اتفاق (إطار): صيغة لتصفية القضية الفلسطينية – عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح ادريس

عبد الفتاح ادريس

وزير الخارجية الأمريكية يعمل في زياراته المكوكيّة المتواصلة بين (القدس) ورام الله وكأنه على سباق مع الزمن!! فالظروف الاستثنائية التي لم تكن بأيّ حال خارج العناية والإدارة الأميركية هي اليوم مواتية تماماً لإحداث خرق ما، لتصفية القضية الفلسطينية! حتى ولو كانت في ظاهرها مظهر تجميلي يشير إلى التوصّل إلى صيغة حلٍّ نهائي بين (الفلسطينيين والإسرائيليين)!!

نعم الظروف الاستثنائية التي أتاحت التلاعب التدميري بمصير المنطقة، وعملت على وضع الدول والمجتمعات العربية نهباً للفكر التكفيري، والتدمير الذاتي، لحماية الكيان الصهيوني وأمنه ومستقبله! كل ذلك ولّد فرصةً لم تكن سانحةً قبل ذلك للحلم التوراتي الصهيوني، أو العشق الأمريكي لهذا الكيان الذي أقيم على الباطل!!

جون كيري الذي حرص منذ توليه منصبه على إحداث نجاح ما يُكتب له في سجل إدارته للدبلوماسية الأمريكية يجهد اليوم لإنجاز اتفاق إطار بين السلطة وحكومة نتنياهو اليمينية!! وهو وإن كانت عينه دائماً مصوّبة نحو ما يحدث اليوم في سورية ومصر وتونس… إلا أنه ينتهز الفرصة وقبل أن توضع الأوراق فوق الطاولة الشرق أوسطية، لإنجاز اتفاق الإطار هذا.. الذي سيكون مؤجل التنفيذ لتسعة أشهر أو أكثر قادمة كما أفادت التسريبات! المفاوضات كما هو معلوم تجري في غرف مغلقة بعيداً عن الإعلام والرأي العام!! رغم الفضائح التي واكبتها مرة باستقالة طاقم المفاوضات الفلسطيني برئاسة عريقات.. أو بالفضيحة الكبرى التي أطلقتها تسيفي ليفني رئيس طاقم المفاوضات الإسرائيلي، عندما فضحت شخصيات فلسطينية وعربية مارست الجنس معها خدمة (لإسرائيل) والصهيونية العالمية!! رغم أن هذه الاستقالة كانت مجرّد ذر الرماد في العيون.. كما لم تترك ضغوط الفضائح الجنسية التي أطلقتها تسيفي ليفني، أي أثر يُذكر فالأمر شكل كذبة كبيرة؛ فالمفاوضات جارية والسيد أبو مازن لم يوافق أساساً على منطق من هذا النوع يمكن أن يسيء للمفاوضات التي تعتبر بالنسبة له وللآخرين مسألة حياة ونمط للعيش!!ما هي صيغة اتفاق (الإطار) هذا، وماذا تحمله الكلمة من مضامين ومعاني سياسية وتفاوضية؟! سؤال مطروح، وقد تكون التسمية بحدّ ذاتها مصطلحاً غامضاً إشكالياً يحدده بالطبع ما يرشح هنا وهناك من مضامين تفاوضية وسياسية محددة!!. وكما قيل فإن المتوفّر من المعطيات تشير بأن صيغة الإطار هذه هي مجرد ورقة مواقف لا تحمل طابعاً قانونياً ولا تتطلّب توقيعاً من الطرفين، وهي تمكّن كلاً منهما الإعراب عن تحفّظاته!! والصيغة تتضمن مبدأين مركزيين هما:

أولاً: أن (إسرائيل) بشروط معينة مستعدة للاعتراف (بدولة) فلسطينية على أساس حدود عام1967م مع تبادل للأراضي وتعديلات أمنية.

ثانياً: يعترف الفلسطينيون عند التوصل إلى اتفاق نهائي (بإسرائيل) كدولة يهودية ويعلنون نهاية النزاع!

ولكن هذين المبدأين وكما علّمتنا التجربة لا يمكن أن يُلزما الكيان الصهيوني بشيء! فالزمن سوف يحدث دائماً حالة التحوّل من المواقف الإسرائيلية بالتنكّر إلى كل ما يعطي الفلسطينيين من نقاط في سياق عملية المفاوضات، وسوف يثبّت ما يمكن اعتباره كسباً إسرائيلياً! ومن ثم القفز منه إلى حالة ومرحلة أخرى تدريجية لقضم فلسطين برمتها. وإخراج القضية الفلسطينية من التعامل الدولي!!!.حرص نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني قبيل جولة كيري الأخيرة إلى فلسطين المحتلة، إلى ما يمكن تسميته ظاهرياً إطلاق مبادرة حسن نية… فقام بإطلاق عدد من الأسرى الفلسطينيين، والثانية ما أعلن عنه عن تأجيل عطاءات توسيع الاستيطان إلى بُعيد انتهاء الزيارة الحالية لجون كيري. وهو شيء مما يمكن أن تطلق عليه بالمثل الدارج اللعب (على الذّقون). على اعتبار أن العرب مولّعون بتبويس اللحى!!!.

ولكن هذا الفعل المسرحي الظاهري لم يمنع نائب وزير الخارجية الإسرائيلي زئيف الكين بالتصريح أثناء زيارته إلى وادي الأردن قبيل مجيء جون كيري إلى المنطقة بالقول: إن حدود عام 1967م هي حدود معسكر الإبادة النازية في اوشيفتس) وهي العبارة التي تلسع (الذاكرة) التوراتية الصهيونية، وتعيد ذكريات المعاناة مع النازية الهتلرية في ألمانيا.. الأمر الذي يشعر الغربيون بمسؤولية عدائهم التاريخي لليهود عندما كانوا يعيشون بين ظهرانيهم… ولم يمنع أيضاً اليمين الإسرائيلي المتطرف من القيام بإشارات ذات معاني بخصوص موضوعين على غاية الحساسية والأهمية وهما: محاولة نبش الأفكار العنصرية الصهيونية المتوضّعة تحت الرماد التي تبيّت للفلسطينيين المقيمين في مدنهم وقراهم وأراضيهم ولم يغادروا فلسطين مسألة طردهم وتسفيرهم!! لذلك فقد أعادوا طرح الهوية استبدال بمبدأ تبادل الأراضي بتبادل السكان! وهذا الأمر يعتبر إشكالية عنصرية كبرى، وجريمة مدانة بالقانون الدولي. إضافة إلى ما تلقاه هذه الفكرة من رفض قوي يمينية ويسارية إسرائيلية ليس حرصاً على الفلسطينيين بل لأن ذلك يتعارض مع تكريس تقسيم (أرض إسرائيل)!! ويتعارض مع مستوى الإيمان التوراتي الصهيوني لليهود!! وكما هو واضح فالمشروع المطروح يشير إلى نقل منطقة الثلث إلى السلطة الفلسطينية، مقابل الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى حول مدينة القدس والضفة والمشروع كما يعتقد مختص بنقل السكان والإبقاء الكامل على بسط السيادة على الأرض!

الموضوع الثاني: محاولة اليمين لتمرير مشروع قانون في الكنيست بضم غور الأردن للكيان الصهيوني ليس فقط لتهشيم حدود 67 بل للقضاء على مبدأ التسوية الإقليمية لتكريس اغتصاب الأرض وتوفير الأمن!! وللقضاء على أي أمل بنجاح صيغة اتفاق الإطار الذي يعمل عليه جون كيري بدأبٍ واضحٍ. الذي يتضمن فيما يتضمن صيغة حول غور الأردن يتوافق عليها كلٌ من السلطة ومفاوضيها!!.

في المؤتمر الصحفي الذي جمع جون كيري ونتنياهو لم يكف الوزير الأمريكي عن التذكير بأن على القادة اتخاذ قرارات صعبة خلال الأسابيع القليلة القادمة! وهو يعمل كما يقول على تضييق الخلافات لاتفاق إطار سيضع إرشادات للمفاوضات تشمل القضايا الرئيسة كافة من بينها: الحدود والأمن. والقدس واللاجئين والاعتراف المتبادل (أي الاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة) ووضع نهاية للنزاع والادعاءات القانونية..

ويضيف كيري أن اتفاق الإطار سيكتب بالاعتماد على الأفكار والمواقف المطروحة بين الطرفين خلال 20 جلسة من المحادثات في الأشهر الخمسة الماضية. وسيتطلب ذلك كما يقول تنازلات من الطرفين. فالاتفاق سيحمل إرشادات المرحلة النهائية من المفاوضات. ويقول أيضاً إن اتفاق الإطار يعتبر اختراقاً مهماً سيضع المعايير الثابتة ليصبح بمقدور الطرفين معرفة إلى أين يتجهان، وما قد تكون النتيجة النهائية، وسيمد جسوراً بين الاختلافات حتى يصبح بمقدورهما التقدم نحو اتفاق سلام نهائي..

ولم ينسَ كيري كعادته الإشادة بنتنياهو بالتزامه بالإفراج عن أسرى ما قبل أوسلو!! والإشادة بأبي مازن لالتزامه باستمرار المفاوضات!!.لم يخف نتنياهو شكوكه وسلوكه العنصري فقد شكا من سلوك الرئيس عباس باستقباله الأسرى الذين هم بنظره مجرد إرهابيين (قتلة) واعتبارهم (أبطالاً) يشكل فضيحة كبرى!. ويضيف نتنياهو بأن السلام يعني الاعتراف (بإسرائيل) كدولة قوية للشعب اليهودي. وعلى عباس كما يقول نبذ الإرهاب وتبنّي السلام!! فكل ما قدّمه هذا الرجل وأقصد محمود عباس جهاراً نهاراً برفضه للمقاومة والكفاح المسلح لم يعجب نتنياهو وهو بنظره مازال إرهابياً وعليه نبذ الإرهاب!!.احتجّت السلطة في رام الله ضمن الهامش المعطى إليها بأن الصيغة الأمريكية للترتيبات الأمنية تبدّد السيادة الفلسطينية!! وعلى كل حال فالمعطيات تفيد بأن صيغة كيري تتضمن دولة فلسطين!! ناقصة السيادة بل مفقودة السيادة، وتوفير أمن إسرائيل ويظل الهدف دائماً منع انهيار المفاوضات! من الواضح أن صيغة اتفاق الإطار القادم سيحمل الكثير من التحفظات من كلا الطرفين، خاصة وأن (الاتفاق) أتاح لكل فريق تقديم تحفّظاته كجزء أساسي من الصيغة المقترحة: الأمر الذي يشكّل بذور خلافات قائمة يمكن أن تنسف صيغة الإطار المقترح من الجذور ومن الواضح أيضاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يتبنى الكثير من التحفظات التي تشكّل محور تفاهم الرأي العام اليميني الإسرائيلي الذي يمثّل الغالبية في المنظومة السياسية الإسرائيلية من الواضح أنه سيسعى إلى انفكاك جديد بنبذ الالتزام كما جرت العادة على ذلك منذ توقيع اتفاق أوسلو الأول عام 1993م. ولذلك فإن كيري يفتّش دائماً عن رموز سياسية إسرائيلية يمكن أن تدعم مشروعه.. لذلك فإنه يجد أملاً اليوم بوزير الخارجية أفيغدور ليبرمان الذي أعرب عن اعتقاده بوجوب إعطاء المشروع فرصة! وموقف ليبرمان هذا هو قريب من موقف تسيفي ليفني التساوق مع خطة كيري. وهو موقف مختلف مع وزير الدفاع يعلون وآخرين من القادة المتشددين الصهاينة. ومع ذلك فليس من المتوقّع أن تسفر الزيارة الحالية إلى إعلان اتفاق الإطار.يقال إن المتعجلين الأمريكيين قاموا بحجز بين 30 إلى 50 غرفة في أحد فنادق القدس المحتلة في كانون الثاني الحالي مع مطلع العام الجديد! وقيل إن احتفالاً مهيباً يتمّ حينذاك. وبعد ذلك يستمر عاماً كاملاً لإنجاز تسوية نهائية كما يقول صائب عريقات. وقيل في الإعلام عن مصادر موثوقة إن سيد البيت الأبيض يحضّر منذ الآن لإقامة احتفال مهيب آخر في البيت الأبيض بحضور محمود عباس ونتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي. ليكون الاحتفال بمثابة تسجيل نقاط ناصعة في عهد الرئيس أوباما! كما فعل أسلافه السابقون بعد توقيع أوسلو واتفاقية واي بلانتيشن التي لم يبقَ منهما سوى إجراءات التنسيق الأمني التي تحيط برقاب الفلسطينيين وتبدد أمنهم وحقوقهم الوطنية في وطنهم وبلادهم فلسطين. وكما هو اليوم وهم يسعون إلى هذا الإطار الجديد، ويسعون للضغط على المفاوضين من السلطة من خلال السعودية والأردن. فإنهم مزمعون إلى إنجاز كامل بتصفية القضية الفلسطينية مقابل إعطائهم مظاهر دولة غير سيادية مقطّعة الأوصال لا وجود للاجئين الفلسطينيين فيها. فهم سيوطنوا وتصفّى حقوقهم أما الإسرائيليون فسيحظون بدولة يهودية خالصة معترف بها ومشروع توراتي يتحقق باضطراد.

عبد الفتاح إدريس – اتفاق (إطار): صيغة لتصفية القضية الفلسطينية