ماذا يرى الغرب من الحجاب؟… «الفتاة الأفغانية» نموذجاً

بُعَيد الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001، أرسلت «ناشيونال جيُغرافك» مجدداً ستيف ماكري الذي كان قد التقط صورة «الفتاة الأفغانية» الشهيرة عام 1985. صورتان تمزجان أهداف النسوية الغربية بالإيديولوجيا الأميركية التي جعلت الحجاب رمزاً سياسياً للاضطهاد والعنف. كتاب «الحجاب ـــ كاتبات يروين تاريخه وتقاليده وأبعاده السياسية» الذي تصدره «دار قدمس» يسعى إلى تقديم صورة أشمل عن الحجاب من خلال استكشاف ما يرتبط به من ثقافات وسرديات. هنا فصل من العمل بعنوان «يا لتلك الفتاة (الأفغانية) ـ انكشاف الايديولوجيا في ناشيونال جيغرافك»

ماذا يرى الغرب من الحجاب؟... «الفتاة الأفغانية» نموذجاً

الصورة التي نشرتها «ناشيونال جِيُغرافِك» في نيسان (أبريل) 2002

كانت النساء المحجبات، الملتفّات بالقماش من الرأس إلى أخمص القدمين، أو الجالسات خلف قضبان نوافذ جناح الحريم، موضوعاً للصور واللوحات مُذ بدأ الغربيون باستكشاف الشرق «الغريب المثير/ الغرائبي» للاستحواذ عليه. لكن تلك الوجوه المخفية تحبط كل التوقعات؛ فهي لا تستطيع أو لا تريد التواصل، مع ذلك؛ فنحن ندّعي أن تلك الوجوه تحكي الكثير عن ظروف حياة النساء، وعن الطبيعة القمعية للممارسات الدينية التقليدية وعن الدول المتخلفة (بعكس الدول الغربية المتقدمة)

التي تعيش فيها تلك النسوة. نادراً ما يخطر ببالنا، هذا إذا خطر، احتمال وجود دوافع عديدة للحجاب، وقد تختلف تلك الدوافع بين مقاومة الكولونيالية الغربية، ورغبة المرأة بالشعور بالخصوصية، والإحساس بالتحرر، ورغبة النساء في أن «يُنظر إليهن من حيث أفكارهن وليس بوصفهن موضوعات جنسية». نحن، بدل ذلك، نرى في الحجاب سجناً ونرى في النساء المحجبات سجناً ونرى في النساء المحجبات ضحايا قمع جندري وديني ينتظرن، بإذعان، من ينقذهن.
يساعد هذا التصوّرُ عن النساء المحجبات، المفهومات وغير المفهومات في آن، على شرح إسهام صور «ناشيونال جِيُغرافِك» في تكوين «قضية المرأة» بوصفها مسألة سياسية.
فقد استمدت تلك الصور، التي ظهرت في لحظةِ أزمة عميقة تلت أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001، فاعليتها من مصدرين: الأول، مكانة المجلة نفسها التي يعتبرها معظم الأميركيين واحدة من المؤسسات المكلَّفة بقول الحقائق؛ والثاني مكانة التصوير الضوئي التي تكتنفه هالة من الحقيقة، رغم أننا ندرك جيداً سهولة إمكانية التلاعب بالصور وتعديل تفاصيلها وإخراجها إخراجاً جديداً (وهذا ما حدث في كثير من الأحيان). تعكس الصورُ تراتبية من الاهتمامات، منظومة من القيم، سواء أجرى التعبير عن ذلك على نحو واعٍ أم غير واع، أي وضْعها إلى جانب مادة أخرى بغرض المقارنة، موقعها على الصفحة حيث يتركز الانتباه عليها، بهدف التأثير في الانطباع الذي يتكوّن لدينا بشأن أهمية المعلومة. يعتمد معظمنا على الصور بوصفها دليلاً ووسيلة لقياس الفارق، لاختيار هذا وليس ذاك. نحن نتقبّل الصور بما هي جزء من عدّة الفحص العلمي، وهي تُستخدم في كل شيء، من الدواء إلى علم الفلك، ويتنامى استخدامها لتكون وسيلة في منظومات التحكم السياسي والاجتماعي، لتعرّف الشرطة على الهوية، وفي جوازات السفر وفي الاستخبارات العسكرية.

■ ■ ■
كان وضع المرأة في المجتمع الأفغاني مركز النزاعات القومية منذ مطلع القرن العشرين. تقول الباحثة النسوية فلنتاين مقدّم، إن مفاهيم الدولة القومية والهوية الوطنية ضعيفة في أفغانستان، عدا في صفوف النخب المدينية. فالتركيبة الاجتماعية التقليدية في أفغانستان تقاوم السلطة المدنية المركزية أو التنظيم، وتنكر على الدولة حق التحكم الحصري بوسائل العنف. وترى مقدّم، وهي على حق، بأن الطبيعة البطريركية للعلاقات الاجتماعية الأفغانية، مضافاً إليها دولة مركزية ضعيفة، تجهض أية محاولات للعصرنة والتحرر.

■ ■ ■
ثمة أمر لا يدركه العديد من الغربيين وهو أن الحجاب ليس وحده من يقمع المرأة، فهناك في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية في أفغانستان تتضافر جميعها وتسهم في هذا القمع. فجغرافية البلاد تعيق تطورها: هناك سلاسل جبلية هائلة تحيط بأفغانستان ما يجعل تعبيد الطرق مكلفاً وصعباً، ويحدّ من إمكانية الوصول إلى المواد الخام والمنتجات المصنّعة، كما أن التربة الصخرية السطحية والمناخ الجاف لا يسمحان بسهولة بنشوء زراعة واسعة النطاق. بالتالي، فإن الجغرافية هي من يفرض، جزئياً، اقتصاداً إقطاعياً ــ عشائرياً في أفغانستان، يقوم على ملكية الأرض وحقوق الماء والصلات العشائرية، ويجمع معظم السكان ضمن علاقات مستأجر ــ صاحب الأرض وروابط قرابة الدم. وضمن هذه التركيبة الاجتماعية، تقوم المرأة بدور المِلك المنقول، فيجري ابتياع عملها وبيعه من خلال الزواج، وبدور الممثّل لشرف
العائلة.
تبرز ترتيبات الزواج في اقتصاد الأفغان بوصفها تمثل جزءاً من شبكة معقدة من المنظومة العشائرية الخاصة بالمقايضة، وهي عادة تقول مقدَّم إنها قد استُغلت في أفغانستان حيث جعلت العديد من الأسر الريفية في حالة مديونية دائمة. في القرآن، يمثل المهر (المال الذي يدفعه العريس إلى العروس والذي يُعتبر جزءاً أساس من عقد الزواج الإسلامي الرسمي) مجرد أجْر اسمي، وهو يوفر في العديد من الدول الإسلامية نوعاً من الضمان الاجتماعي للزوجة في حال الطلاق أو الترمل. أما في السياق البطريركي الأفغاني، فيمثل المهرُ تعويضاً لوالد العروس عن خسارته لعمل ابنته ضمن المجموعة الأسرية. لأن والد المرأة أو زوجها يسيطران على طاقتها في العمل، فهما يقرران متى تعمل وأين وكيف؛ وهناك آخرون يديرون شؤون ناتج عملها الذي لا تحصل لقاءه على أي أجر. تعمل النساء في المناطق الريفية، على نحو رئيس، عاملات مزارع أو حائكات، وفي المناطق الحضرية، تعمل بعضهن في المصانع. يقول الخبير الاقتصادي حفيظ الله عمادي إن النساء يعملن في الصناعات التي تتطلب القليل من القوة الجسدية ومستوى متواضعاً من التعليم، مثل صناعة القطن أو صناعة النسيج أو الزراعة، وهي صناعات تتطلب عملاً مكثفاً تتضافر فيه جهود جميع أفراد العائلة. تُعتبر المرأة في أفغانستان مورِداً، منتِجاً للعمل، جزءاً من ملكية العائلة التي يهيمن عليها الذكر. وكما في معظم المجتمعات البطريركية، نجد أن معدلات التعليم ومعرفة القراءة والكتابة، بين الإناث، منخفضة بينما ترتفع معدلات الخصوبة.
نلاحظ في الوقت نفسه، أنّ الأيديولوجية التي تربط شرف العائلة بفضيلة المرأة، هي التي تتحكم بأنشطة المرأة عن طريق أعراف السلوك التقييدية والفصل الصارم بين الرجال والنساء. ويستند جزء من منظومة القيم الأفغانية المعقدة إلى الاعتقاد القائل بأنّ الكائنات البشرية أسيرة صراع بين نزعتي العقل والفتنة المتأتية عن إطلاق العنان للرغبات. وهنا تجري معادلة النساء بالرغبة والفتنة اللتين ينبغي حماية الرجال منهما. وبالتالي فإن المرأة الفاضلة تتصرف على نحو لائق بأن تغطي رأسها وجسدها وتعيش في فضاء منفصل عن الرجل، في ظل البُرده أو الانعزال. يتبوأ الحجاب مكانة اجتماعية ترتبط بشرف المرأة، وبالتالي بشرف عائلتها، وباحترامها للنظام الاجتماعي.
تتعارض الأعرافُ التقييدية المذكورة ومفهوم الزواج على أنه صفقة اقتصادية، مع الرأسمالية الغربية والعصرنة. وقد أدى هذا التعارض إلى إفشال حركات تحرر المرأة في أفغانستان في عشرينيات القرن العشرين وخمسينياته وثمانينياته. ففي كل مرة، كانت جهود الإصلاح تنهار لدى اصطدامها بالتقاليد الراسخة المتجذرة وبالولاءات القبلية التي كانت تعيق بكل ما أوتيت من قوة محاولات نشر التعليم وتغيير العادات المتعلقة بالزواج.
دعم بعض الزعماء علناً فكرة السفور، آملين بذلك تشجيع نشوء المزيد من الفرص أمام النساء، لكن لم تتبنّه سوى نساء المدن المنتميات إلى الطبقتين العليا والمتوسطة.
يقول عالم الأنثروبولوجيا لويس دوبري، في كتابه «أفغانستان»، نسخة عام 1980: نادراً ما ترتدي القرويات ونساء القبائل الشادري (البرقع) لأنه يعيق مهامهن الاقتصادية اليومية. إذا كبرت القرية وصارت تعد أقرب إلى أن تكون بلدة، وأصبح لها سوقها الخاص، وإذا صار لدى الرجل ثروة تسمح له بتوظيف خدم، غالباً ما تصرّ زوجته على ارتداء الشادري، فهذا بحسب اعتقادها يجعل منها امرأة متأنقة وابنة مدينة، من دون أن تدري أن بنات عمها في المدينة لا يشاطرنها الرأي. كما أن العديد من الفتيات في المدن والبلدات يبدأن لبس الشادري فور بلوغهن للإشارة إلى أنهن أصبحن نساء حقيقيات جاهزات للزواج.
بدأت العادات تتغير في المناطق الحضرية خلال حكم الملك أمان الله (1919-1929). ففي إحدى المناسبات العامة التي كانت تحضرها زوجه الملكة ثريا أعلن أمان الله أن الإسلام لم يفرض على المرأة ارتداء الحجاب. واستناداً إلى الروايات المعاصِرة، سارعت الملكة إلى «خلع حجابها وتبعتها زوجات المسؤولين الآخرين اللواتي كن حاضرات في الاجتماع». بعد تلك الحادثة، غالباً ما كانت الملكة تظهر سافرة في الأمكنة العامة، لكنها كانت ترتدي قبعة ذات حافة عريضة مثبت عليها خمار. ولكن، وكما حصل مراراً في القرن العشرين، استثارت إصلاحاتُ أمان الله معارضةً في المعاقل الريفية، كان المحرضون الأساس فيها زعماء القبائل والملالي، أدت في نهاية المطاف إلى خلعه عن العرش. في خمسينيات القرن العشرين، عاد رئيس الوزراء محمد داوود خان الكرّة، فقد كان يسعى إلى إجراء إصلاحات اقتصادية، وبالتالي وضع قضايا المرأة في موقع الصدارة إذ شجّع النساء على الإسهام في الحياة الاقتصادية. أعلن داوود أن الحجاب «خاضع لخيار المرأة»، وطلب من زوجات وزرائه حضور الاحتفال بالذكرى الأربعين لاستقلال أفغانستان، في عام 1959، سافرات. وعندما احتج الزعماء الدينيون، تحدّاهم أن يأتوا بآية قرآنية تفرض على المرأة تغطية جسدها. وعندما استمروا في الاحتجاج، أودعهم السجن. وبحلول منتصف ستينيات القرن العشرين، كانت النساء قد حصلن على حق الاقتراع، وشغلت إحدى النساء منصب وزيرة الصحة.
عادت الحركة الأصولية، التي كانت ريفية وإسلامية في جزء كبير منها، لتكتسب زخماً جديداً، وأشعلت بذلك حرباً أهلية دامت خمس سنوات وانتهت عام 1978، عندما وقع انقلاب عسكري مؤذناً ببداية مرحلة جديدة من الإصلاحات الاجتماعية الرامية إلى إعادة هيكلة أفغانستان اجتماعياً وسياسياً. كانت الأفكار الطموحة التي اقترحها حزب الشعب الديمقراطي في أفغانستان تطالب بإصلاح الممارسات الخاصة بِرَهْن الأراضي، وبمصادرتها وإعادة توزيعها، وحظر دفع ثمن العروس، ومنح المرأة حق اختيار الزوج. أما أكثر الاقتراحات إثارة للنزاع فكان برنامج محو الأمية الهادف إلى تعليم النساء، الذي كان يتضمن إنشاء صفوف في كل قرية. أثارت حملة مكافحة الأمية تمرداً في المناطق الريفية، فقد كان أعضاء الحزب يجبرون الرجال على إرسال زوجاتهم وبناتهم إلى الصفوف، ما اعتبره البعض شأناً سياسياً وتحدياً للمبادئ. عارض الأشخاص التقليديون المحافظون تعليم النساء بذريعة أن من شأنه إفساد أخلاقهن. تصاعدت حركة التمرد وعمّت البلاد من أقصاها إلى أقصاها ما أدى إلى اقتتال داخلي ومن ثم التدخل السوفياتي في شهر كانون الأول من عام 1979. لكن قوى المعارضة، المدعومة من باكستان والولايات المتحدة والصين وإيران والمملكة السعودية، استمرت في حملتها الساحقة التي أدت إلى تدمير البلاد، بالمعنى الحرفي للكلمة.
رغم الحرب المستعرة، استمر الحزب الاشتراكي الحاكم، المدعوم من السوفيات، في فرض إصلاح الأراضي، وتعليم المرأة، ما أجج سعير معارضة المجاهدين الإسلاميين، مقاتلي الحرية. ومع ذلك، تجاهلت الروايات التي قدمتها وسائل الإعلام الغربية عن الحرب الأهلية الأفغانية ــ السوفييتية، التي استمرت من عام 1979 إلى عام 1988، الأبعاد الجندرية لتلك الحرب تجاهلاً كبيراً، وركّزت على الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية. ركّزت القصص التي وردت في وسائل الإعلام العامة الغربية على المقاتلين الأطفال، وعلى أعمال القصف والهجمات العنيفة التي كان يرتكبها الجيش السوفياتي. ولكن بعد انسحاب السوفيات من أفغانستان عام 1988، تحوّل اهتمام وسائل الإعلام الغربية إلى اللاجئين، وبينما كانت جماعات طالبان، وهم الأصوليون الذين تدربوا في المدارس الدينية العربية في باكستان، تسحق مناوئيها، ركز الصحافيون اهتماماتهم على وحشية ذلك النظام كما كان يتجلى في معاملته للنساء. وفي كل تلك الروايات، كانت مشاركة الغرب في تسليح المجاهدين وتمويلهم تمر مرور الكرام دونما أي تعليق. وفي خضم الحرب المستعرة لطرد الاتحاد السوفياتي من أفغانستان، ظهرت صورة «الفتاة الأفغانية».
كان أحد أسباب إعجاب الناس بصورة الفتاة التي ظهرت عام 1985 على غلاف مجلة «ناشيونال جِيُغرافِك»، هو أن وجهها كان مكشوفاً ومتاحاً للأنظار. وبغية إيضاح فكرة الظروف الخانقة في ظل طالبان، جرى تركيب مشهد غريب، ظهر على غلاف عدد «ناشيونال جِيُغرافِك» الصادر في شهر نيسان عام 2002، تبدو فيه امرأة مغطاة بالكامل تحمل نسخة من صورة ماكري الأصلية، يحمل عنوان «وجدناها!. بعد سبعة عشر عاماً، قصة لاجئة أفغانية». تُبرز صور «ناشيونال جِيُغرافِك» والسردية المرافقة لها، البرقعَ بوصفه قضية سياسية وتعزز بذلك أسلوباً غربياً في النظر إلى الأمر تسهم بخلق الانطباع لدينا بأن الولايات المتحدة بلد متحضر. والمعنى الضمني هنا هو أن القوة الأميركية نظيفة وعقلانية وبنّاءة، في حين يجري إظهار المجتمع الإسلامي، الذي لا يلتفت أحد لفهمه إلا نادراً، بأنه مجتمع قمعي، يدمره عنف أهوج عشوائي ينطوي على الكراهية والتعصب ويتعدّى على الخصوصيات. نحن نفترض بأن نظامنا مطبوع على الخير وغير مؤدلج، وهذا من شأنه أن يعمينا عن رؤية مسؤوليتنا في خلق الظروف التي جعلت ذلك العنف يتفاقم.
صورتا مجلة «ناشيونال جِيُغرافِك» كلتاهما مثقلة بالدلالات؛ فكل تفصيل في الصورتين يندمج مع باقي التفاصيل ليشكل تركيبة أيديولوجية تُسمى «اضطهاد». كانت الفتاة في الصورة الأصلية، بالنظرة الحادة في عينيها الخضراوين، ترمز إلى «مخاوف لاجئة أفغانية»، لكنها لم تظهر في القصة المصاحبة للصورة، ظلت مجهولة الهوية. أما صورة الغلاف التي ظهرت عام 2002، فهي تربط بصرياً بين الصورتين، مادياً وأيديولوجياً. في سياق حرب أميركا ضد الإرهاب، عثرت «ناشيونال جِيُغرافِك» على هذه الفتاة ــ المرأة المجهولة التي لا تستطيع صورتها الموجودة على الغلاف أن تُظهر، حالياً، «العينين المسكونتين بالخوف» اللتين أسرتا المخيال الغربي قبل سبعة عشر عاماً. جرى في الصورتين «كشط» المفهوم الأيديولوجي للاضطهاد، بالمعنى الحرفي للكلمة: فغياب الجسد البدين عن المشهد وحضور الحجاب يبرهنان على وجود الاضطهاد.
ورغم أننا عرفنا اسمها أخيراً، فإن قبولنا بهذا المفهوم الأيديولوجي الذي يربط الحجاب بالاضطهاد يقودنا إلى «رؤية» شربات غولا بوصفها تمثل كل النساء المحجبات.
هذه المعاملة ذات الطابع الجمالي الرفيع تعزز تقليداً تصويرياً ساد في القرن التاسع عشر وكان يُظهر المرأة «الشرقية» الغريبة المثيرة عصيّة المنال التي أسبغ عليها طابع إيروتيكي. أصبحت تلك المرأة، السجينة خلف الحجاب، الشخصية الرئيسة في فانتازيا رومانسية حول الغزو والتملّك. يمثّل نزع الحجاب الشكل الأقصى للكولونيالية، وهو بذلك يمزج سرديات الاضطهاد والرغبة والتوسع الإمبريالي. يربط المؤرخ كوماي جاياواردينا الهوس الغربي بنزع الحجاب بعِلم الاقتصاد: فالرأسمال في حاجة إلى أجساد حرة طليقة من أجل العمل، وكل ما يحدّ من حركية المرأة أو يفرض عليها الانعزال، إنما يدمّر فرص الرأسمالية في الحصول على مصدر للعمالة الرخيصة.
تساعد الحججُ التي يسوقها جاياواردينا على شرح سببِ وأسلوبِ إفراد موقع مقدس لموضوع الحجاب بما هو جزء من السياسة الخارجية الأميركية. ويجري استيعاب موضوع نزع الحجاب، كما تعبّر عنه النسويات الغربيات البارزات بوصفه جزءاً من حركات التحرر وتطبيق العدالة، بما هو تعبير عن الحرية والديمقراطية الأميركيتين، عن «أسلوبنا في الحياة»، بالنيابة عن الشركات العالمية ذات الرأسمال العابر للقوميات، التي تحتاج إلى مصادر للعمالة الرخيصة لصناعة مجالٍ كامل من المنتجات، ولاسيما مجال النسيج، حيث تشكل النساء القسم الأعظم من العمال. وفي نفس الوقت، تصبح النساء المستهلكات لسلع مصنعة غالباً ما تكون مستورَدة. نزعُ الحجاب، إذاً، هو حركة لتحرير المرأة لكي تعمل ولتعليمها لوضعها في مواقع طبقية وأدوار اجتماعية معينة تجعل منها عاملة ومستهلِكة. ليس من قبيل الصدفة إذاً أن تنجح الحملات المناهضة للحجاب نجاحاً باهراً في دول كانت مرتبطة بالمفاهيم الغربية للتطور. يعتبر المصلحون (سواء في القرن التاسع عشر وفي عصرنا الحالي) الإصلاح المتعلق بالثياب ليس دليلاً على أن المؤسسات والممارسات المحلية تعكس القيم الغربية «العصرية».
تمثّل الفتاةُ الأفغانية، على صفحات «ناشيونال جِيُغرافِك»، الشعبَ الأفغاني لمعظم الأميركيين؛ دولة فيها شعب مضطهد محروم من الحرية يتعرض لممارسات وحشية. كما تمثّل الفتاة علامة التخوم القومية التي تقيس أميركا على أساسها قيمها الثقافية الخاصة، وليس قيم الفتاة. تفصل الصورتان شربات غولا عن كامل المسار الطويل للتاريخ الأفغاني وعن عاداته الثقافية الخاصة. والصورتان، بتجميلهما لوجه شربات، وإخفائها للوجه في صورة الغلاف عام 2002، إنما تحجبان التواطؤ الأميركي في تقويض النضال الجاري للنساء الأفغانيات لتحقيق العدالة والمساواة. فالصورتان، بدل ذلك، تُستخدمان لاستنهاض مشاعر التعاطف الغربية مع النساء اللواتي يُعتبرن ضحايا ممارسات «متخلفة» لشعوب في حاجة إلى الإرشاد. أصبح الحجاب، ضمن الأيديولوجية الأميركية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول، وبكل وضوح وصراحة، رمزاً سياسياً للاضطهاد والعنف اللذين تنطوي عليهما المعتقدات الإسلامية، وصار السفور يُعتبر إجراء تقويمياً، وهكذا تمزج الصورتان أهدافَ النسوية الغربية ولغتها بالمصالح القومية الأميركية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وتخلقان صلة بين المعاملة القمعية للنساء، المتمثلة بالحجاب، والممارسات الثقافية «الهمجية» التي يقوم بها المجتمع الإسلامي الذي يهيمن عليه الذكور في أفغانستان، خصوصاً، وفي كل الشرق الأوسط على وجه العموم.

دينا تسايغر. فصل من كتاب «الحجاب ـــ كاتبات يروين تاريخه وتقاليده وأبعاده السياسية» إصدار رقمي يحوي مصورات عديدة؛ «شركة قدمس للنشر والتوزيع» (بيروت – لبنان)، تشرين الثاني (نوفمبر) 2013 ــ ترجمة مها حسن بحبوح وتحرير جنفر هيث


بحثاً عن صاحبة العينين المعذّبتينماذا يرى الغرب من الحجاب؟... «الفتاة الأفغانية» نموذجاً

بُعَيْد غزو أفغانستان الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية، عام 2001، أرسلت مجلة «ناشيونال جِيُغرافِك» المصور الذي التقط أشهر صور المجلة، المسماة «الفتاة الأفغانية» التي نشرت عام 1985، ثانية إلى باكستان للعثور على الفتاة. اعترضت مهمة المصور عدة مشاكل: فقد كانت سبعة عشر عاماً من الحرب المستمرة، والفوضى العارمة في مخيمات اللاجئين في باكستان، تجعل من الصعب العثور عليها، لا سيما أنه لم يكن هناك من يعرف اسمها؛ فقد كانت تُعرَف فقط باسم «الفتاة الأفغانية». فالمصوِّر ستيف ماكري، وفي غمرة استعجاله أو لا مبالاته لدى التقاط الصورة، لم يسأل عن اسم الفتاة. كانت الفتاة ترمز إلى التأثيرات الوحشية للحرب، لكن القصة التي نُشرت في المجلة، في حزيران عام 1985، لم تُشِر إليها مباشرة. والواقع أن الإشارة الوحيدة إلى الفتاة كانت في التعليق الموجود على الغلاف، إلى جانب صورتها: «عينان مسكونتان بالعذاب ترويان مخاوف لاجئة أفغانية».


رمزاً للمقاومة

عُرِفَ الحجاب، بمعنى تغطية النساء والرجال والموضوعات والأمكنة المقدسة، في أوساط شعوب تنتمي إلى ثقافات وديانات مختلفة منذ عصور موغلة في القدم. نجد مع ذلك أن الحجاب لا يزال عرضة لسوء فهم كبير. كان هناك زمن اعتُبر فيه الحجاب، في كل مكان وبكل مظاهره المتعددة، أمراً مسلّماً به إلى حد ما، أقله بما هو تعبير كامل عن الأسرار المقدسة.
أما الآن، فقد أصبح الحجاب نقطة استقطاب عالمي، أصبح موقع النزاع بين الإسلام والغرب وبين التفسيرَيْن المعاصر والتقليدي للإسلام. لكن فكرة الحجاب تعود إلى زمن سابق لظهور الإسلام كما أنه ينتشر في أماكن تتجاوز حدود الشرق الأوسط. يسعى كتاب «الحجاب: كاتبات يروين تاريخه وتقاليده وأبعاده السياسية» إلى تقديم صورة أشمل عن الحجاب من خلال استكشاف وتفحص بعض ما يرتبط به من ثقافات وسياسات وسردية (سرديات)، والتذكير بشموليته وقِدَم وجوده واستخداماته وسوء استخداماته. الحجاب، وبقدْر ما هو قطعة من القماش أو قطعة ثياب، هو مفهوم أيضاً. بإمكانه أن يكون خداعاً أو تباهياً أو تحايلاً أو غشاً أو تحرراً أو سجناً أو تعبيراً ملطَّفاً عن أمر ٍما، أو نبوءة، أو إخفاء لشيء ما، أو هلوسة أو كآبة أو صمتاً أبلغ من الكلام أو قداسة أو العوالم الأثيرية الكامنة خلف الوعي أو الاسم المئة للرب، الخفي عن الكل، أو الدرب النهائي المُفضي إلى الموت، بل حتى الرؤية النبوئية التوراتية، أو رفع الحجاب عن الرب إيذاناً بقدوم آخر الزمان.
عندما يُفرض الحجاب قسراً، أي عندما يُطبّق بالقوة، فهو فعل قمع. مع ذلك، وكما نلاحظ حالياً وعلى نحو متعاظم، الحجاب رمز للمقاومة؛ مقاومة التمييز الإثني والديني. وعندما ينزع الحجاب عنوة عن رأس المرأة التي ترتديه، فإن ذلك يُعتبر، أيضاً، فعل إخضاع لا فعل تحرير.

صحيفة الأخبار اللبنانية