لماذا يُستهدف القادة الوطنيون؟ – د. خلف المفتاح

د. خلف المفتاح

د. خلف المفتاح

شكّل الرئيسان الراحلان حافظ الأسد وجمال عبد الناصر حالة قيادية على المستويين العربي والدولي، لأنهما رفضا الخضوع للقوى الاستعمارية الغربية، واتبعا نهجاً وسياسة وطنية متحررة من كل أشكال التبعية للقوى الخارجية، ومكنا  كلاً من سورية ومصر من ممارسة سيادتهما وقرارهما الوطني المستقل، وواجها الكيان الصهيوني، مواجهة حقيقية وكذلك دعما المقاومة  الفلسطينية وحركات التحرر العربية والعالمية، إضافة الى أنهما جعلا من سورية ومصر  دولتين تسيران باتجاه التصنيع والتنمية البشرية بإمكاناتهما  الذاتية واستثمار الثروات  البشرية والمادية على أفضل وجه وبناء  علاقات متوازنة مع دول العالم تقوم على قاعدة الاحترام المتبادل والندّية في التعامل.

وبعد وفاة عبد الناصر،  ووصول الرئيس أنور السادات الى الحكم، سعت الدول الغربية لاحتواء مصر من خلال احتواء رئيسها، وإغرائه بإقامة علاقات مع الغرب والقطيعة التامة مع المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفييتي السابق، وكذلك  مع الدول العربية التي لا تسير في الركب الأمريكي.

وقد نجحت أمريكا ودول الغرب في ذلك من خلال السياسة التي اتبعها وزير الخارجية  الأمريكية آنذاك هنري كيسنجر، حيث ارتبطت مصر بشكل كامل بالسياسة الأمريكية،  وتحولت الى حليف استراتيجي لها في المنطقة الى درجة أنها أصبحت أكثر  قرباً للكيان  الصهيوني من بعض أشقائها العرب.

ومنذ ما بعد حرب تشرين التحريرية عام 1973 تحوّلت قيادة المواجهة مع الكيان الصهيوني وكذلك التيار القومي العربي الى سورية بقيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي سعى الى إعادة التوازن  بين العرب وإسرائيل الذي اختل  بنيوياً بعد خروج مصر من الصف العربي وذلك بنسج  شبكة علاقات عربية عربية ومن ثم إقليمية استطاعت الى حد كبير منع انهيار عربي شامل في مواجهة المخططات الصهيونية المدعومة من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني المحتل وخلال الفترة التي امتدت من منتصف السبعينيات وحتى رحيل الرئيس حافظ الأسد حدثت تطورات هامة في المنطقة والعالم، منها الحرب الأهلية اللبنانية،   وقيام الثورة الإيرانية وحربا الخليج الأولى والثانية، والغزو الأمريكي للعراق، والأهم زوال القطبية الثنائية وبروز أمريكا قطباً وحيداً يريد التحكم بمصير دول العالم وإقصاء ومحاسبة كل من لم يكن مصطفاً في الرتل الأمريكي.

لقد اعتقد ساسة الغرب وبعض القوى المرتبطة بهم  في المنطقة أن رحيل الرئيس الأسد سيترك فراغاً كبيراً  في سورية لن يستطيع أحد ملأه،  ما يعني  تراجع دورها  المحوري ونفوذها وقيادتها لقوى المقاومة والتيار القومي العربي،  وهنا تلوح فرصة  تاريخية قد لا تتكرر لا بد من  استثمارها بهدف احتواء سورية من خلال قيادتها الجديدة.

ومع وصول السيد الرئيس بشار الأسد الى الحكم بعد الاستفتاء الشعبي في العاشر من تموز عام  ٢٠٠٠ كثرت الرهانات الغربية والإقليمية على استمرار دور سورية المحوري وأهليتها لذلك في ظل الوضع الجديد، وكانت المفاجأة  التي أصابتهم بالصدمة السياسية، أن سورية  حافظت على ثوابتها ودورها القيادي في المنطقة، وأن الرئيس الشاب قد بدأ برنامجاً إصلاحياً طموحاً، تفاعلت معه مكونات الشعب السوري وشكلت وقوداً دافعاً له، وبدأت ملامحه تظهر بشكل واضح وجلي  على البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيها، وفي المقدمة منها القوى الشابة والساعية  للإصلاح والتغيير.

أمام هذا الواقع، عملت الدول الغربية وحلفاؤها الإقليميون على احتواء سورية من خلال قيادتها الجديدة، كما فعلت مع مصر بعد عبد الناصر واتبعت في ذلك أسلوبي الترهيب والترغيب، فتقدمت كل من القيادة القطرية والتركية والفرنسية  للعب ذلك الدور واتخذت مدخلاً لذلك العامل الاقتصادي وربط المصالح وصولاً الى المواقف السياسية والمنهج والموقف، وكان ذلك هو الهدف الاستراتيجي لإخراج سورية تدريجياً وواقعياً من محور المقاومة، عبر عملية  قضم ممنهج له، وهو ما يفسر تلك الاندفاعة التركية القطرية الفرنسية منذ عام ٢٠٠٤ وحتى ما قبل بداية الأزمة في سورية.

لقد تفاجأت تلك الدول وقياداتها، بأن القيادة السورية، وعلى رأسها السيد الرئيس بشار الأسد ترغب بشراكة اقتصادية ودور متوازن لدول الإقليم، لكن ليس على حساب المبادئ الاستراتيجية التي  تحكم السياسة السورية، خاصة ما تعلّق منها بثوابتها، وهي دعم المقاومة وقيادتها لها، ورفض الحلول الاستسلامية مع العدو الصهيوني  والسعي الصادق للسلام الشامل والعادل والعلاقة الاستراتيجية  مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من منطلق مواقفها مع القضايا العربية وعدم تدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية والتوازن في المصالح مع دول الجوار الإقليمي على قاعدة الندية.

ولكن الواضح – وهو أثبتته  الأحداث  المتلاحقة- أن الانفتاح الذي حصل مع القيادة السورية كان هدفه إخراجها من معسكر المقاومة وإخلاء الساحة لكل من أمريكا  والكيان الصهيوني،  وصولاً لتغيير الجغرافية السياسية للإقليم بالكامل، وفق أجندة   أمريكية إسرائيلية محكمة،  تصب بالنتيجة في خدمة مشروع الشرق الأوسط الكبير والذي تحطم على أيدي المقاومين في سورية ولبنان وغيرها من دول المنظومة المقاومة، ولعل هذا الفشل في الاحتواء عبر الترغيب هو الذي يفسر هذه الحرب غير المسبوقة التي تشن على سورية الشعب والجيش والموقف والتركيز الممنهج على قيادتها  الشرعية الممثلة  بشخص السيد  الرئيس بشار الأسد بقامته  الوطنية والعروبية وبموقعه الدستوري وهو الذي  شكل عقدة مستحكمة لهم لقناعتهم أن وجوده على رأس السلطة والقيادة في سورية يعني فشل كل ما خططوا له من مشاريع هيمنة،  لأنه  يجسد كل معاني  القوة والثبات  في مواجهة مشاريعهم التخريبية والفتنوية،  والضمانة الحقيقية للمقاومة في مواجهة الكيان الصهيوني وكل المشاريع التي تحاك لإحكام القبضة على المنطقة العربية في إطار ما سمي مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي هو في جوهره، إعادة إنتاج لمفهوم الاستعمار والهيمنة.

د. خلف المفتاح