ما بعد غزة: تجاذب المشاريع والتوجهات السياسية – عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح ادريس

عبد الفتاح ادريس

لا نستطيع إنكار غرابة الوضع السياسي الفلسطيني الذي تتقاسم مفاعيله الفصائل الفلسطينية المختلفة. وخاصة بين الفصيلين الرئيسيين حماس وفتح. بل لنقل بين سلطة حماس في غزة، والسلطة الفلسطينية في رام الله التي تهيمن عليها فتح!

فالوضع ومنذ سنوات خلت أصبح في حالة انقسام سياسي وجغرافي وتنافس واضح على السلطة كل في موقعه ومكانه؟!

ولم تسلم تصرفات فصائل أخرى من سلوكيات وممارسات تنطلق من رؤية عضوية تنظيمية ضيقة، تمثّلت كما شاهدنا بهذا القدر من استخدام الرموز والرايات والشعارات الخاصة بالتنظيم ونكاد لا نرى في المناسبات والإجراءات الاحتفالية (بالنصر) غير تلك الرايات الخضراء والسوداء والصفراء.. ومزيد من الألوان ومشتقاتها. على حساب علم الوطن وشعاراته ورموزه الوطنية وعلى رأسها (الحطّة) الفلسطينية شعار الثورة التي أصبحت شعاراً ثورياً عالمياً وموضة يفتخر بها الناس في كافة أصقاع الدنيا..

أما في فلسطين وفي غزة تحديداً فإن الوشاحات والقبعات الخضراء أصبحت بديلاً عن علمنا الوطني وبديلاً عن رموزنا وشعاراتنا الوطنية للأسف.. فإلى أي مكان يريد هؤلاء الشركاء في الوطن أن يأخذونا إليه؟!!!

هل أصبح (الفصيل) بديلاً عن الوطن؟؟ هل أصبحت الرايات الملونة والقبعات والشعارات الخاصة بديلاً عن (الحطّة) الفلسطينية والشال الفلسطيني الذي يطوق الحسناوات والشباب في مختلف بقاع العالم؟!! قليل من الخجل والتواضع! فلا سكوت على هذه الانحرافات بعد اليوم. والشعب الفلسطيني يظل صاحب القضية وصاحب الشعارات والرموز وعلى رأسها العلم الوطني الفلسطيني لن يرحم أحداً بعد اليوم.

ونحن نقول بكل صراحة إن الشعب الفلسطيني هو صاحب مأثرة التضحية والصمود.. وإذا كان ثمة جهة انتصرت فإنه الشعب.. فالشهداء الأطفال والنساء. والرجال الذين اغتالتهم يد البغي الصهيوني هم زهرة هذا العطاء الذي قدمه الشعب الفلسطيني. وإذا كان ثمة أحد يجب أن يشار إليه بالبنان في هذه الحرب الصهيونية المجرمة فهو أفراد هذا الشعب الذين دمّرت بيوتهم ومساكنهم وهم الشهداء والأطفال والنساء الذين يملؤون العراء صابرين مرابطين! ولا غير الشعب يملك التبجيل والاحترام في هذه الحرب الطاحنة ورجال المقاومة الساهرين في الدفاع والزود عن الوطن الفلسطيني والشعب الصابر المكافح.. ومن يظن أن الحرب كانت حرباً على حماس. نقول: إنه كاذب ويقترف خطأً قاتلاً! فالشعب الفلسطيني كله هو المستهدف والقضية الفلسطينية هي المستهدفة! وليس أي شيء آخر.. قليل من الخجل وقليل من التواضع، فلا يمكن السكوت على التزوير بعد اليوم!.

المجد لمقاتلي المقاومة الذين وحدتهم ميادين القتال ضد العدو الصهيوني.. وإننا على يقين أن هؤلاء الرجال الشجعان الذين صنعوا نصراً بصمود الشعب العربي الفلسطيني؛ لم يقاتلوا من أجل فصيل ولم تنزف دماء الشهداء الأبرار من أجل فصيل أو تيار سياسي! لقد قاتلوا في سبيل قضية ووطن وقيم ومبادئ. لم تكن لمكسب شخصي أو إعلاء لشأن فصائلي.. وبالتالي فإن المطلوب اليوم هو انعكاس هذه الروح الوحدوية المقاومة التي خبرتها ميادين القتال على العمل والتنسيق السياسي بعد الحرب. لنفوّت على أعدائنا وحلفائهم الكارهين لقضيتنا وحقوقنا الوطنية الفرصة للشماتة وتبديد عوامل الانتصار التي تحققت في المجابهة مع العدو الصهيوني.

نستطيع القول إننا قد انتصرنا في الحرب على غزة التي دامت (51) يوماً، على أقل تقدير لأن عدونا قد فشل في تحقيق أهداف الحرب المعلنة.. ففشل العدو الصهيوني في هذه الحرب هو انتصار لنا في هذا المعنى!! ولكن العبرة دائماً في جني المكاسب السياسية والوطنية وتفويت الفرصة على تفريغ هذا الانتصار من أي مضمون وطني حقيقي!!. صحيح أن الاتفاق التي فاوضت عليه الحكومة المصرية مع العدو الإسرائيلي هو صورة مشابهة لاتفاق سابق أشرف عليه المصريون عام 2012..! ورغم كل ما قيل عن الاشتباه في الدور المصري الذي اختار لنفسه أن يكون وسيطاً في هذه الحرب؛ إلا أن الحقيقة التي لا يمكن إغفالها هي: أن وفد الفصائل الموحد في القاهرة قد قدم موافقة على هذا الاتفاق وأوقف إطلاق النار بناء عليه.. وأن شيئاً مهماً قد تحقق فرضته شكيمة المقاومين وقوتهم وعزيمتهم ففتح المعابر وإعادة الإعمار ووقف العمليات العدوانية. وإنهاء الحصار.. وتوسيع مسافة الصيد البحري بشكل تدريجي. إضافة إلى مفاوضات قادمة حول الميناء البحري والجوي اللذين يلاقيان على ما يبدو بعض التوجسات المصرية. ولكن المكسب الأكبر من هذه الحرب هو وحدة الشعب خلف مقاومته. فهل يستطيع السياسيون بعد أن خمدت أصوات المدافع تحقيق اندفاعة إيجابية في صياغة رؤية وطنية وسياسية مشتركة وعمل وحدوي وطني لا يستثني أحداً في مواجهة العدوان والاحتلال؟! وإنجاز عملية التحرير..

يبدو أن هذا الأمل قد خاب منذ اللحظات الأولى على وقع الانتصارات الفصائلية العصبوية للأسف! وعلى أصوات الخلافات والإشكاليات التي فاض بها المتحدثون والخطباء والسياسيون!!.

لم تكن هذه التجاذبات والممارسات المثيرة للجدل وحدها المولدة للقلق! بل إن أخطر ما أتت به الحرب هو هذا الانكفاء الرسمي العربي المشبوه الذي لم يقدم دعماً للمقاومة الفلسطينية التي تجابه العدوان: لم يقدم سلاحاً، ولا دعماً مادياً حقيقياً ولا تعاطفاً في المواقف السياسية. ولا صوتاً احتجاجياً حقيقياً ضد العدوان! في الوقت الذي كانوا يتداعون لاجتماعات متواصلة ومتكررة ضد سورية وتقديم الدعم للإرهابيين؛ مالاً وسلاحاً ومواقفاً!! هذه الحقيقة المرة كانت واضحة تماماً! وإن انشغال هذه الدول في التآمر على سورية والعراق كان هاجسها الأساس.. في الوقت الذي لم تستطع المجتمعات الغربية السكوت عن الجرائم الإسرائيلية ضد السكان الآمنين من الفلسطينيين: أطفالاً ونساء وشيوخاً..

الانتصار في المفهوم التقليدي قد يمثّل إشكالية من نوع ما.. ولكننا هنا أمام انتصار بمعنى عدم قدرة إسرائيل وجيشها على التحكم بمجريات الحرب.. ورضوخها للتفاوض في ظل إطلاق نار وصل إلى كل بيت وتجمع صهيوني في فلسطين المحتلة، وهو انتصار بمعنى آخر بأن الكيان الصهيوني لم يعد ذراعاً استراتيجية فعّالة وقادرة على إملاء مطالبها وتحقيق شروطها ومكاسبها!! أو تحقيق مصالح الولايات المتحدة والغرب عموماً في هذا العدوان كما حصل في حروب سابقة قبل ذلك.. ولم يعد الجيش الذي لا يقهر.. وباتت (إسرائيل) في مرمى الصواريخ الفلسطينية، وتشكل ما يمكن تسميته بتوازن الرعب الذي لا يسمح (لإسرائيل) أن تكون متفردة في تقرير الأمور!! صحيح أن (إسرائيل) تعتبر كياناً متفوقاً في السلاح والعتاد.. ولكن استراتيجية الردع الصاروخي الذي يصل إلى جميع الأهداف الإسرائيلية أصبح أمراً حقيقياً هو الآخر. ولم تعد (إسرائيل) التي تبنى استراتيجياتها القتالية خارج أماكن تواجدها، ولم يعد الإسرائيليون المستوطنون في فلسطين المحتلة بمعزل عن آثار الحرب وويلاتها، ولم تعد التقديرات الإيجابية لمكانة (إسرائيل) الاستراتيجية بالنسبة للغرب أمراً ممكناً، كما كان سائداً في الماضي. نعم قد تكون قتلت واغتالت ودمّرت وشرّدت ولكنها لم تحصل على إنجاز عسكري أو سياسي كما كان سائداً الأمر في الماضي. كما أن هذا الدمار لا يحسب في ميزان الحرب انتصاراً منجزاً.

لقد حاولت (إسرائيل) وكثير من الأبواق المعادية للقضية الفلسطينية وكثير من محطات التلفزة المتوائمة مع العدو الصهيوني للأسف تصوير الحرب موجهة ضد (حماس)، وهذه مغالطة كبرى فالحرب الضّروس التي شنها الصهاينة ضد غزة كانت حرباً ضد الفلسطينيين جميعاً؛ ضد الشعب وضد القضية في آن معاً وضد المقاومة الوطنية الفلسطينية البطلة! وللأسف فإن البعض وقع في هذا المطب الذي نصبتْه (إسرائيل) والقوى المعادية للشعب الفلسطيني. وقد انْطلى على البعض هذا التوصيف. وقد تردد من بعض الناطقين والمحللين دون النظر إلى أخطائه ومراميه الخبيثة.

لقد تحققت وحدة المقاتلين والمقاومين في ميادين القتال وهذا أمر جوهري يسجّل إلى حركة المقاومة الفلسطينية. ولكن هذا الواقع الإيجابي بدأ يعتريه الشكوك في ديمومته من قبل السياسيين.. وبدأت تظهر السلبيات منذ اليوم الأول لإيقاف إطلاق النار وإعلان الاتفاق مع الكيان الصهيوني بوسيط مصري!!! وبدأ يطفو على السطح تضارب البرامج السياسية المطروحة بين الأطراف ما بين العودة إلى منهج المفاوضات الذي لم يجن حصاداً ذا شأن، وبين برنامج المقاومة الشامل ضد الاحتلال: للأسف لم يتوافق السياسيون الفصائليون بعد إلى أيّ برنامج سيذهبون إليه بعد الحرب! هل التطلع إلى إقامة (الدولة) الفلسطينية على أراضي 67 هو مطلب ما بعد الحرب وهدفه! أم المراوحة الروتينية في الطرح المفتوح حول استعادة فلسطين كلها بالمقاومة!! أو الانتظار والمراوحة في إطار شبكات التّجاذب الدولية!! أم العمل ضمن إستراتيجية مَرْحَلَة الصراع وتقسيط البرنامج الوطني الفلسطيني والتركيز على إقامة (الدولة) الفلسطينية ضمن حدود 67 إن أمكن ذلك!!!

على الجميع أن يدرك اليوم أن هناك سعياً دولياً لإصدار قرار من مجلس الأمن قبل استحقاق العودة إلى المفاوضات بعد انقضاء مهلة الشهر، تتطلع فيه الدول الغربيّة المساندة للباطل الصهيوني إلى نزع سلاح المقاومة وأدوات دعمه وتصنيعه، واعتبار غزة أرض منزوعة السلاح؛ وتدمير جميع الأنفاق المؤدّية إلى غزة من مصر مما يتطلب عدم النّوم في العسل، والاحتراس من هذا المسار الخطر.

من الواضح أن خلافاً وتلاسناً إعلامياً وخطابياً وسياسياً بدأ يطفو على السطح… وأخذ الخلاف حول التنافس في حقيقة الأمر على ما يمكن تسمية سلطة القرار بين حماس وسلطة محمود عباس. وقد أخذ هذا الاختلاف عنوان عدم الاستفراد بقرار الحرب والسلم ولكنه في الحقيقة خلاف على السلطة. والحكومة والمؤسسات والرواتب…الخ. ولكن أي مراقب يستطيع أن يقرأ من بين السطور أن حماس كما هي السلطة تحل شد الموقف إلى جانبها. واعتبر أن ثمّة حقاً خاصاً لكل منهما بالتملك والاستفراد. وبالتالي فقد أسمت حماس الأمور باسمها كما يلاحظ من المتحدثين وفي القدر نفسه فإن السلطة حاولت الاستئثار بعيداً عن مرجعية فلسطينية حقيقية تضع الخطط والبرامج، وتخرج التوافق الوطني الفلسطيني من ورطته ومطبّاته!! ويلاحظ على سبيل المثال أن خطاب الانتصار (الحمساوي) الذي أطلقه خالد مشعل من الدوحة.

يستند إلى انحياز كامل إلى دول وجهات دولية وتنظيمات كانت على الدوام في خطٍّ مغاير ومعادٍ للقضية الفلسطينية أو متآمرة عليها. وبعضها ينسق مع الكيان الصهيوني في ضوء النهار. وقد ذهبت إشاداته إلى دول وجهات داعمة لم يكن لها دورٌ منطقيٌ في دعم المقاومة. أكثر من كونها فئات ذات آيديولوجيات متقاربة مع حماس. فلا أعرف مثلاً ما قدم الرئيس التونسي في الحرب على غزة أو السودان أو تركيا أو قطر…إلى آخر القائمة! التي تعمد خالد مشعل بعدم ذكر إيران وحزب الله وسورية ودورهم المساند للمقاومة الفلسطينية وخاصة حماس والجهاد. ويمكن أن نعْفي حماس من عدم ربط التخريب الاجتماعي و الإيديولوجي والوطني والتكفيري الذي تثيره منظمات إرهابية لتمزيق الدول وبنية المقاومة الأساسية ضد الكيان الصهيوني. والسبب واضح يتعلق بالتقارب الإيديولوجي والمشروع الموحد بينها.

كما أننا لا نفهم موقف البعض الآخر من الفصائل الأساسية التي لم نسْمع لها رأياً يشير إلى ترابط بين ما يحدث في غزة وفلسطين وبين أحداث التخريب والتدمير الايديولوجي والاجتماعي والديني الذي تقوم به المنظمات التكفيرية في سورية والعراق وغيرهما. ولم يذكر أخطار تمرّد الدولة الداعشيّة التي تهدد كل شيء بما فيه القضية الفلسطينية !! ولم يشر في البيان السياسي (للانتصار) ما يشير إلى التنسيق المشبوه وتحالف غير مترابط صهيوني مع هذه القوى التي تعيث فساداً في سورية والعراق.

عبد الفتاح إدريس