ملك الرمال بريشة ليوناردو دافنشي .. نجدت أنزور ملك يطلق عصر التنوير- نارام سرجون

صورة من فيلم ملك الرماللم يتسن لي أن اشاهد فيلم ملك الرمال للمخرج نجدت أزور حتى الآن .. ولاأعرف مدى التقنيات السينمائية التي ستظهر ولا ابداع العقل السينمائي الذي أنتظره من أنزور .. ولا أعرف ان كان فيلما للتوثيق التاريخي أم أنه هوليوودي المزاج يجنح لدغدغة المشاعر دون عناية بالوثيقة .. لكن ماأعرفه هو أنني سأشاهد هذا الفيلم مئة مرة وربما ألف مرة .. لأن الثأر من اسرار مكبوتة قتلتنا عقودا لايرتوي بسهولة .. ولأن العمل الشجاع يعكس عقلا شجاعا وقلبا يبحث عن أسرار الوجود ..

ولأن النظر المديد في النور والقبس لايقاوم ولايشبع العين التي حرمت الضوء عقودا واعتقدت أن الوجود يلفه الظلام فقط وأن شعاع الشمس كذبة من أكاذيب شهرزاد .. والعرب ..

لن أسمح لانحيازي الذي لاأخفيه ضد المملكة السعودية بأن أكتب لصالح نجدت أنزور لأنني عندما أكتب سأكتب ماتمليه علي قناعتي مهما كانت .. لكن لابد لي من الاعتراف بأن فكرة فيلم “ملك الرمال” في هذا الزمن بالذات هي جذابة بشكل طاغ وفكرة ثورية لاتضاهى وستنتمي الى أعمال النهضة الكبرى وعصر النور والتنوير .. ومن يراجع فترة عصر النهضة الأوروبية يدرك ظروف التشابه بين نهوض “ملك الرمال” من تحت الرمال الساكنة في الشرق وبين نهوض فناني وقادة عصر النهضة من الفنانين والرسامين والكتاب الاوروبيين .. فعملية التغيير في كلاسيكية التفكير الأوروبي التي قادها رسامون ومثقفون ومفكرون ايطاليون كان عقب أحداث أليمة في أوروبة وايطاليا ..

البعض يعتقد ان عصر النهضة بدأ عندما سقطت القسطنطينية بيد محمد الفاتح وصدم ذلك السقوط المروع نخب أوروبة وحدثت ردة نحو الجذور اللاتينية للثقافة .. فهاجر المفكرون وعلماء الثقافة اللاتينية من تلك المدينة الى ايطاليا وهناك خرجت الكنوز اللاتينية من صناديق القسطنطينية لتطوف في ايطالية وأوروبة ويندلع النور .. والبعض يرى أن الطاعون او الموت الاسود الذي حدث في النصف الثاني من القرن الخامس عشر في اوروبة هو الذي فجر عصر النهضة .. فالموت الذي اجتاح ايطاليا وقضى على نصف سكان فلورنسا صدم الانسان الأوروبي وجعل المفكرين يتوجهون أكثر الى تقديس الحياة والانسان والوجود والتخلي عن تفضيل البحث عن الحياة الآخرة واللاهوت .. ولذلك ظهر ذلك الميل في الفنون الى الرسوم الواقعية ورسم الطبيعية والحياة ..

ووفق هذا المقياس والرؤية التاريخية اليوم فقد حدث شيء شبيه في الشرق في زمن الربيع العربي وزمن حريات الطاعون الأسود .. بعد سقوط بغداد (القسطنطينية) ونهوض مشاريع الديمقراطية المستوردة من مصانع الحصار الاقتصادي ومجلس الأمن والناتو هاجرت كثير من النخب العربية الى دول العالم .. فيما تسببت موجة الطاعون الأسود الاسلامي – التي تسبب بها العثمانيون الجدد والوهابيون – بالخراب وبموجات الفوضى العاتية والتي نتج عنها ظهور موجات الهجرة العشوائية للنخب والثقافة في عواصم الشمال العربي من بغداد و دمشق والقاهرة .. ولذلك صار من المتوقع أن هذه الصدمة الاجتماعية والصدمة النفسية من سهولة الموت والاستخفاف بالحياة والأوطان المحتلة والممزقة أو التي سقطت قد أطلقت الكثير من مشاعر التحدي والرفض .. واعادة احياء التفكير لصالح الانسان ..والحضارة .. وربما بسبب هذه الظروف الاستثنائية بزغت الآن براعم النهضة الشرقية ..

ولن أبالغ ان قلت بأن ملك الرمال سيكون أول عمل من أعمال عصر النهضة العربية الكبرى وهو يشبه في جرأته أعمال ليوناردو دافنشي وابداعاته من حيث تجرؤها على التابو المقدس والكلاسيكيات الفنية واطلاق العنان لكل امكانات العقل البشري وتصوراته في ظروف تشبه سقوط القسطنطينيات العربية وما تلاها من سقوط عواصم التنوير العربي تحت براثن الطاعون الأسود لمحمد بن عبد الوهاب وسلالات محمد الفاتح العثماني ..

نحن جميعا مدينون لنجدت أنزور لأنه فكّر بشكل خلاق وشجاع وبدأ أول درس تنويري ونهضوي وأول درس في الشجاعة الايديولوجية .. ولأنه أنقذ وجه الثقافة العربية كلها من عار السكوت على القبح وعار الهروب الجماعي من المواجهة .. وربما كان الأنسان الأكثر جسارة على مستوى العالم في هذا المشروع الانساني الكبير .. ولأنه أثبت أنه ملك في طموحه وتحديه عندما يهز الممالك والملوك والرمال .. وأشباه الرجال .. وزاد في احترامنا له لأنه تبين أنه نقي لايداهن ولايتملق ولايجامل ولايهاب .. ففي ذروة المواجهة الفكرية مع التيار الديني المتطرف قام باطلاق مسلسل (ماملكت ايمانكم) الذي صدم المجتمع به وقد عبر عن وجهة نظره بشفافية دون تردد الخائفين .. وفي ذروة العنف والتهديد بالعنف وقتل المفكرين والمبدعين وذبح البشر واحراق كل الأفكار الحرة لم يبال نجدت انزور بالتهديد بل وجه أول طعنة ثقافية قاتلة الى قلب المملكة السعودية لم يتلقاها منذ نشأتها السوداء .. وستؤسس هذه الطعنة لخلخلة في أعمدتها الرملية الواقفة منذ عدة عقود .. وهو يعرف أن مشروعه هو “كاميكاز” فني سيجعل اسمه معلقا ومطاردا في كل مكان في مدن الملح واصدقاء مدن الملح .. وسيكون هدفا للشر كما كان الكتاب اليتيم لناصر السعيد سببا في ملاحقته والتخلص منه وكرسالة تهديد شرسة لكل من يجرؤ على كشف مستور الملوك ..

وأنا شخصيا أحسست بالفخر والكبرياء وأنا أسمع عن هذا العمل السينمائي لأنه خلصني من شعوري بالعار من سجود المثقفين العرب وركوعهم أمام المال الخليجي والسعودي والذين أقعوا على مؤخراتهم وهم يهزون ذيولهم على أبواب القصور الملكية .. ولطالما تساءلت كيف يمكن لكل نخب هذه الأمة التي رأت مشهد الوحش الذي ينتزع قلبا بشريا من صدر انسان ليلوكه لاتصرخ ولاتنطق ببنت شفة ولا تقف حرجا وخجلا ولاتغطي عينيها بيديها .. بل تتابع انتاج معزوفات الكرامة والحرية من السعودية والخليج حيث المدرسة التي تخرج القتلة والفكر الطاعوني وكأن شيئا رهيبا أخلاقيا لم يحدث في كل التاريخ؟؟ .. ماهذه الأمة التي لايوجد فيها قبضاي واحد لديه شجاعة التصدي لهذه الهمجية والبربرية القروسطية بعمل فني ولوحة واحدة تسمي الأشرار وقلعتهم؟؟ .. ماهذه الأمة وماهذه النخب التي ترى قبح النظام السوري ولاتبشر بالحرية الا من قطر والسعودية ودبي .. وماهذه الجوقات من الفنانين والكتاب الذين لايعنيهم ذبح البشر ولايكترثون بصورة طفل يقطع الرؤوس ولا بصوت طائفي يكفر الناس ويهدر دمهم؟؟ .. ماهذه القطعان من الفنانين التي لاتخجل من شعب صار يموت من أجل أن ينكح الحور العين في السماء .. لقد صمت الكثيرون خوفا على الروح والرزق (الا ثلة من الفنانين الأنقياء) .. خنع الكثيرون ولاكوا القلب المقتلع من الصدر في صمت .. وشاركوا في حفلات قطعوا الرؤوس الهستيرية بسيوف الصمت مثلما فعل الثوار تماما ..

هؤلاء الصامتون لايقدرون على فتح أبواب عصر النهضة لأنها أبواب موصدة ثقيلة لايقدر على دفعها الا من كان ساعداه بلا سلاسل .. ولايدخلها من تقيد السلاسل صوته وتغلق السلاسل ستائر عينيه وتغلل يديه .. وهؤلاء سيبقون على الأبواب ولن يسمح لهم بالمرور الا الى النسيان الذي سيخرج منه أبناء ملك الرمال وثقافة الرمال ومثقفو الرمال وفنانو الرمال .. وأما أبواب عصر النهضة فانها تنتظر رجالا من مقاس نجدت أنزور وفنانين سوريين ومثقفين سوريين قرروا أن يصنعوا من دمشق فلورنسا الشرق ..

هذا زمن أسود قادت فيه مملكة الشر السعودية وثآليلها الخليجية العالم العربي والاسلامي الى الدرك الأسفل عبر تبني مشروع غربي سمي الربيع العربي .. واذا اردنا تعريفا وتلخيصا لما حدث في الربيع العربي فانه باختصار نجاح نموذج الانحطاط العربي في تدمير كل منجزات القرن العشرين للشعوب العربية .. والقاء كل ماكتبه رجال النهضة الأوائل عن النهضة والحلم العربي في دجلة والنيل والفرات .. السعودية كانت تربي هولاكو عربيا جاء من جزيرة العرب هذه المرة ودمر بغداد وشمال افريقيا واصاب ضفائر دمشق .. وتمكنت تلك الممالك والامارات المتخلفة من زعزعة جمهوريات عربية كانت تحلم فقط بعودة الشرق الى شرقه وأهله .. السودان وليبيا واليمن ومصر والعراق وسورية تعرضت لهجوم عنيف من ثوار الرمال وملوك الرمال ..

ملك الرمال نصّب نجدت أنزور ملكا لموجة فكرية جريئة .. فلم يعد مجرد مخرج سينمائي ورجل الكاميرا والصورة بل غادر مكانه التقليدي وانتقل الى مصاف صناع النهضة الفلاسفة .. فالنهضة ليست كتابة ومؤلفات واشعارا كلاسيكية بل هي سلوك وموقف وثورة على المألوف والتابو والطوطم وثورة على رمال العقل واطلاق العنان للتمرد ..

هذا الملك الفنان المثقف فعلها في عصر لايجرؤ مثقف واحد على انتقاد المملكة العربية السعودية التي تحتكر عملية انتاج الثقافة والفكر والابداع منذ قرابة عقود ثلاثة .. بل وتتحكم بسلالات الفنانين ونوعياتهم وتتسلى بانتخابهم واصطفائهم وتوليدهم كما تتسلى بتوليد سلالات الهجن والمواشي .. وتقوم بترويض الثقافة وتهجينها بالفكر الظلامي عبر أخطبوط عملاق من الفضائيات والصحف وجيش من الكتاب والفنانين الذين تسابقوا لنيل الجوائز والعقود والمكافآت المالية والشهرة .. حتى صار كل فنان وممثل لاينساب مع الثقافة الوهابية ولايتبناها يصبح منبوذا .. ولعلكم تذكرون الهجوم الذي تتعرض له الفنانة رغدا وفنانون سوريون .. رغدا رفضت الانضمام الى سباق الهجن الفنية بل تريد مع آخرين أن تنضم الى مدرسة ليوناردو دافنشي .. التي افتتحها نجدت أنزور .. الذي رسم لنا لوحة من الطبيعة اسمها “ملك الرمال” ..

هل هناك من ناقد واحد لايقر بشجاعة أنزور الفريدة في تناوله لأهم معقل من معاقل التخلف والمؤامرة على الشرق العربي والاسلامي .. كم الفارق كبير مثلا بين شجاعة أنزور والمشهد الرخيص المخجل المنافق الممالئ لجمال سليمان وهو يمتطي صهوة قناة العربية السعودية ليطالب بالحرية والاصلاح واحترام الانسان ولينصح الرئيس الأسد وقد نسي أنه يقف في حضن ملك الرمال وقد كسته الرمال وغطت وجهه واهدابه .. وكان الرمل يتناثر من بين شفتيه وهو ينادي بالحرية والثورة .. وجمال وأمثاله لم يقولوا في حياتهم كلمة واحدة عن الثقافة الرديئة التي تنتجها السعودية وعن العار الذي تمثله في مواقفها من قضية الانسان والحرية والمدنية والحضارة .. وبالطبع لن يقول جمال ذلك لأنه غارق في الرمال .. أما نجدت أنزور فقد نزل الى مواجهة الشر ومملكة الرمل وشهر سيفه للمبارزة .. في حين أن جمال مسح للشر رجليه ودلكهما بيديه ثم قبّلهما .. كما يفعل الكثيرون .. ولو قرأتم مقالة وزير الثقافة الثورجي رياض نعسان آغا المادحة لحاكم دبي “المحتلة” لعرفتم معنى تقبيل الأقدام والأظلاف والعيش بين الحوافر بطريقة ثورية ..

ولعل الملاحظة الأهم أن مايفعله نجدت أنزور لم يجرؤ عليه مخرج عالمي واحد من عتاولة السينما الأمريكية في مكافحة الارهاب .. وهذه التجربة السينمائية ستسجل على أنها أهم عمل انساني على الاطلاق لاقتلاع الارهاب على مستوى هذا الكوكب .. فكل ماقدمته السينما الأمريكية عن الارهاب هو بلا قيمة ولافائدة وهو الزور والضلال لأنها تتعامل مع منتجات الارهاب وأعماله وثماره مثل عمل مايكل مور (فهرنهايت 11) الذي ركز على العلاقة الشخصية بين عائلة بن لادن وعائلة بوش ولم يضع يده على الجرح وعش الارهاب ومدرسته .. السينما الغربية لم تضرب جذع الشجرة ولم تقلع جذرها ولم تضرب قلعة الشر بحجر صغير .. والمذهل أن ضرب مدرسة الارهاب ونسف كلياتها هو الشيء الذي لم تجرؤ عليه هوليوود ..

فهوليوود نفسها لم تتجرأ على نظام المملكة العربية السعودية بهذا الشكل لأن الاشارة الى حقل الشر الأسود ومفرخة القتلة ومزرعة الطاعون في السعودية يعني توليد رأي عام ضاغط وثقافة تطلب بشكل صريح من الادارات الاميريكية وشركات النفط أن تنهي تعاونها مع هذا الجزء من العالم السفلي وتعمل على عزله .. وهو مالاتريد أميريكا النقاش فيه ولا التحرج منه ..

ولكن كما نعلم فان هوليوود هي من يروج لأفكار أميريكا ومصالحها .. وهي مؤسسة يعنيها تماما ألا تتأثر سياسة اميريكا ولاأيديولوجية الانسان المتفوق .. وهي تحارب كل مبدع ينتقد أعصاب أميريكا النزقة ويصيبها في القلب والصميم .. فيستحيل أن يولد مثلا فيلم يتحدى الهولوكوست أو يصور الشعب الألماني على أنه شعب ليس شريرا بالمطلق .. ولكن هوليوود تعاقب من ينتقد اميريكا بقسوة .. ولانزال نذكر الممثل العملاق مارلون براندو بطل فيلم “العراب” الشهير الذي رفض تسلم جائزة أميريكية لأنه كما قال لايتلقى جوائز من قتلة الهنود الحمر .. فقد أغلقت هوليوود في وجهه ودفنته في التجاهل والنسيان حتى مات فقيرا ..

هوليوود هي في الحقيقة وزارة الاعلام الخفية في أميريكا التي تقوم على صياغة العقل البشري ووضعه في قوالب مقدسة وسجون حديدية قضبانها قصص ومشاهد وخدع ثقافية وفكرية .. ولذلك وضعت قضبانها الحديدية حول العقول والعيون .. والا كيف تتجاهل هوليوود أن 19 انتحاريا سعوديا وهابيا يرأسهم سعودي هو اسامة بن لادن هم من ضرب نيويورك وواشنطن .. ورغم كل الأسئلة الحائرة عن الجهة الحقيقية التي دبرت الهجوم فلم يسأل هوليوودي واحد عن هذه المدرسة التي تفرخ الارهابيين وعن الثقافة التي تنجب هذه الموجات من القتلة المجانين الذين ينتحرون بنطح ابنية بالطائرات المدنية .. بل ركزت الادبيات الغربية هجماتها على الاسلام ككل وحطمت المجتمعات الاسلامية المعتدلة التي هي العدو الطبيعي للوهابية السوداء .. وتركت رحم الارهاب في الجزيرة العربية وعشه سليما معافى يرمي على الشرق قاذوراته ويلقي حيضه و وبيوضه .. وهاهو نجدت أنزور يلقي الدرس الأول عل هوليوود تسمع .. جذر الارهاب هو هذه المملكة الرملية ..ببساطة ..

ظهور نجدت أنزور ليس عرضيا .. وعمله ليس مجرد مغامرة سينمائية بل هو رفض صارخ ومتحد لموقف نخب عربية وفنانين ومثقفين هاجروا الى الخليج العربي واستسلموا لماله وسطوته الاعلامية لأنهم اعتقدوا أن مركز الثقل السياسي والثقافي القادم سيكون في الخليج العربي “المحتل” كونه مركز الثروة التي قد تلعب دور ثروة نابولي وفينيسية وفلورنسا في رعاية الثقافة والافكار الخلاقة .. فهاجرت اليه وهي تحلم بعصر نهضة في أرض الطاعون الأسود .. لكن النخب التي هاجرت الى الخليج العربي انتحرت ثقافيا وتنويريا وفكريا وستدفن في الرمال ولن يبقى أثر لها .. لأنه لايمكن أن تكون هناك عاصمة خليجية منتجة للثقافة والفكر الخلاق .. فهذه أشباه دول لاتنتج حتى غذاءها وهي مستهلكة لثقافة أخرى غربية .. وهي محطات وقود كبيرة ومصرف كبير للنقد والبنكنوت .. ويستحيل أن يكون في الخليح العربي ثقافة فلورنسا القديمة الدفينة ولورينزو دي ميديتشي وكنوز اللاتين بل هي متناقضات فكرية فوضوية وكلها خاضعة للاحتلال المباشر وغير المباشر .. وبدل ثقافة دافنشي هناك ثقافة محمد بن عبد الوهاب والموت وعبد العزيز آل سعود وافكار يوسف القرضاوي ..وهذه رسالة نجدت أنزور دون مواربة للنخب التي تعيش هناك ..

هزيمة المشروع الاسلامي الوهابي في سورية كشفت ان فلورنسا الشرق التي غطتها الأزمات الكبرى هي في سورية وتحديدا في دمشق .. فهي بلد متعدد الثقافات والاتجاهات الفكرية والتيارات الثقافية والدينية الحرة .. وتحولت عبر الأزمات العديدة والغزوات التاريخية الى بحيرة ثقافية وفكرية وحضارية كامنة صبت فيها كل الأنهار الشرقية .. وكانت تنتظر لحظة تاريخية حاسمة لتعلن عصر النهضة الذي يتلو لحظة التألم الاجتماعي .. ولانبالغ ان قلنا بأن الهجرة الثقافية والفنية نحو دول الخليج خلّصت فلورنسا الشرق دمشق من عبء هؤلاء النخب التائهة الفائضة كما خلص الطاعون فلورنسا من فائضها السكاني الرث ..

نجدت أنزور الذي ظهر منذ سنوات ليس شخصا عاديا وليس مجرد مبدع عابر .. لكنه مفكر وفيلسوف وصاحب رسالة مؤثرة جدا .. وفوق كل هذا فانه ذو عقل ثائر ناهض .. وأنا على يقين أن لوحة ملك الرمال هي لوحة ثائرة من لوحات بدأها ليوناردو دافنشي منذ قرون واستكملها نجدت أنزور ..

ليوناردو سينهض من رقاده ليتأمل اللوحة الطبيعية التي بدأها في ايطاليا منذ قرون وأكملها نجدت أنزور اليوم .. وربما ينظر اليه بحسد لأنه يهدم عرشا من رمال ملأ رؤوس الشرق وعيونه وآذانه بالرمال .. وأخطر مافي “ملك الرمال” أنه سيفتح بابا لن يغلق بعد اليوم وسيلحق بمدرسة نجدت التنويرية مخرجون عالميون .. في تحدي المحظور وتحدي ثقافة هوليوود ..

نجدت أنزور .. دافنشي دمشق .. شكرا لأنك أطلقت عصر النهضة في هذا الشرق المصاب بالطاعون .. وشكرا لك ايها الملك الذي يهشم قلاع الرمل وممالك الرمل ..وملوك الرمل ..وملوك الطاعون الأسود. 

2013/12/08