عشتار ربّة الخصب.. وأيقونة الحياة – عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح ادريس

عبد الفتاح ادريس

«كل عام وأنتم بخير » إيذاناً ببداية عام جديد وأمل باستمرار الخير وتواصل الحياة، هو اليوم ليس مجرد قول مأثور يتداوله الناس مع إشراقة عام جديد فحسب، وليس قولا تتناقله الألسن في مناسبة ذكرى ميلاد جديدة وانطلاقة جديدة للحياة البشرية.. وليس مجرد إعلان لولادة الإنسان أو ذكرى متوارثة في كل عام..

«كل عام وأنتم بخير » نتداولها بمناسبة رأس السنة السورية الجديدة التي يبدأ تقويمها في الأول من نيسان.. ونحن اليوم في العام 6764 س من التقويم السوري. لمن لا يعرف…

رأس السنة السورية يرتبط بالربةّ الأم (عشتار) ربةّ الخصب، ومنتجة الحياة، نجمة الصباح والمساء التي في فمها تكمن الحياة، ويشع من ابتسامتها الأمن والطمأنينة في النفوس، كيف لا وهي آلهة الخصب ومعطية الحياة.. مع إشراقة الربيع يبدأ عطاؤها الأسطوري وتعم البركة والمواسم المباركة.. هي عشتار الأسطورة، المحترمة المقدسة، معطاءة الخير وواهبة الحياة إنها (أم الزلّف) الفتاة الأبدية الرائعة الحسن والجمال في سورية القديمة الواسعة وبلاد الشام من المشرق إلى المغيب. يمجدّها الأسلاف والأجداد. وتغنىّ بها الأبناء جيلا بعد جيل. لقد كانت هذه الربةّ المعطاءة الفائقة الحسن والجمال. حاضرة دائما في أفراحنا وأعراسنا وحصادنا ومرابعنا على مر الزمن. لقد كانت لحنا صدّاحا مع الحادين والمغنين والقوّالين.. ولا يسعنا ونحن في حضرة هذه الربّة المحترمة، في عيد عشتار وبداية تقويمنا السوري السنوي إلا أن نغني مع المغنين وننشد مع الحدّائين:

عالعين يا أم الزلف *** زلفه يا مو ليّا

يشرب حصانك ظفر *** يشرب حصاني ميّا

(الزلف) في السريانية هي الثوب الموشي، الزينة والجمال. و (موليا) تعني الخصب والوفرة والامتلاء والإشباع.

وكلها معان تتصل (بعشتار) ربةّ الخصب وهي الأم والأرض والطبيعة. وكما هو واضح في المغناة القديمة فوجود هذه الربّة مرتبط بثنائية الماء والخصب. وهي إشارة أيضا لمكانة المرأة في التراث الإنساني والديني في بلادنا منذ الأزل… ومرتبط بماء الحياة الذي يعطي للخصب ألقه ونماءه.. واجتماع ثنائية الماء والخصوبة، يعطي الظفر والنصر فحصان عشتار الذي هو رمز للقوة واستمرار الحياة والفحولة، ورغم كل هذا التبجيل الاستثنائي لعربة الأنثى الأم التي تهب الحياة. فهو مرتبط أيضا بعشيقها الأبدي تموز الذي يراودها عن نفسها في انطلاقة الربيع ويعيد لها روعة العشق وأحاسيس الحب والوله.. والاختلاط الروحي والجسدي. ليكونا معا في ائتلافهما نتاجا قدسيا بإشراقة حياة جديدة وخصب جديد، يعطي للمرح والحبور قيمة أبدية تتجدد في كل عام. فتموز القادم من أسفل الأرض والطبيعة يعطي عناقه وامتزاجه مع عشتار لذة وحبوراً. ويعطي الربيع ازدهاره ووروده الونساة ويعطي للمواسم الخصبة أملها الدائم بالحياة الأبدية التي لا تنقطع وتتجدد في كل عام..

(أم الزلف) و (الموليا) و (الظفر) و (الحصان) بما تحمله من رموز موشّاة بالزينة والجمال والخصب والوفرة والامتلاء والإشباع كلها معان تتصل بعشتار (ربةّ الخصب). وهي الأم والأرض والطبيعة وعيدها هو عيد رأس السنة السورية حيث كانت تبدأ الاحتفالات في بلادنا في الواحد والعشرين من آذار. ولمدة أربعة الأيام الأولى. تقدمَّ خلالها المسرحيات، وترُوى الأساطير التي كانت بمثابة تراتيل دينية تعبدية.

ثم تبدأ الاحتفالات الدينية التي تبلغ ذروتها في عيد رأس السنة السورية في الأول من نيسان، وتستمر حتى العاشر منه، وكانت هذه الأيام بالنسبة للسوريين بمثابة أيام مقدسة يحرّم أثناءها تأنيب الأطفال ومعاقبة العبيد أو القيام بأعمال وأشغال يدوية، أو انعقاد المحاكم. وهذا السلوك الديني المقدس يدل إلى أي حضارة مثمرة توصل إليها أجدادنا، وإلى أي مجتمع حضاري وحياة اجتماعية راقية وصل إليها الإنسان السوري.

 عندما نستعيد احتفالات السوريين القدماء برأس السنة الجديدة. لابد من التذكير بأن الشهور السورية التي ما تزال حتى يومنا هذا متداولة بتقويمنا الشمسي الفصلي.. وهي متآلفة مع دورة الطبيعة وإشاراتها التي تصور للربة الأم عشتار، فشهر آذار بشهر الزهر، ونيسان الربيع وأيار شهر النور.. وتموز حب عشتار ومعشوقها الأبدي يغادر إلى أعماق الأرض إلى موسم خصيب آخر. وأيلول (أولولو) شهر الولولة والحزن والبكاء على رحيل تموز ونهاية الخصب وانتهائه في سعير الصيف الحارق. وعبر آلاف السنين ما يزال أهلنا الفلاحون المرتبطون بالأرض والخصب والمياه. يحتفلون في نيسان ويقيمون الأفراح والدبكات، ويسلفون البيض الملون بألوان زهر الربيع عنوانا لانطلاقة الخصب والإيذان بالمواسم المباركة. نستطيع القول اليوم إن التقويم السوري سُرق واغتصب وفقا لأهواء الملوك والأباطرة فبعد أن كان مرتبطا بالآلهة والرباّت المحترمات العظيمات. أصبح وفقا لأهواء البشر، باستثناء واحد هو التقويم الذي لم يكن هو الآخر بعيدا عن حضارة القدماء داخل الصحراء الذي كان القمر مؤنسهم وهاديهم في الليالي الأكثر رحمة من لهيب النهار الحارق وقد ارتبط عند العرب بعد الإسلام. بهجرتهم إلى المدينة المنورة.

 لقد اغتصُب التقويم السوري حقيقة عندما نقل التقويم اليولياني الروماني رأس السنة إلى الأول من كانون الثاني. وأكده التقويم الغريغوري بعد مئات السنين وهو المعمول به إلى يومنا هذا…

وعندما اعتاد أجدادنا القدماء على الاحتفال برأس السنة في الأول من نيسان وواصلوا أعيادهم واحتفالاتهم كما هي العادة المتوارثة منذ مئات بل آلاف السنين، كانوا يتهمون بالحماقة، وبأن احتفالهم برأس السنة في الأول من نيسان تغير، وأن الاحتفال أصبح مجردّ كذبة يمارسونها. وهكذا لعل الأول من نيسان أصبح بسبب ذلك عيدا للكذب.. أو لنقل مجرد مناسبة لا قيمة لها للكذب المباح..

 لقد كان أسلافنا القدماء على حق فلا يمكن أن يكون الربيع وهو أصدق علامة للحياة موسما وعيدا للكذب؟. الأول من نيسان وفق التقويم السوري القديم له قيم قدسية وإنسانية عميقة.. له ارتباط بالقيم الروحية وبسلطات الآلهة التي تحكم قدر هذه البلاد. وله مآثره وعطاءاته المرتبطة بالخصب والطبيعة والجمال واستمرار الحياة.. ونحن اليوم بمناسبة رأس السنة السورية لعام 6764 س هل يمكن الدعوة إلى إحياء أعياد الربيع احتفاء بالسنة السورية الجديدة كل عام من الأول من نيسان؟ ونزيل غبش الادعاء الكاذب الذي أطلق زورا وبهتانا.ً.

عبد الفتاح إدريس – مجلة الطلائع العدد 1622