قوة (الموقف السوري) الحاضر الغائب في اجتماع جامعة الدول العربية – عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح ادريس

عبد الفتاح ادريس

لقد صدق أحد المحللين السياسيين السعوديين وهو لا يكن وداً لسورية عندما قال: إن العلم السوري الذي تبوأ المقعد الخالي في اجتماع جامعة الدول العربية إنما يعبر عن قوة الموقف السوري، وهو كغيره من المحللين والأكاديميين السعوديين الذين يبنون مواقفهم السياسية على مرتسمات الكيان العائلي السعودي السياسة والفكرية!! فالإقرار بقوة الموقف الذي يصنعه الجيش العربي السوري على الأرض مدعما بالتفاف الشعب وقيادته الحكيمة إنما يؤكد الاتجاهات البيانية المتعاظمة للانتصار على الإرهاب والمؤامرات الخارجية.. وهو تسليم بفشل السيناريوهات المعادية للدولة السورية والنظام الوطني القومي فيها.

وهو نوع من فشل التقديرات السوداء التي كانت ترسم لسورية واليأس من إمكانية إحراز تقدمّ استراتيجي للعصابات الإرهابية المسلحة التي تعمل ضد الدولة والشعب رغم مليارات الدولارات التي قدمت لإسقاط سورية ونظامها الوطني!! لقد انعكس هذا الفشل وهذا السقوط في توجهات الجامعة العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة والغرب في الصياغات والمصطلحات والمواقف السياسية الجديدة والحوارات والإعلان النهائي للقمة إلى مرتبة بيان!؟ فالإعلان الصادر يتحدث بوضوح عن حل سلمي للأزمة  السورية بصيغة لم تكن واردة في بيانات القمم والاجتماعات السابقة؛ فهو لم يذكر شيئا عن تنحي الرئيس، نعم لم يذكر شيئا عن التسليح والتنحي، ولم يستخدم مصطلح الممثل (الوحيد) للشعب العربي السوري!، عندما كان الأمر يتعلق بالائتلاف السوري المعارض! كما جرت العادة سابقا.ً وهو نوع من الفشل والانكسار في المواقف.

 رغم عدم وجود إشارات إيجابية واضحة تجاه سورية، إلا أن شيئا مهما قد حدث في تداولات القمة العربية في الكويت؛ فقبل القمة وفي أجوائها المتلبدة حدث انشقاق وخلافات عميقة في مجلس التعاون الخليجي على خلفية العلاقة مع الإخوان المسلمين، والمتغيرات التي انقلبت على الدور الإخواني السياسي الديني في مصر والذي أدى إلى بروز الخلاف السعودي القطري إلى العلن وانتهى ولعله ابتدأ بسحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من الدوحة، وقد ترك هذا الخلاف الذي ينشب إلى العلن لأول مرة آثاره على القمة رغم التحفظات الواضحة لإخفائه!! ولكنه حدث بارز سيؤثر على مجريات الأحداث المستقبلية. خاصة بالنسبة لمسألة الإرهاب ووضع قائمة المجموعات الإرهابية على سلم الملاحقات الأمنية السعودية وتأييد الإمارات والبحرين لهذه الإجراءات. الأمر الذي يشير من طرف خفي ولو بصورة ضبابية إلى لمحة ما تجاه سورية التي تحارب الإرهاب. وهو أمر لم يتضّح بعد. ولكن كما فرض قوة الموقف السوري نفسه على القمة سيفرض الأمر الثاني نفسه في محاربة الإرهاب في عهد قريب. وبالتأكيد نحن لسنا متفائلين كثيرا بالتحول المعادي لسورية من قبل السعودية الذي يخضع لمجموعات من الملفات المترادفة وعلى رأسها الصراع مع إيران الذي يحمل ظاهره طابع البرنامج النووي الإيراني. وفي العمق فالموقف السعودي يحمل طابعا خلافيا صراعياّ طائفيا ومذهبيا.ً. الأمر الذي يرضي الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى دائما إلى أجواء خليجية إيرانية متوترة. لصالح الكيان الصهيوني.

 الأمر الثاني المتعلق بالإشارات المتغيرة تجاه سورية، والتي ظهرت من خلال تداولات القمة في الكويت هو الرفض الواضح لعدد من الدول العربية لتسليم مقعد الجمهورية العربية السورية للائتلاف المعارض!! بل هددت هذه الدول بالانسحاب فيما إذا تم ذلك.. وحتى الإشارات الإيجابية التي ظهرت في إعلان الجامعة حيال (الائتلاف) ودعوته للمشاركة باجتماعات لمجلس الجامعة أكدت بأن هذه المشاركة لا تشير إلى أي تبعات قانونية خارج ولاية الدولة السورية..

 إذا لقد خرج من الإعلان ولأول مرة منذ سنوات الأزمة الثلاث: ممثل الشعب (الوحيد)، ولم يذكر شيء عن تسليح المجموعات المسلحة، أو شيء عن تنحي الرئيس بشار الأسد. وسقطت عمليا المراهنة على إسقاط (النظام) رغم العمل الحثيث الذي بذلته الجامعة العربية بإدارة قطر والسعودية. وتبين اليوم للجميع الحقيقة الساطعة التي رفضوا الإقرار بها سابقا؛ ألا وهي أن الشعب العربي السوري لا يريد إسقاط النظام. بل هناك إجماع وإصرارعلى عودة الأمن والأمان وإعادة سورية إلى ألقها ومجدها كما كانت عليها الأحوال قبل الأزمة. ولم يعد هذا الشعب الذي كانوا يحاولون تزوير إرادته بالتغيير الديمقراطي الوهمي مقتنعا بهذا التغيير!، بل اتضح رفض الشعب لحريتهم وديمقراطيتهم السوداء من خلال سفك الدماء وتدمير البنى التحتية للدولة السورية ومؤسساتها الوطنية، وإشاعة الفتنة الطائفية والمذهبية .. بل إن ردة الفعل الصارمة للشعب العربي السوري هو تلاحمه مع جيشه العظيم وقيادته الوطنية التي ستنقله حتما إلى بر الأمان.

 ولأول مرة في اجتماعات دول الجامعة العربية منذ تكالبهم لدعم العصابات المسلحة يتحدثون في كلماتهم أمام القمة عن محاربة الإرهاب والإرهابيين بعد أن أصبح الإرهاب يقرع أبوابهم بقوة! ومن الطبيعي على ما أعتقد في هذه الحالة إن آجلا أو عاجلا أن يتنبهّوا للدور الكبير الذي يقوم به النظام الوطني في سورية في محاربة الإرهاب (الذي صنعوه بأيديهم) والانتصار عليه في ميادين القتال على امتداد الأرض السورية. واعتقد أيضا أنه حان الوقت لتعيد كثير من الدول العربية مراجعة مواقفها إيجابيا تجاه سورية ونظامها الوطني مكرهة على وقع تهديد الإرهاب الذي يقترب من تضاريسهم وأنظمتهم العائلية! رغم قناعتنا الأكيدة أن سيد البيت الأبيض هو الذي يملي عليهم المواقف، ويمارس على قراراتهم حق المرجعية في أي اتجاه يسعون إليه.

 وعلى كل حال فإن توقعاتنا بالتحول المنتظر خاصة بالتسليم بقوة النظام وبقاء الرئيس الأسد الذي فرضته قوة الموقف السوري وإنجازات الجيش العربي السوري على الأرض والتفاف الشعب حوله؛ لم يخرج عن التقديرات والتوقعات لأقطاب السياسة الأمريكية الذين أداروا الملف السوري خلال الأزمة ونقصد بذلك كيري وزير الخارجية والسفير الأمريكي المتقاعد فورد. اللذان اعترفا مكرهين بأن الأسد قادم حتما إلى ولاية جديدة. وهم يدركون أن الشعب السوري هو صاحب القرار.

 وفي كل الأحوال فإن جامعة الدول العربية منذ تأسيسها كنبتة غربية صممت ونفذت من قبل بريطانيا وفرنسا لم تخرج للأسف في كثير من الأحيان عن تأثير الدول الاستعمارية ومصالحها في المنطقة العربية! لم تقدم ش يئا مهما للمواطن العربي على صعيد احتياجاته الأساسية. في التنمية وطموحاته الديمقراطية والقومية. لم تقدم للقضية الفلسطينية شيئا محسوسا استراتيجيا!ً بل كانت مواقفها تمثلّ تخديرا للأمة، وقراراتها مائعة ليست حاسمة في المواضيع الذي تتعرض إليها. لم تكن الجامعة ذات تأثير حقيقي لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الدفاع عن المصالح العربية. ولم تساهم بقوة في القضايا العربية المعاصرة وخاصة القضية الفلسطينية وقضايا التنمية والدفاع كما قلنا. الجامعة للأسف ماتت من عشرات السنين. ولم تكن جامعة في أي يوم من الأيام باستثناء لحظات قليلة في حياتها التي لم تكن عامرة في يوم من الأيام.

 الجامعة بأمينها العام استدعت الناتو لتدمير ليبيا!! واستدعت الأمم المتحدة لتدمير سورية وفق الفصل السابع! واستدعت لاحتلال قطر عربي هو سورية! وعلى ما يبدو فإن الجامعة التي كانت بداية صناعة بريطانية وجدت لتكريس التجزئة. وليس لتوحيد العرب! والقضية الفلسطينية التي كانت في مقدمة اهتمامات الجامعة وجدول أعمالها الدائم لم تكن هذه الجامعة على مستوى المسؤولية بل كان الحديث عن فلسطين في القمم العربية مجرد مجاملة!! وكما هو المتوقع وكما هي العادة فقد انتهت قمة الكويت كسالفاتها دون نتائج تذكر. وقد يكون الإنجاز الوحيد لهذه الدول المجتمعة تحتقبة الجامعة العربية هو التآمر على سورية وليبيا والخضوع للضغوط الأمريكية بتبني الإرهاب ودعم فصائل الإرهاب في سورية لتدمير الدولة وقيم القوة فيها. ينتهي إلى إنجاز لصالح الكيان الصهيوني على أمل إضعاف

سورية المقاومة وإسقاطها. ولم تكن الإشارة لمحاربة الإرهاب واجتثاثه في إعلان قمة الكويت كافيا لإزالة انخراط الكثير من دول الجامعية بدعم العصابات الإرهابية في سورية. دعما ماديا وإعلاميا ولوجستيا.ً فكيف نقتنع مثلا بالإجراءات القانونية السعودية بوضع الفصائل الإرهابية على قائمة الإرهاب وملاحقتهم قانونيا إذا كان الأمر متعلقا في الداخل السعودي وتدعم هذه العصابات والفصائل الإرهابية ذاتها في سورية بل تتحالف معها!!! عندما يكون الأمر متعلقا بسورية.

 الخلاصة المتعلقة بسورية والتي جملها الإعلان الختامي للقمة العربية في الكويت يعتبر الحل السياسي هو المخرج الوحيد للأزمة السورية، مع التأكيد على وحدة الدولة واستقلالها وسلامة أراضيها ووحدة الجغرافيا السورية. ويكاد يكون الموضوع الآخر الذي شغل الجامعة العربية المتعلق بالقضية الفلسطينية. كان عمليا موضوعا ثانويا متعلقا بالحفاظ على ماء الوجه وهي التي غابت أولوياتها عن الأجندات العربية والدولية منذ انبثاق الانفجارات العربية التي أطلق عليها ربيعا وهي لا تملك من الربيع غير لون الدم والفوضى والاضطراب. ولعل الضغوط التي أملتها إدارة الرئيس أوباما على القمة قد وصلت إلى نتائجها بإصدار مجرد إعلان وليس بيان يمكن أن يمثل أكثر التزاما واتفاقا للمجتمعين!! فالإعلان عمليا لا يلزم الدول إلزاما كاملا ويبقي حرية اختلاف المواقف أمرا مقبولا.ً ولعل ذلك يعود للقرار الذي اتخذته دول الجامعة العربية حول يهودية الدولة العبرية.

فالإعلان لا يلزم كما قلنا، وبالتالي فإن القصد الذي دعى لإصدار إعلان عن أعمال القمة هو القرار المتعلق برفض يهودية الدولة الصهيونية في فلسطين المحتلة. بمعنى أن الإعلان يعطي هامشا واسعا للأعضاء للخروج بعيدا واتخاذ مواقف مغايرة لقرار القمة هذا. وهذا ما أكدته أوساط سياسية مطلّعة..

 صحيح إذا أن الإعلان تضمّن رفضا ليهودية الدولة.. ولكن القرارات العربية السابقة بدعم القضية الفلسطينية أو أقله دعم (السلطة الفلسطينية) لم تكن مجال احترام الأعضاء ولم تأخذ طريقها للتنفيذ في الأعوام القليلة الماضية.

وكما هو معروف لم يجر الالتزام بقرار قمة سرت بمنح الفلسطينيين مبلغ خمسمائة مليون دولار لدعم السلطة!! ولم يعاد إعمار مخيم نهر البارد في لبنان، ولا إعمار غزة وشبكة الأمان التي قررتها القمة الماضية بقيمة مائة مليون دولار لم تنفّذ. وتأكيد القمة اليوم على منحة أخرى للفلسطينيين بقيمة خمس مائة مليون دولار لن تأخذ على ما نعتقد طريقها للتنفيذ، باستثناء قطر التي لا تتوانى عن إعطاء منِح لتدعيم موقفها القيادي التي تسعى إليه دائما.ً واليوم لم تأثر الجامعة العربية بمواقف حقيقية تجاه القضية الفلسطينية تنعكس إيجابيا على الأرض. وحتى المبادرة العربية في مؤتمر قمة بيروت الشهيرة التي تبناها ولي العهد وقتئذ الأمير عبد الله بن عبد العزيز لم تلق آذانا صاغية من قبل الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية. وقد شرعت منذ الساعات الأولى بعدوان إسرائيلي واسع كما هي العادة!! والسياسة المتبّعة التي يديرها الأمريكيون تجاه القضية الفلسطينية وتضغط على حلفائها العرب للسير في ركابها تقتضي إبقاء الفلسطينيين وقضيتهم تحت مطرقة المال ومطرقة السياسة ومطرقة الضغط المستمر لضمان إرباك السلطة وخضوعها خضوعا تاما للإرادة الأمريكية. وهي تسعى اليوم لإنجاز اتفاق إطار وتبني ترتيبات أمنية وإضفاء شرعية على المستوطنات في الضفة الغربية والقدس، وإحداث مرجعية جديدة بعيدا عن الشرعية الدولية.. مستغلة انشغال العرب بعدائهم ضد سورية. فماذا فعلت دول القمة العربية في الكويت.. لتنفيذ دعم حقيقي للقضية الفلسطينية؟!!

 انتهت القمة وعاد القادة إلى بلادهم وعروشهم على عجل وأسُدل الستار على الفقاعة الإعلامية. 

وإلى مسرحية أخرى ومسرح آخر في القاهرة!!!!.