للأجيال القادمة كي لا تنسى – د.غازي حسين

وجوب تفكيك المستعمرات من الأراضي المحتلة

يرفض الشعب العربي الفلسطيني استمرار وجود المستعمرات اليهودية في أراضيه المحتلة، ولا يمكن أن يوافق على بقاء مستعمرة واحدة منها في وطنه مهما طال الزمن وغلا الثمن.

ويتذرع العدو الإسرائيلي بالإبقاء عليها. بمزاعم وأطماع وأكاذيب يهودية وصهيونية، وبحجج دينية كاذبة. وبالتالي تبرر “إسرائيل” والشعب الإسرائيلي ويهود العالم الاحتفاظ بالمستعمرات والاستعمار الاستيطاني بمزاعم دينية، والدين لا يشكل مصدراً من مصادر القانون الدولي. وبالتالي تسقط مزاعمهم في الإصرار على بقاء المستعمرات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة، لا سيما وأن قرارات الشرعية الدولية تعتبرها باطلة ولاغية ويجب إزالتها.للأجيال القادمة كي لا تنسى - د.غازي حسين

دام الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر أكثر من (130) عاماً، وقاومه الشعب الجزائري البطل بالكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية إلى أنْ جاء شارل ديغول واتخذ قراره التاريخي “الاعتراف باستقلال الجزائر” فعاد المستوطنون إلى فرنسا وزال الاستعمار الاستيطاني الفرنسي من الجزائر.

تنطلق إسرائيل من مزاعم وأكاذيب وتبريرات دينية وصهيونية واستعمارية لإقامة “إسرائيل الكبرى” الجغرافية أو “إسرائيل العظمى” الاقتصادية، ومنها المحافظة على “أمن إسرائيل” وأمن الشعب الإسرائيلي. ولكن ثبت بوضوح أن المستعمرات اليهودية لا تساهم أبداً في المحافظة على أمن المستعمرين اليهود وأمن “إسرائيل”، وإنما تعرّض الأمن الإسرائيلي في قلب تل أبيب ونتانيا وغيرها إلى الخطر الدائم، ما دامت المستعمرات موجودة وقائمة في الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة.

إن بقاء المستعمرات اليهودية في الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها يعني استمرار الاحتلال الإسرائيلي وشرعنته بموافقة فلسطينية وعربية ودولية، الأمر الذي يرفضه الشعب الفلسطيني لأنه لا يمكن القبول بوجود المستعمرات والمستعمرين اليهود ولا يمكن التعايش معهم، لأنهم اغتصبوا الأرض والمياه والحقوق وعاثوا في الأراضي الفلسطينية فساداً وقتلاً وتقتيلاً ودماراً.

ولا تستطيع الدولة الفلسطينية توفير الحماية لهم من الشعب الذي عانى منهم ومن الاحتلال الإسرائيلي الأمرين وذاق على أيديهم مرارة ووحشية وبربرية الاحتلال الإسرائيلي.

ويرفض المستوطنون التعايش مع العرب ويعتبرونهم غزاة يجب ترحيلهم من بيوتهم وأراضيهم خارج فلسطين. وينظرون إليهم نظرة استعلاء وكراهية وبغضاء، لذلك قاموا بتخزين الأسلحة والذخائر والمتفجرات وتدربوا على الأعمال العسكرية.

ورفضوا أي حل سياسي يؤدي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية المحتلة وسيطرة الشعب الفلسطيني على أرضه ومياهه وثرواته.

ويشكل بقاء المستعمرات والمستعمرين اليهود مكافأة “لإسرائيل” المعتدية على عدوانها ومخالفة لمبادئ وأهداف وقرارات الأمم المتحدة. ويشكل انتهاكاً لسيادة الدولة الفلسطينية الجديدة، وسيتيح لإسرائيل التدخل في شؤونها الداخلية لتدعم جيش المستوطنين اليهود الذي يمكن أن يكون تسليحه أفضل من تسليح قوات الدولة الفلسطينية، بحيث يقوم المستوطنون بشن الهجمات والقيام بالاعتداءات والقتل والتدمير على المدنيين الفلسطينيين كما فعلوا في الماضي. لذلك لا يجوز أبداً الموافقة على بقاء المستعمرات والمستعمرين اليهود. وبالتالي لا يجوز أن يوافق المفاوض الفلسطيني على بقائهم أو على توسيع السيادة الإسرائيلية لتشمل بعض المستعمرات الكبيرة أو حتى القبول بفكرة التبادل السكاني، لما يحمله ذلك من أخطار ومخاطر على عروبة القدس وبقية القرى والمدن والأراضي الفلسطينية.

إن المآسي التي سببتها العصابات الإرهابية اليهودية المسلحة والجيش الإسرائيلي والمخابرات والحكومة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي تجعل من المستحيل التعايش بين المستعمرين اليهود، الغرباء والدخلاء والذين جاؤوا بحراب الاحتلال وسكان فلسطين الأصليين وأصحابها الشرعيين. إن اغتصاب الأرض والحقوق العربية وممارسة الشعب الإسرائيلي للإرهاب والإبادة والعنصرية والاستعمار الاستيطاني كسياسة دائمة يجعل من المستحيل التعايش مع المستعمرين اليهود.

ويحاول دهاقنة الاستعمار الاستيطاني اليهودي الانطلاق من الواقع الاستعماري الذي جسدوه في حربي 1948 و1967 وتشبيه التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية وقطاع غزة بالوجود العربي في الجليل والمثلث والمطالبة بوضع المستعمرين اليهود فيها على غرار التجمعات العربية في فلسطين المحتلة عام 1948.

إن بقاء المستعمرات اليهودية حتى في ظل الدولة الفلسطينية يشكل برميل بارود وعبئاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لا يمكن القبول به أو تحمله، مما سيؤدي إلى وقوع أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية تفسح المجال “لإسرائيل” القوية التدخل في شؤون الدولة الفلسطينية الجديدة والمجردة من أبسط الإمكانيات للدفاع عن نفسها، لا سيما أن الاحتلال قضى على تطور الاقتصاد الفلسطيني وربطه بعجلة الاقتصاد وحوّله إلى اقتصاد يعتمد على قطاع الخدمات والعمالة في المؤسسات والمصانع في “إسرائيل” وفي المستعمرات اليهودية.

دمرت إسرائيل المنجزات الصناعية والزراعية والعمرانية والبنى التحتية التي أنجزها الشعب الفلسطيني انطلاقاً من إيمانها بالإرهاب والعنصرية والإبادة وسياسة الأرض المحروقة.

وأدى استيلاء الاحتلال الإسرائيلي على 60% من الأراضي الفلسطينية المحتلة “يلاحظ أن المستوطنين يشغلون (1.800.000) دونماً من مجمل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يبلغ نصيب الفرد منهم من هذه الأراضي حوالي (6 دونمات) هذا من جانب. أما من جانب آخر فإن أصحاب هذه الأراضي البالغ عددهم (1.750.000) نسمة يشغلون حوالي 2.400.000 دونماً، حيث لا يتجاوز نصيب الفرد الفلسطيني (1.37) دونماً.

“لكن في حالة بقاء المستوطنات الإسرائيلية تحت السيطرة الفلسطينية وجرى إرجاع الأراضي المصادرة الأخرى للحكومة الفلسطينية، فإن نصيب المواطن الفلسطيني من الأراضي لا يتجاوز (2.4) دونماً.

أما في حالة عودة مليون فلسطيني للدولة التي يبلغ تعدادها السكاني ثلاثة ملايين نسمة، فإن حصة الفرد (الفلسطيني لا تتعدى في أحسن الأحوال (1.4) دونماً.

إن الأراضي التي اغتصبها الاحتلال للمستوطنات هي من أخصب الأراضي الصالحة للزراعة ويغتصبون أكثر من ثلثي مياه الضفة الغربية، مما زاد من تدهور الوضع المعيشي والاقتصادي للمواطنين العرب، الذي يلعب قطاع الزراعة دوراً أساسياً في حياتهم. وزاد من فقرهم وتدهور أوضاعهم تدمير “إسرائيل” المستمر للمؤسسات العمرانية والصناعية والزراعية والتعليمية وحتى الصحية.

ويقود بقاء المستعمرات إلى خلق دولة يهودية داخل الدولة الفلسطينية يسيطر المستعمرون عليها، وخلق فئة غنية تتمتع بامتيازات كثيرة ومساعدات مالية هائلة، مما يزيد من عنصرية اليهود واستعلائهم ويجعل إمكانية التعايش بينهم وبين العرب من سابع المستحيلات.

عملت “إسرائيل” على تكريس جهودها وجهود يهود العالم لتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للأراضي العربية المحتلة وخلق حقائق على الأرض بهدف تحويل الاحتلال إلى وجود دائم بالرغم من معارضة سكان الأرض الأصليين وأصحابها الشرعيين، وعلى الرغم من قرارات الأمم المتحدة منتهكة بذلك مبادئ القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة وقرارات مجلس الأمن.

وعملت في الوقت نفسه على ترحيل واضطهاد وتفتيت الشعب العربي الفلسطيني، واحتكار التفوق العسكري التقليدي والنووي للاستمرار في بناء المستعمرات وكسر إرادة الشعب الفلسطيني والأمة.

وتختلق باستمرار المبررات والأكاذيب التوراتية والتلمودية تارة والتذرع بحجّة الأمن تارة أخرى. وتهدف من ذلك إلى ابتلاع الأراضي العربية المحتلة كمقدمة لحروب جديدة للهيمنة على الأمة العربية.

وتخلو مواقفها وممارساتها وتصرفات الجيش الإسرائيلي من أي مضمون أخلاقي أو إنساني أو حضاري وتنطلق من مبدأ القوة لفرض مخططاتها وتزعم بوحشية وهمجية تفوق وحشية النازيين “إن العرب لا يفهمون إلاَّ لغة القوة”. وتعتمد سياسة الإرهاب والإبادة والأرض المحروقة والتدمير والسرقة والنهب للأرض والمياه والتربة والآثار والممتلكات العربية.

وتعتبر البلد الوحيد في العالم الذي لم يلتزم بميثاق الأمم المتحدة ولا ينفذ قرارات مجلس الأمن بخصوص القدس والتوقف عند إبادة الشعب الفلسطيني.

ويقوم المغتصبون والمحتلون والإرهابيون الإسرائيليون بخلق حقائق استعمارية على الأرض وتتكلل بالضم وتوسيع الحدود والترحيل، خلافاً لجميع العهود والمواثيق الدولية.

ويمارسون التطهير العرقي والاستعلاء والعنصرية والتمييز العنصري في الكنس وفي البيوت والمدارس والجامعات والأحزاب والمنظمات وفي الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية.

وعلى الرغم من ذلك تتلقى إسرائيل الأموال والأسلحة من الولايات المتحدة وألمانيا على حساب دافعي الضرائب الأميركيين والألمان لدعم الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة.

وتخفي أطماعها الاستيطانية بأكاذيب لا أساس لها من الصحة كدواعي الأمن أو الحقوق الدينية، مع العلم أن الدين لا يشكل مصدراً من مصادر القانون الدولي. وتطلق على الأراضي المحتلة بوقاحة الأراضي المحررة لابتلاع البقية الباقية من الأراضي العربية المحتلة وإقامة المستعمرات عليها والاستيلاء على موارد المياه وتفريغها من سكانها الأصليين وشق الطرق السريعة والالتفافية، وإغلاق المدارس والجامعات واعتقال الطلبة والمدرسين لأتفه الأسباب، وتعذيب السجناء وقطع الماء والكهرباء عن القرى والمخيمات وفرض العقوبات الجماعية لتصل إلى المعادلة التالية: “إما أن يقبل الفلسطينيون بالاستيطان وشرعنة الاحتلال وتهويد الأرض والمقدسات وأما الرحيل”.

إن سياسة الاحتلال الإسرائيلي الاستيطانية هي سياسة وممارسات استعمار استيطاني زاحف لا يتوقف ما دامت الهجرة اليهودية مستمرة وما دامت إسرائيل تؤمن بأن فلسطين هي وطن الشعب اليهودي ولكل يهودي في العالم حق المجيء إليها، لإقامة “إسرائيل العظمى” من النيل إلى الفرات. لذلك لا يجوز أبداً أن يقبل عربي الاعتراف بها والتعايش معها.

وتكثف “إسرائيل” سياستها الاستيطانية والتوسعية والاستعمارية والقمعية ضد المدنيين العرب لإدامة احتلالها وشرعنته وقهر المقاومة وكسر الإرادة وفرض الإذعان والاستسلام.

لذلك كان يتعين على مجلس الأمن الدولي اتخاذ تدابير فعالة واستخدام القوة والعقوبات الاقتصادية لتنفيذ قراراته التي رفضتها ولا تزال ترفضها ولإنهاء الاحتلال والاستيطان والتوسع الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، لاسيما وأن إسرائيل تمعن في انتهاك مبادئ القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن بتأييد ودعم كاملين من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا.

إن سياسة الأمر الواقع التي تنتهجها إسرائيل في الأراضي المحتلة تتنافى مع قواعد القانون الدولي والقانون الإنساني وأبسط المفاهيم الإنسانية والحضارية.

ويشكل بقاء المستعمرات استهتاراً بالسلام والاستقرار والازدهار في المنطقة، ويعرض السلم للخطر، ويعيد العلاقات الدولية مئة سنة إلى الوراء إلى مرحلة سيادة قانون الغاب. وتتصرف إسرائيل وكأنها فوق مجلس الأمن وفوق القانون بسبب دعم الولايات المتحدة لها، فلولا الولايات المتحدة لما استطاعت إسرائيل أن تحتفظ في الأراضي المحتلة حتى اليوم.

فالحل الوحيد هو إخلاء المستوطنات على الفور وتفكيكها وإعادة الأرض إلى أصحابها الشرعيين وتعويضهم عن الخسائر المادية والمعنوية التي ألحقها بهم الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون اليهود.

ويزداد التوتر بين المستوطنين والفلسطينيين، سكان البلاد الأصليين، مما يفسح المجال “لإسرائيل” بالتدخل تحت حجج وذرائع كاذبة وواهية لمتابعة تحقيق المشروع الصهيوني.

إن المفاوض الفلسطيني مطالب أن يصر على إجبار “إسرائيل” دفع التعويضات على الخسائر والأضرار البشرية والمادية التي ألحقتها بالفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وتزيد التعويضات عن ثمن المستوطنات. لذلك عليه أن يطالب بملكيتها كجزء من التعويضات التي يجب أن تدفعها إسرائيل للشعب الفلسطيني.

إن موقف الشعب الفلسطيني والدولي بتفكيك المستعمرات ودفع التعويضات مطلب عادل وواقعي وشرعي يتماشى وينسجم ويحقق أحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ويحقق مبدأ الأرض مقابل السلام التي وافق عليها المجتمع الدولي مقابل التخلي عن الاستعمار الاستيطاني والمستعمرات والانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس والجولان، ودفع التعويضات عن الخسائر والآلام والعذابات التي ألحقتها “إسرائيل” بالإنسان العربي والأرض والمياه والثروات والبنى التحتية وبالبيئة العربية وحتى التعويض عن المدة الزمنية التي أشعلت فيها إسرائيل العديد من الحروب العدوانية بحق فلسطين وسورية ولبنان والأردن ومصر.

إن حصاد أوسلو المر واعتراف رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ﺑ78% من مساحة فلسطين “لإسرائيل” وتنازله عنها قاد إلى تسريع عملية الاستيطان في الضفة والقطاع. إن بقاء المستوطنات حتى في التسوية النهائية تحت سيطرة الدولة الفلسطينية خيار غير عملي وغير شرعي وغير عادل ومرفوض ولا يمكن القبول به ويعني شرعنة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني اليهودي.

فالحل الوحيد والشرعي والعادل يتطلب انسحاب المستوطنين وتسليم المستوطنات كتعويض عن استغلال الأرض والمياه والبيئة الفلسطينية وكجزء من التعويضات عن الخسائر والأضرار التي ألحقتها إسرائيل بالشعب الفلسطيني. ويحمل وجود المستوطنين في الدولة الفلسطينية عامل أساسي في عدم الاستقرار وعدم إمكانية التعايش معهم، لذلك نصر على تفكيك المستعمرات ورحيل المستعمرين وإلزام “إسرائيل” بدفع التعويضات.

 د.غازي حسين