مشروع (قناة البحرين)! و(السلام) الاقتصادي الإسرائيلي!! – عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح ادريس

عبد الفتاح ادريس

نحن لسنا اليوم بصدد تقديم إضاءات توثيقية على بنود الاتفاق الثلاثي الموقّع بين الكيان الصهيوني، وسلطة رام الله والحكومة الأردنية! فبنود الاتفاق الموقّع يوم 9 كانون الأول الجاري في واشنطن بمعية البنك الدولي لم تنشر على نطاق واسع بعد!! ولم تنشر الصحافة على حد علمي تفاصيل مهمة حول هذا الموضوع! ولكننا سنأخذ اليوم جانباً من المعاني السياسية والتطبيعية حول هذا الموضوع.. في ظروف عربية صعبة، استبيحت فيها القيم والمحرمات.. وطغى عليها التآمر والخيانات العربية في كل اتجاه..

نعم لقد كشفت نيران (الربيع العربي) القاتلة عريهم وخياناتهم وتواطؤهم مع أعداء الأمة.. وتآزر الرسميون العرب مع الصهاينة والغرب لزعزعة أركان النظام العربي الذي كان قائماً حتى الأمس والذي كانت تحيط به توازنات خجولة طبعت العمل العربي المشترك منذ عقود طويلة.. ولكن التخريب الفكري والقيمي والتدميري للبلدان العربية على هشاشة الأعمدة التي تقوم عليها كشف اللعبة الحقيقية وعرّاها، وكشف النوايا والاعتقادات والسياسات الخفية وأبرزها على السطح. وأزال ورقة التوت التي كانت تستر مواقفهم وإراداتهم المنهوبة للغرب الاستعماري والصهيونية العالمية..

لم يكن أحد ليتصور كيف ينسّق آل سعود الحاكمون في الجزيرة العربية مع الكيان الصهيوني والمخابرات الغربية لتدمير سورية وحرفها عن بوصلتها الموجهة دائماً ضد العدو الإسرائيلي، وإضعاف جيشها ونسف بنيتها الفكرية والقيميّة!! لم يكن أحد يتصوّر كيف تدفع السعودية مليارات الدولارات تسليحاً وتدريباً وإدارة لإرهاب الجماعات التكفيرية!! وكيف توجه كل طاقاتها لتفتيت المجتمع السوري على أساس مذهبي! وكيف تضغط على دول المنطقة والخليج لتحويل الصراع العربي الصهيوني إلى صراع جيش خطير مع إيران الجارة المسلمة.. لم يكن أحد ليتكهّن أن يصل الأمر لتدمير الدولة الليبية وتحويلها مستودعاً للإرهاب التكفيري.. لم يكن أحد ليتخيل كيف تجهض طموحات الشعب المصري المتطلع للانفكاك من آثار كامب ديفيد، والانعتاق من إضعاف دور مصر الاستراتيجي في المنطقة بفعل سلطة الإخوان المسلمين، وكيف تدفع مليارات الدولارات لتحويل وجهة التحولات في مصر إلى حالة ضعيفة محايدة لاتخرج عن الإرادة السعودية.. التي توجهها فكراً وهابياً تكفيرياً هو السبب اليوم لكل ما يحدث من توتّرات وصراعات على صعيد المنطقة والعالم..

كيف استطاعت السعودية بالتعاون مع المخابرات الغربية والإسرائيلية إلى الضغط على النظام الملكي في الأردن ليكون موطن عبور لتدمير العراق ومن ثم تدمير سورية.. من أجل حفنة من الدولارات وماض مرهون بالتعاون مع الغرب! كيف وكيف وكيف.. الأسئلة كثيرة جداً.

ولكن النتيجة اليوم تشير إلى منزلقات خطيرة تحدث على الأرض بحكم محاولة إضعاف عوامل الرد الاستراتيجي وإشغالها والتي يمثّلها محور المقاومة الذي تمثل دمشق فيه واسطة العقد وجوهرته.الباب الذي يفتح اليوم من واشنطن يوم التاسع من الشهر الجاري بتوقيع اتفاقية بين الكيان الصهيوني و (سلطة رام الله) والأردن لم يكن بالتأكيد وليد الساعة! أو أنه مجرد مفاجأة إعلامية كما يحدث عادة بالبرامج الترفيهية التلفزيونية!! لا بالطبع فيفترض أن محادثات سياسية وتقنيون قد جلسوا ساعات بل أيام وأشهر لوضع اللمسات التفصيلية على هذا المشروع.. فالمشروع ليس مجرد إجراء عادي أو حدث بسيط! فمشروع جر المياه إلى البحر الميت هو مشروع استراتيجي بأهمية قناة السويس نفسها. كما كان هرتسل الصهيوني يطمح إلى ذلك منذ أكثر من قرن مضى!! فقناة عابرة من هذا النوع كان ينظر الحاكم الصهيوني هي بديل استراتيجي عن قناة السويس بتحكم صهيوني!! وهذه أبسط الاستنتاجات التي يمكن للمرء تصوره.. فالمشروع بمدّ قناة إلى البحر الميت وربط البحر الميت بالبحر الأحمر ليس مشروعاً وليداً لهذه اللحظة بل إن الإرادات السياسية كانت قائمة من الجانب الصهيوني منذ فترة طويلة.. لقد كانت أملاً وطموحاً وتخطيطاً على الورق.. ولكنها مع تأسيس الكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين بإرادة استعمارية أصبح فيما بعد دراسات تقنية أخذت طريقها إلى غرف الهندسة والتخطيط الاستراتيجي! وخضعت إلى دراسات مستفيضة ليس المكان هنا للحديث عنها كما أسلفنا.. كما خرجت بعض الدراسات العربية إلى النور تلقى الضوء على هذا المشروع.. ولكن كان مشروعاً بنظر القارئ والسياسي العربي مجرّد تخيّلات إسرائيلية قد لا تجد مكاناً للتطبيق بفعل الواقع التكنولوجي والتكلفة الباهظة واستحالة التعاون الصهيوني العربي الرسمي آنذاك..!! ولكننا اليوم كما يبدو أصبحنا في موقع آخر.. فمسحه الخجل والعواقب الخطيرة لهذا الانحياز كانت تمثل سداً مانعاً لذلك. وقد زالت ورقة التوت التي تعرّي مواقفهم وعمالتهم وخيانتهم فلم يعد شيوخ النفط يحسبون الحساب بفعل ما أحدثوه من تخريب قيمي و اجتماعي وديني!!.

المشروع الموقّع عليه اليوم بتسريباته الأولي يشير إلى ربط البحر الأحمر من خليج العقبة بقناة تصل إلى البحر الميت المهدّد بالجفاف بفعل تناقص المياه القادمة من روافده من الشمال بسبب مشاريع المياه الإسرائيلية التي حجبت المياه، وبفعل عوامل الطقس وتناقص هطول الأمطار!! ولأن بحيرة طبرية أصبحت خزاناً ضخماً للمياه تحت التحكم الإسرائيلي! وهي ترفد مشاريع الري الكثيرة التي يديرها الكيان الصهيوني،

وتشير التسريبات أن الهدف من حيث الظاهر يتناول تحلية للمياه وإحياء البحر المشرف على الجفاف. بما يمكن أن يقدّمه المشروع أيضاً من تقاسم للمياه المحلاّة بين الجهات الثلاثة، إضافة لمشاريع زراعية ضخمة رديفة على حافة القناة في وادي عربة من البحر الأحمر إلى البحر الميت.. وما يمكن أن تقدمه المياه المتساقطة من بعض المواضع لتوليد الكهرباء.. ولعل شيئاً آخر لم يفصح عنه هو توليد بيئة مائية لتبريد مفاعلات نووية صغيرة يستفيد منها الأردن وجواره جنوباً امتداداً حتى الجزيرة العربية، التي ستدخل ضمن مجالات التطبيع القادمة. وهذا هو القصد البعيد من وراء الشراكة الإسرائيلية (العربية) في مشاريع استراتيجية من هذا النوع.

فالمطلوب بنهاية الأمر قبول الكيان الصهيوني (اليهودي) قبولاً تاماً ومنجزاً ضمن المنطقة كعضو (مؤسس) استراتيجي بالتشكيلة الإقليمية القادمة!! فنحن هنا لا نريد أن نذكر النذر اليسير الذي ضخّ في الإعلام بعد توقيع الاتفاق ولن نذكر مقادير الحصص الأولية الآن فللموضوع بحث آخر بتوفر المصادر.. ولكننا سنشير إلى معنى سيادي وتطبيعي لصالح الكيان الصهيوني.. ففي الاتفاق حصص من المياه تعطى للأردن و (سلطة رام الله) من مياه التحلية من الشمال حول بحيرة طبريا ولا نعرف إذا كانت هذه المياه هي حصيلة تحلية المياه الآسنة أم هي بالفعل مياه عذبة من بحيرة طبرية!! فالإسرائيليون لهم سابقة في هذا الأمر عندما أعطوا الأردنيين بقايا المياه الآسنة التي يستخدمها الإسرائيليون!!! فلماذا لم يعطوا مثلاً حصة مباشرة من مياه مشروع قناة (البحرين) هذه؟؟

باعتقادنا أن هذا الأمر مقصود تماماً فالإسرائيليون سيخضعون الأرض والبحر الميت بالتحديد للسيادة الإسرائيلية ولا يقبلون عن ذلك بديلاً آخر.. وستخبرنا الأيام ما كان مجهولاً في هذا الخصوص..

المشروع الذي سيكلف عشرة مليارات دولار ضمن القيمة التقديرية التي نحكي عنها اليوم.. ليس مجرد مشروع تقني إنمائي بين (دول) ذات حدود مشتركة!! فالقيمة العليا للمشروع هو تطبيع اقتصادي ومشروع (للسلام) الذي تدعو إليه (إسرائيل) فالسلام الاقتصادي الذي تبشر به، يأخذ باضطراد خطواته العملية.. هو المشروع الوحيد الذي بات يعرضه الكيان الصهيوني على العرب!! أما الأرض والاعتراف بيهودية الدولة ستظل هي الشروط المقبولة الوحيدة من قبل الإسرائيليين التي ستفرضها في أية برامج مشتركة اقتصادية أو سياسية. وهي بالفعل لم تعد مجرد تحسبات أو من نسيج الخيال فثمة تنسيق اليوم واجتماعات أمنية وعسكرية أخذت طريقها بين الإسرائيليين والسعوديين بإدارة الأمير بندر الذي يعمل دون كلل لتدمير سورية بالتعاون مع إسرائيل بشكل مكشوف هذه المرة.

حاول بعض المسؤولين والإعلاميين الإسرائيليين التقليل من أهمية هذا المشروع وانتقاصه لتلبية السبب الذي أقيم من أجله.. وخاصة ما يتعلق بتحلية مياه البحر الميت بسبب محدودية قناة الجر الذي ستذهب جلّ مياهها إلى مشاريع التحلية وإرواء المشاريع الواعدة المشتركة فوق الأراضي الأردنية!!.. ولكنه ضمن النظرة الاستراتيجية لإدامة المشروع الصهيوني في المنطقة يعتبر قفزة استراتيجية نوعية.

فالمشروع اليوم الذي تفوح منه رائحة تطبيعات (السلام) الاقتصادي الذي لا يعطي حقوقاً للفلسطينيين! سيعطي الكيان الصهيوني سيطرة تامة على كل فلسطين فيما عدا خدمات بلدية تعطى للفلسطينيين ضمن تجمعاتهم الكبيرة. الأمر الذي يشير لأول مرة بشكل سافر إلى الخطوة الأولى المطلوبة لتحقيق نوع من (الاتحاد) تجمع الشركاء الثلاثة يكون المدخل النهائي لحل القضية الفلسطينية وتصفية حقوق الشعب الفلسطيني. وبالتالي إنهاء قضية اللاجئين ضمن برامج التوطين في إطار هذا (النوع) من (الاتحاد).. الذي تصبح فيه إسرائيل اليهودية الخالصة جزءاً أساسياً من الشرق الأوسط الجديد الذي يبشّرون به!!.

عبد الفتاح إدريس – مشروع (قناة البحرين)! و(السلام) الاقتصادي الإسرائيلي!!