غزة بانتظار فان دام

الكاتب: تسفي برئيل / نشر في: هآرتس , 09/12/2013

غزة بانتظار فان دامأسكن غزة منذ زمن طويل وأشعر كأنني حي ولست حيا، فالكهرباء تنقطع 12 ساعة في اليوم. فأنا أنام وأستيقظ والكهرباء ما زالت مقطوعة. ويأتي الماء خصوصا والكهرباء مقطوعة حينما أريد أن أستحم بالضبط. ولا يجعل كل ذلك جان كلود فان دام أفضل مني، لكن من المؤسف جدا أنه لا بنزين في غزة’. وفي غضون ثوان تُبين الكلمات البسيطة التي ليست فيها دراما، التي يرددها شاب غزي بوجه لا يعبر عن شيء بمصاحبة الأغنية الحزينة للمطربة آنيا ‘أونلي تايم’ تُبين دور فان دام في الفيلم القصير.

تبدأ الصورة بالانفتاح وحينها يظهر الممثل الغزي وهو يقف في وضع يقف فيه فان دام في فيلم دعايته القصير لشاحنات فولفو. بيد أن رجليه في غزة ترتكزان على سيارتي ‘كايا’ وحينما تأخذان في الابتعاد بعضهما عن بعض وتضطرانه الى التفريج بين رجليه تظهر الصورة كلها، فتظهر سيارتا الكايا يدفعهما عدة شباب بأيديهم. ‘شكرا لفان دام’، كُتب في نهاية الفيلم القصير، الذي أنتجته ورفعته الى اليو تيوب مجموعة فنانين تسمي نفسها ‘تشويش’.

يُشك في أن يحقق هذا الفيلم القصير طموح مجموعة الشباب التي أنتجته وأن يزيل الضغط الاقتصادي الثقيل على القطاع. ‘أستطيع أن أتفهم لماذا جعلت وسائل الاعلام في مصر حماس موضوعا للكراهية’، قال محمد أبو الشعر من غزة للصحيفة الاسبوعية المصرية ‘الأهرام ويكلي’، ‘لكن لنفرض أنه من بين مليون و750 ألف من سكان غزة، ينتمي 750 ألفا الى حماس، فما ذنب المليون ساكن الذين لا ينتمون الى المنظمة؟ ولماذا يجب عليهم أن يدفعوا ثمن اعمال آخرين؟’.

والثمن باهظ. فكما يقول عدنان أبو حسانة، متحدث وكالة الغوث في القطاع والذي اقتُبس في الاسبوعية المصرية: ‘تنبع الازمة من صعاب متراكمة. ومع عدم وجود كهرباء فان نظام الماء يعاني ايضا وهو على شفا انهيار. والنقص في الوقود يُعطل المخابز فيقف كل شيء. بل إن البلديات ليست قادرة على جمع القمامة والتقارير عن عمليات جراحية في المستشفيات التي تُجرى على ضوء شموع، غير نادرة’. وليس أبو الشعر الوحيد الغاضب للثمن الذي يضطر سكان غزة الى دفعه، لكن يبدو أن قدرة معارضي الادارة في غزة على العمل محدودة جدا. خُطط في تشرين الثاني لمظاهرة جماعية على حماس لكنها لم تنفذ.

فالوسائل التي استعملتها حماس لمواجهة حركة ‘تمرد غزة’ كانت سريعة وناجعة وخشي مواطنون عاديون الانضمام للمظاهرة.

وفي هذا الوقت ما زالت الأحكام القاسية تنزل. ففي الاسبوع الماضي أعلنت وكالة الغوث للاجئين (الاونروا) أنها ستحذف 9 آلاف عائلة من قائمة الحاصلين على إتمام الدخل. ولم يثمر مؤتمر خاص عُقد في غزة على أثر الاعلان بمشاركة رجال اعمال واشخاص من الحياة العامة وساسة، نتائج حقيقية. ويقول عبد الحميد حمد، مدير مركز اللاجئين للتطوير الاجتماعي في غزة، إن الاونروا جمدت خطة الشبكة للامن الاجتماعي التي كان يتمتع بها نحو من 21 ألف عائلة.

وأعدت بدلا منها خطة لتشغيل مؤقت لعائلات فقيرة، لكنها ستشمل 2000 لاجيء فقط. واقتطعت الاونروا نحوا من 50 بالمئة من النفقة الصحية المحولة الى غزة، وهو اقتطاع يعني وجود قدر أقل من الادوية وإضرارا بالقدرة على علاج المرضى ذوي الامراض المزمنة.

إن سبب هذه الاقتطاعات كما قال عدد من المتحدثين في المؤتمر هو تجديد المحادثات بين اسرائيل والفلسطينيين التي قل على أثرها كثيرا اهتمام الدول المانحة بالوضع في مخيمات اللاجئين في غزة، وقل استعدادها للتبرع بأموال الى الاونروا. وبدأت اسرائيل خصوصا تدرك في الفترة الاخيرة معنى التهديد الامني الذي تُحدثه الضائقة الاقتصادية في القطاع، وسمحت في ايلول بادخال مواد بناء الى هناك لتحريك عجلة العمل قليلا. لكن الاسهام الاسرائيلي لا يستطيع أن يُعادل الخسائر العظيمة التي سببها تدمير أكثر من ألف نفق على يد الجيش المصري، أو التعويض عن الضرر الذي تسببه القيود على التصدير من غزة.
نشرت اللجنة الشعبية لاسقاط الحصار التي تعمل في غزة في نهاية تشرين الثاني تقريرا بيّن أن نسبة البطالة في القطاع بلغت الى 50 بالمئة وأن دخل الفرد لا يزيد في المعدل على دولارين كل يوم. وحماس من جهتها غير قادرة على أن تفعل الكثير. فالقطيعة شبه المطلقة مع مصر وتجفيف المساعدة الايرانية يضطران المنظمة الى أن تعتمد في الأساس على تبرعات منظمات وناس أفراد من دول الخليج، وهي ايرادات لا تُمكّن من اقامة ميزانية منظمة أو الالتزام بمشاريع مستقبلية.

إن قطر وتركيا هما الدولتان الوحيدتان الآن اللتان ما زالتا تساعدان حماس، وقد التزمتا بأن تساعدا الادارة في غزة على شراء وقود لضمان عمل محطات توليد الطاقة. ووافقت قطر ايضا على الانفاق على بناء ‘دار العدل’ وهي مجموعة محاكم بكلفة 11 مليون دولار. والسؤال هو فقط هل تسمح اسرائيل بدخول مواد البناء لهذا البناء.

زالت غزة (مثل سدروت) عن شاشة الرادار الاسرائيلي لعدم وجود صواريخ قسام أو صواريخ غراد. ويبدو الفرح العظيم الذي تسببه الازمة بين غزة ومصر وتدمير الأنفاق المشهد العام وانتصارا مضمونا على حماس. لكن حماس هي القوة الوحيدة الآن القادرة على االاستمرار في ادارة غزة ما بقيت الازمة بينها وبين السلطة الفلسطينية على حالها. ومن المثير أن نعلم كيف تنوي اسرائيل أن تواجه مشكلة غزة اذا كفت حماس عن حكمها. ربما تُجند جان كلود فان دام لمساعدتها.