في رحيل مانديلا الساحر الملهم وصاحب ميثاق الحرية – عامر راشد

عامر راشد

برحيل الرئيس الأسبق لجمهورية جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا خسرت البشرية واحداً من خيرة أبنائها، الذين نذروا حياتهم للحرية وحق كل الشعوب في حياة كريمة، دون استعمار أو حروب أو تمييز عنصري، لكن روح مانديلا ستبقى تلهم مئات الملايين في أفريقيا والعالم.

ثكلت جمهورية جنوب أفريقيا والبشرية جمعاء برحيل المناضل الأسمر نيلسون مانديلا، الذي استحق وبجدارة صفة الرمز العالمي للكفاح ضد التفرقة العنصرية، وأبشع صورها نظام الفصل العنصري “الابرتهايد” ضد السكان الشرعيين. 

استطاع مانديلا أن يكسر سطوة السجان العنصري الأبيض، وانتصر عليه كقائد لشعب جنوب أفريقيا في معركة الحرية، بالدعوة المثابرة للسلم والحرية وحقوق الإنسان، وبوسائل سلمية قهرت الدموية المفرطة لنظام الفصل العنصري، من زنزانته المنفردة في جزيرة (روبن)  غير المأهولة بالسكان، حتى أطل فجر عتق جمهورية جنوب أفريقيا من “الأبرتهايد”، بما حمله من رمزية إنسانية، بانتصار القيم والأخلاق والمبادئ على العنصرية.

وذلك رغم أن مانديلا قاد قبل أن يعتقل الجناح العسكري التابع لـ”المؤتمر الوطني الأفريقي”، “اومكونتو وي سيزوي وا” (رمح الأمة)، لأن صاحب “ميثاق الحرية”، الذي جمع التوقيعات على هذا الميثاق في خمسينيات القرن الماضي ضد القوانين العنصرية التي لم تكن تسمح له بالانتماء السياسي جنباً إلى جنب مع ممارسة مهنة المحاماة، كان يؤمن بقوة الفعل الجماهيري في مواجهة استبداد وقمع وهمجية نظام التمييز العنصري في بلاده. فكان له أن فاز مع شعبه عام 1990، بإجبار حكومة آخر رئيس من الأقلية البيضاء في البلاد، فريدريك ديكليرك، على رفع الحظر عن حزب “المؤتمر الوطني الإفريقي”، وإطلاق سراح مانديلا من السجن، والبدء بمحادثات بشأن تشكيل ديمقراطية متعددة الأعراق جديدة لجمهورية جنوب أفريقيا.

وأفلح كفاح مانديلا و”المؤتمر الوطني الأفريقي” وشعب جمهورية جنوب أفريقيا في تغيير وجه تاريخ البلاد وقارة أفريقيا بأكملها، بفوز مانديلا أول انتخابات رئاسية ديمقراطية، أيار/مايو 1994، ليقود مرحلة انتقال الحكم من أيدي الأقلية البيضاء إلى أيدي الأغلبية السمراء، ويضيف إلى سجله الحافل والمشرف العديد من محطات نضال جديدة، تحت شعار “المساواة وقبول الآخر في وطن يتسع للجمع دون فصل عنصري”. وفي تصريحات له أكد مانديلاً أنه تأثر وبعمق بأفكار ماهاتا غاندي للنضال السلمي.

دون أن يعني ذلك التساهل في الكفاح ضد عسف حكم الأقلية البيضاء، أو البحث عن خلاص فردي، مثلما فعلت قيادات العديد من الثورات في العالم، فلم تستطع أن تكمل الدرب الذي أكملته، فملأت مكانها أجيال جديدة كانت أكثر جذرية وانتزعت الحرية والاستقلال.

ومن مآثر الراحل مانديلا أنه رفض عام 1985 عرضاً من حكومة نظام “الأبرتهايد” بأن يطلق سراحه مقابل وقف المقاومة المسلحة، وفضل البقاء في السجن كي لا يقدم أي تنازل للعنصريين، الذين هُزموا  لاحقاً بفضل تماسك قيادة حزب”المؤتمر الوطني الأفريقي” واستعداها العالي للتضحية وتنكرها لأي مصالح شخصية، فاستحقت التفاف الجماهير من حولها حتى جاء الانتصار المظفر.

غير أن الانتصار على نظام الفصل العنصري لم يحقق بعد لأبناء جنوب أفريقيا كل الأهداف التي ناضلوا من أجلها، فما زال يجب على حكومة البلاد العمل على تحقيق مساواة فعلية بين المواطنين البيض، الذين يشكلون أقلية ويحتكرون معظم ثروات البلاد والزراعة والصناعة والتجارة، وبين المواطنين السود والملونين، الذين يشكلون أغلبية لم تتحسن بعد أوضاعها على نحو يجسر الفجوة الطبقية الكبيرة بينها وبين الأقلية البيضاء. 

وفي هذا مقولة شهيرة لمانديلا في رسالة أرسلها إلى ثوار مصر وتونس: “إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم، وإحقاق الحق أصعب من إبطال الباطل”، ولعل هذا هو مفترق الطرق الذي تقف أمامه الحكومة الديمقراطية في جنوب أفريقيا، مع الصعوبات الموضوعية التي تواجهها، لكن المسار في طابعه العام يدعو للأمل في إمكانية أن تحقق أغلبية الشعب الجنوب أفريقي المساواة مع الأقلية البيضاء، التي كانت تضطهد الأغلبية في الماضي القريب، وتعامل معها مانديلاً ومن جاءوا بعده إلى سدة الحكم بكل طيب أخلاق وتسامح، تجسدت في طريقة قيادة عملية التحول الديمقراطي بمشاركة كل الأعراق لطي صفحة الماضي، والعمل سوياً من أجل مستقبل خال من التمييز العنصري على أساس اللون أو العرق والعنف والاضطهاد والبطالة، والجريمة المنظمة. 

ومن اجل الوصول إلى عدالة اجتماعية حقيقة، بتمكين أبناء الأغلبية السوداء والملونة من حقوقهم، العمل والصحة والتعليم والمسكن الملائم، والوقوف في الحياة الاقتصادية جنباً إلى جنب مع (سادة) الأمس، الذين لولا صفح الأغلبية عنهم لكان مصيرهم الترحيل إلى بلدانهم الأصلية في أوروبا، التي جاءوا منها إلى جنوب أفريقيا كغزاة مستعمرين.

رحل مانديلا جسداً لكن روحه ستبقى أيقونة إنسانية تنير دروب الحرية في العالم، وسيبقى تراثه هادياً للأجيال القادمة، بمبادئه الأخلاقية التي جعلته يمنع نشوب حرب أهلية في جنوب أفريقيا، وأن يقبل بمصافحة جلاده ومسامحته، حتى لا تظل الأجيال القادة في البلاد تتجرع سم الأحقاد التي ولدها التمييز العنصري البغيض، وبمسامحته انتصر على جلاده.. واليوم يرحل تاركاً وراءه لرفاق الدرب وتلامذته إكمال المسيرة التي بدأها وأوصلها  إلى انتزع حكم ديمقراطي بقيادة الأغلبية.

وكأن مازيسى كونين، الشاعر الجنوب أفريقي الذي كتب الكثير من قصائده بلغة الزولو، كان يرثي نيلسون مانديلا عندما كتب قصيدته التي قال فيها: “إنهم نائمون تحت الأرض/  التي نعانقها بأقدامنا/  عندما نرقص في المهرجان/ إننا نقف في نفس المكان/ حيث كانوا يقفون بأحلامهم/ لقد حلموا حتى أصابهم التعب/ ثم تركوا لنا الحكاية التي نرقص عليها/ سنواصل طريقهم/ ونقف فوق نفس التراب..”.

ويكمل كونين هذه القصيدة في قصيدة أخرى يخيل للقارئ بأنها نبوءة لما بعد رحيل مانديلا، حيث يقول: “يصحو الميت ويمرح في الرقصة/ يدفع أوراق الشجر المتناثرة/ فوجوههم لها جسد/وعيون وشفاه في تعاقب الأجيال..”.. 

نعم هذا هو الراحل مانديلاً، الذي ترك لنا تراثاً إنسانياً كبيراً.. حكاية عشق للحرية كي نواصل طريقه ونقف على نفس التراب الذي ولد منه وعاد إليه مانديلا الإنسان الرمز والإيقونة والقائد، الذي ستبقى روحه تلهم مئات الملايين في أفريقيا والعالم.

نيلسون مانديلا