‘عنتر الأقرع′ لا يستحق الموت

الكاتب: جدعون ليفي / نشر في: هآرتس , 05/12/2013

الشهيد عنتر الأقرع

الشهيد عنتر الأقرع

لم ألتق به قط، لكنني أُكثر التفكير فيه منذ يوم السبت الماضي الذي كان آخر سبت في حياته. أستطيع فقط أن أتخيل حياة وموت عنتر الأقرع، الشاب الفلسطيني من قرية قبلان، الذي كان يوشك أن يتزوج بعد اسبوعين وحاول أن يجد مصدر رزق له بتسلل أفراد الى اسرائيل. وقد جاء ليكسر فيها كسرا كما اعتاد آلاف الشباب الفلسطينيين الذين ليس لهم مصدر رزق آخر، وسُمي عندنا ماكثا غير قانوني وكأنه مجرد شيء (من المؤكد أنه مشتبه فيه). ولم ألتق قط ايضا بـ ‘متطوع حرس الحدود’، وهذا ايضا لقب غريب، الذي أطلق النار على الأقرع فأرداه قتيلا عند مدخل مقبرة اليركون. ولم توجد السكين التي هدد الأقرع بها، كما زعُم، لكن المتطوع أطلق عليه النار فقتله، متطوعا بالطبع. كانت رصاصة واحدة وُجهت الى ماكث غير قانوني، فماذا يمكن أن يحدث.

صباح السبت، يوم جميل. الأم تشرب الكثير من القهوة، والأب يقرأ الكثير من الصحف، ويمكن الذهاب الى اليركون. إن متطوع حرس الحدود الذي يبدو أنه في ملل وأن حياته فارغة جدا، وليس له مكان يتطوع فيه سوى حرس الحدود وكأنه لا يكفينا ما يوجد في هذا السلاح القاسي حتى من غيره ايضا، وكأنه لا توجد اماكن أسمى للتطوع فيها مضى الى اليركون. صباح السبت، يوم جميل، في المقبرة غير بعيد عن ضفتي اليركون، التي كانت الملجأ الليلي البائس للماكث غير القانوني الأقرع ورفاقه خشية صياديهم من متطوعي حرس الحدود من مُحبي الحركة والشوشو. في مدينة الأموات هذه يختبيء الماكثون غير القانونيين في يوم السبت، الذي هو يوم جميل.

ظهر فجأة صيادو البشر وحاول الأقرع الهرب، فربما خشي أن يُعتقل قُبيل زواجه، ونشك كثيرا في أنه عرض أحدا ما للخطر. ووقف لحظة وانحنى فاستقر رأي المتطوع للشعب على أنه يوشك أن يرفع سكينا فأطلق عليه النار فأرداه قتيلا. وهكذا حدث ذلك القتل الآثم في المقبرة في صباح السبت الذي هو يوم جميل. فلقي الأقرع حتفه وتلاشى العُرس وبقي ثكل العائلة وألمها. ومن غيرها يهمه الأمر.

إن قسم التحقيق مع رجال الشرطة يحقق، لكن الجميع أصبحوا يعلمون ماذا تكون نتيجة أكثر هذه التحقيقات. فحينما طرح اثنان متطوعان آخران من حرس الحدود، وهما إيتي أرزي وشاي سولام، اربعة من الماكثين غير القانونيين في يوم شتائي بارد في حرجة بعيدة عن كل مكان، ونزعوا عنهم معاطفهم وأحذيتهم ورموهم بالحجارة لطردهم كالحيوانات، لم يُحكم عليهم بشيء. حدث ذلك في 2007، وبعد محاكمة استمرت خمس سنوات (!) حُكم عليهم بـ 200 ساعة لنفع الجمهور. واعترض قسم التحقيق مع رجال الشرطة. لكن لا يجب انتظار نتائج الاستئناف كي نعلم أن حياة الماكث غير القانوني وكرامته هما الأرخص في سلسلة الغذاء الاسرائيلية بل إنهما أرخص من حياة وكرامة ‘المتسلل’ من افريقيا.

إنهم يتجولون بين ظهرانينا كظلال آدميين، ويختبئون في مواقع بناء ومزابل وفي مقابر ومناطق صناعية. وهم ماكثون غير قانونيين في جزء من ارضهم التي هي ارضنا ايضا. ويمكن أن يُروا فينة بعد اخرى يُطرحون بقرب أحد الحواجز مقيدين أذلاء بعد ليلة في الحجز. ولا أمل في أن يجدوا عملا سوى في اسرائيل، وإن الكثرة الغالبة منهم يأتون للارتزاق فقط ولبناء البلاد وبناء أنفسهم فيها. وهم بتسللهم يسخرون من جدار الفصل، وهم يمكثون هنا اسابيع طويلة بعيدا عن بيوتهم وعائلاتهم ويترصدهم الخطر ويترصد كرامتهم في كل لحظة. وحتى لو كان مكوثهم غير قانوني فان معاملتهم ليست أفضل من ذلك، ومن المؤكد أنها غير انسانية ولا أخلاقية.

أفكر في الأقرع لأنه لم يكن يستحق الموت. وأفكر في الأقرع لأنه لم يكن يستحق هذه الحياة البائسة، وهو يختبيء طلبا للحياة في مقبرة، ولا يستحق هذا الموت، وقد أُطلقت عليه النار ككلب ضال. هل من الفضول أن نكتب أنه كان انسانا ايضا كسائر الناس؟ وأن اطلاق النار للقتل يجب أن يكون المخرج الاخير لا الأول؟ وأنه كان يريد بيقين سبتا آخر يكون يوما جميلا ليمضي الى اليركون ويركب قاربا هناك أو يتنزه حتى منتهى الشارع ويعود.