد في منظومة علاقات طويلة مع روسيا التي ترى فيها لاعبا إقليميا مهما، وإن كانت العلاقات تتأثر في أحيان كثيرة بآثار المصالح الروسية الإقليمية. إسرائيل الساعية الى الفرص لتحقيق أهدافها في الساحة الدولية، مع التشديد على الموضوع الإيراني، تبدو الآن في نظر موسكو كجهة جديرة بتوسيع التعاون معها. وذلك بهدف إظهار المكانة المتعاظمة لروسيا كلاعب يصبح ذا نفوذ إقليمي مسيطر عندما يكون للتعاون مع إسرائيل – كجهة إقليمية مؤثرة وحليفة للولايات المتحدة – وزن كبير في هذا الاعتبار. وفضلا عن ذلك، فإن روسيا معنية بترميم مكانتها حيال إيران، التي تضررت عقب اجتياز هذه للخطوط نحو الغرب، الأمر الذي ستعمل روسيا على تحقيقه من خلال الدفع الى الأمام بمبادرة جسر خاصة بها. ونجاح هذه الأخيرة لا بد سيمنح موسكو إنجازا مناسبا مثل الإنجاز الذي تحقق في الحالة السورية.

ولإجمال هذه الصورة الجزئية يمكن القول إن الحديث يدور عن زخم فعل سياسي روسي واضح ومتفرع. والسؤال هو هل في ضوء الظروف الجديدة في المنطقة ستعطي هذه الجهود نتائج حقيقية. يبدو أن القاسم المشترك لدول المنطقة، التي تغازل روسيا، نشأ على خلفية ما يعتبر كصعود لقوة إيران، كتحصيل حاصل للتغيير في السياسة الأميركية، الى جانب إحساس الضعف الذي تبثه قيادتها. ولكن يبدو أن المغازلة لروسيا التي تأتي نتيجة لذلك، مؤقتة وتعكس إرادة هذه الدول للتأثير على سياسة الولايات المتحدة بالذات أكثر مما للإفادة من الفرص التي تمنحها روسيا في المقابل. واضح أن روسيا لا يمكنها ولا تدعي أن تشكل بديلا عن الولايات المتحدة، وإن كانت العلاقة معها مهمة بحد ذاتها، لتوازن علاقاتها الخارجية، مع الافتراض بأن الحوار مع الروس سيؤدي بالولايات المتحدة الى التراجع عن سياستها. من الجهة الأخرى، واضح أن الولايات المتحدة، التي بهتت صورتها مؤخرا، لن تتخلى عن مكانتها المسيطرة في الشرق الأوسط وستعمل على عدم السماح لروسيا بموطئ قدم ثقيل في المنطقة. يبدو أن السياسة الحالية للرئيس الإيراني ليست تغييرا للميل بل خطوة لتوسيع نفوذها على عموم اللاعبين الإقليميين، وإن كان مؤقتا، على حساب مصالح قسم منها.

ومع ذلك، فإن هذا السياق لمساعي التقارب الروسية، وإن كانت لن تغير جوهريا خريطة المحاور السياسية في المنطقة ونتائجها لا تزال غامضة، إلا أن فيها ما يمنح إنجازات مهمة لروسيا. فمجرد الاتصالات وبوادر التعاون، وإن كانت محدودة – في واقع تكون فيه المنظومة المناهضة للغرب التي أقامتها روسيا في الماضي توجد في مسيرة تبدد – بوسعها أن تساهم في ترسيخها مستقبلا كلاعب مؤثر في المنطقة.

بالنسبة لزيارة رئيس الوزراء نتنياهو، فمن ناحية الطرف الروسي استُغلت لنقل رسالة أخرى الى الساحة الدولية بشأن مكانة روسيا المتعاظمة. يبدو معقولا أن هذه استُغلت أيضا لفحص جدوى مبادرات روسية محتملة في الموضوع الإيراني. ومن ناحية إسرائيل أيضا شكلت الزيارة فرصة للتعبير عن الأهمية التي توليها لتوازن علاقاتها الخارجية، إضافة الى نفوذها في طرح رسائلها في المسألة الإيرانية، على افتراض أن روسيا لا تزال تمسك بروافع التأثير في هذا الموضوع. أما المواضيع الثنائية، التي طُرحت في هذه الزيارة، فليست جديدة ولكنها حيوية لتثبيت وتوسيع المنظومة القائمة.