للأصالة عناوينها! – د. حسن حميد

د. حسن حميد

د. حسن حميد

سألني بألم، لماذا تتكاثر الكتابات الحامضية مثل الفطر المسموم؟!

ومن هي هذه الأسماء التي تقف وراءها، وما هي حجوم قاماتها؟! هل هي حقاّ ذات فعالية، وموجودية إبداعية في واقعكم الثقافي والإبداعي (إن جازت التسمية)؟!

وهل ما تأتي عليه من أقوال، وإشارات، ودلالات، ومضمرات بين أسطرها له مصداقية في الحياة الثقافية، هل هو شيء محسوس ومجسد أو أنه كلام يراد به الأذى وحسب!

قلت: أنت ما رأيك؟!

قال: أحس،ُّ للأسف، أن أنفاسا غير مستحبة تصدر عنها ورنةّ التشفي، وحمىّ الحسد، والتقولات تحشو أسطرها إن لم أكن منفعلا،ً أو إن لم أكن أشكو من غشاوة تغلف قلبي وعيني!ّ

قلت: تقصد النصوص الإبداعية التي تقرؤها، أم الزوايا والمقالات التي تتناول شؤون الثقافة وأحوالها، وأهلها الغرباء عنها معا؟ً!

قال: قصدت الأمرين اجتماعا فهات واكشف لي بصيرة ما غمض، وارفع عتمة ما يرُاد التعتيم عليه (قصدا)، وانصف من لحق بهم الحيف، واللغط، والأذى، والخراب!

قلت: ببساطة شديدة، إن الذين يكتبون (قصصا) و(شعرا) من دون أن تلذع أصابعهم وأرواحهم (إن لم تحترق بحرائقها الجميلة) نصوص الأساطير (نقوش البشرية الأولى؛ نصوصها البكر)، ونصوص تشيخوف، ودويستوفسكي، وإدغار آلان بو، وتوماس هاردي، وسومرست موم، وألبير كامو، والمتنبي، وأبي نواس، والتوحيدي، وفوكنر، وإيفان بونين، وزكريا تامر، ويوسف إدريس، ونزار قباني، ومحمد الماغوط، ومحمود درويش، هذه النصوص لهذه الأسماء حين يحيدّها أصحاب الكتابات الجديدة (ولنقل القديمة أيضا) (ودون دراية أو وعي) فهم يحيدون أنفسهم إلى الهوامش، أما المتون فتظل لهؤلاء الكبار، ولنصوصهم التي تولد بأختام الأبدية .

وأما الزوايا والمقالات التي تكتب من أجل الإثارة، وطي قامات الأوطان، والبلدان، والمواضي الجميلة، والأفراد الأصلاء فهي تصدر عن أناس هم أشبه بالزبد يتدافعون كالرغاء لحظات، ثم تمتصهّم حرارة السماء، أو طيبة الأرض، وعلى الرغم من حضورهم الكثيف كجهل نشيط هنا وهناك فهم أشبه بالأرض البور التي امتلأت بالأشواك، والأتربة، والغبارلا أحد يحفل بها لأنها عديمة الجمال، والخير، والنفعلأنها بور حقيقة!ٌ

قال: لكن كتُبا لهم تنُشر، ومقالات وزوايا تتالى بين أسبوع وآخر!

قلت: هذا صحيح، لكن من يمتلك عقلا وموهبة وحدسا إنسانيا صافيا يستطيع بحساسيته أن يميز الصورة الأولى عن مانسُخ عنها، وأن يدرك الجوهري من النافل، وأن يرى بعينه النابهة المقاصد من وراء «مكاثرة المديح لفلان، أو مكاثرة القدح لفلان!»

قال: وما ذنبنا نحن القراء؟! لماذا تكلفوننا ما لا طاقة لنا به لكي نعي ما يدور أو ما يراد، ولكي نقف على دوائر الشر التي تشحن بالكهرباء ليل نهار لتوقع الآخرين (والمشاهد الأدبية والثقافية والفكرية) في إشراكها أو غواياتها البعيدة عن النبل؟!

قلت: إن ابتعاد القراء عن أخذ دورهم الحقيقي في ممايزة الخبيث من الطيب، والأصيل من الدخيل، والنفيس من الخسيسهو الذي يجعل لهؤلاء النفر من الجهلة متسعا على الصفحات لكي يطلوا بالمكاره تشويها،ً وتسويدا،ً وتحطيبا!ً

قال: وما العمل، وهم حاضرون بكثرةينشرون وينشرون ويفاخرون بالعديد من الكتابات التي نشروها؟!

قلت: لرجل أديب، اسمه عبد السلام العجيلي، رحل منذ سنوات، عمر مديد عاشه العجيلي بيننا لم

يكتب عمودا واحدا ليزاحم به كتابات هؤلاء!! فهل كان غير حاضر؟! هل أضروا بإبداعه وسمعته! والحال هذه هي حال كوليت الخوري، وحيدر حيدر، وغادة السمان

قال: إذا،ً ما العمل!

قلت: علينا أن نعلم أن للأصالة والموهبة عناوينها وأهلها تماما مثلما للخوابي أبوابها التي لا تتوه عنها الأعين الرائية

د. حسن حميد