سوريا: هل ستحقق “المعارضة” السلبية ما عجز عنه الإرهاب؟ د. عادل سمارة

د. عادل سمارةيبدو ان سوريا سوف تشغل العالم مجددا بعد العدوان وحين النصر كما شغلت التاريخ. صحيح انها شغلته بالأبجدية والحضارة ونشر الإسلام ووصول الأمويين للأندلس ليكون العرب اول فاتحين لا غزاة يخلقون حضارة تفقأ عين مختلف المستعمرين والأمم. ها هي اليوم تشغل العالم بدمها. باختصار قارنوا أندلس العرب مع احتلال امريكا للعراق.
لا غرابة أن البدو البيض من الغرب مدفوعون بحقد على بلد لم يفهموا حضوره التاريخي، فيرفعون الاستعمار إلى الذبح في الأرض على الفضاء.
لكن الأخطر أن يتعلم الكثير من السوريين شرب دمها في حالة مصالح فردية فئوية طائفية إيديولوجية لا تبتعد كثيراً عن ولغ الصهانية!
ربما لم يعد هذا غريباً بعد أن أقدم الطابور السادس الثقافي على ما هو ابعد منه.
ولكن لا يستقيم زعم المعارضة مع سلوك ذلك الطابور.

المعارضون الذين منذ بدء الحراك ومن ثم العدوان كانوا يُؤخذون بالطائرات إلى الدوحة، وانقرة وباريس والقاهرة وبالطبع واشنطن، بل ان بعضهم ظهر في تل أبيب. في الدوحة بالطبع يُؤخذون لتلقي دروسا في الخبرة الصهيونية المختزنة تحت الجلد الواسع لعزمي بشارة الذي يعرف الصهاينة و “كان” حتى حينه يعرف كيف يفكر الرئيس السوري وسيد المقاومة. ذلك الذهاب للتتلمذ قاله هيثم مناع بعظمة لسانه. وفي العواصم الأخرى ليستمعوا لتجاربها وخبراتها في امر واحد أهم هو: كيف يمكنهم هدم سوريا طالما لا يمكنهم احتلال مواقع السلطة فالمطلوب في التحليل الأخير القضاء المبرم على اي جذر عروبي.
ومعارضون جلسوا في بيوتهم يصدرون التصريحات والمزايدات عن القمع والعسف والفساد. كان النقد صحيحا ولم يكن الجلوس صحيحاً. لا بنوا ميلسشيات ولا قاتلوا.

كان على النظام ان يقاتل. ربما في اعتقاد داخلي فيهم لا يفصحوا عنه بان البلد لا تعنيهم بل تعني النظام، لأن ما يعنيهم الوصول إلى السلطة وليس حماية البلد.
ربما يحتلف هؤلاء عن الذين استدعوا الأجنبي وركضوا او زحفوا إليه وحاولوا وسيحاولون.
ومعارضة أجادت الرقص ونقل الخطى بين القاهرة في فترة مرسي وفي فترة السيسي، وربما هي التي تعرف حدود التشابه والفرق بينهما خلال علاقتها بهما. وفي كل مرة كانت تزعم أنها ذاهبة هناك في عشق لعبد الناصر. علما بان زيارة الضريح لا تعني سماع راي الراحل.

ومعارضات تتوكأ على ثقافة التحريفية السوفييتية وتنازع النظام علاقته بروسيا. وروسيا كدولة لا شك تعلم الفارق بين متحدث لبق في البعيد وبين من يواجه جنرالات الأطلسي، والاستعمار العثماني وإرهابيي 83 دولة بل أمة معادية غازية. وبالطبع تعرف موسكو ان الانتخابات الأصعب في التاريخ قد أعطت الرئيس السوري ثقة كبيرة.
وبمرور السنوات والأحداث، يتعمق مأزق جميع انواع المعارضات حتى الوطنية منها بمعنى أن قاعدة السلطة الحالية تتسع كلما اتسع الجرح واتسعت قاعدة أعداء سوريا. السلطة تتسع قاعدتها المحلية والمعارضة تتسع قاعدتها الخارجية. ولعل هذه التطورات هي التي وراء إصرار كثير منهم على تنحي الرئيس السوري كي لا يترشح ثانية وإصرارهم على تسلم سلطة مسبقا قبل اية انتخابات جديدة، سلطة تسمح لهم بتفكيك الجيش وتحويله إلى شرطة طبقا لتعلميات فورد. بل وراء كثير من اقوالهم بأنه:
• لا حوار دون تنحي الأسد
• وبأن ما حصل ضد سوريا لم يكن مخططاً من الثورة المضادة استغل الاعتراضات المطلبية واشعل البلد كي لا يقوم النظام باي إصلاح.
• ان تدمير البلد ليس بسبب مواقف سوريا في المقاومة والعروبة وليس لأن الثورة المضادة تهدف هدم البلد وليس الإصلاح، وإنما لأن النظام لم يلبي مطالب الحراك الذي بدأ عاديا ومطلبياً.

مع ظهور دلائل أولية على توجه ما لحل سياسي في سوريا، بدأت هذا المعارضات المتعارضة في تقليص تعارضاتها إلى درجة ان بعضها يقول اليوم، ليس المطروح موسكو واحد بل جنيف واحد ولا استثناء لأحد. أو ان روسيا لم تقدم اية مبادرة مبلورة…الخ.
عجيب!!! يبدو ان من لم يستطع مقارعة النظام قبل العدوان يتسلح اليوم بعدوان من نوع آخر ويذهب إلى نهج المعارضة العراقية قبل 2003 ويجهز نفسه لعبور سوريا على اليخوت، تماما كما هم بدو الشوايا في الحسكة يرسدون السلطة على البعارين! وها هو العراق، لم يعد عراقا، بل عرقيات وطوائفاً. بل ربما كان تصنيع داعش وهجمتها الموسعة مجرد تحويش النار لدفعها إلى دمشق لأن العراق لم يعد مزعجا سوى لشعبه.

ولكن ما معنى لا أحد مستثنىً؟ هل الجرحى في مستشقيات الأرض المحتلة سيجلسون مقابل قادة الجيش العربي السوري؟ هل سيشارك الشيشان والأفغان ومختلف عوام العالم؟ هل هم من شرفاء البلد؟ هل بسمة قضماني وزهران علوش، وحتى أبو بكر البغدادي من عظم الرقبة؟
أية معارضة التي تقول بأن القضية السورية غدت دولية وإقليمية ايضا ويجب ان تحل هكذا؟ بدل ان يكون الحوار سوري سوري. هل هذا استباق لمشروع يتمناه هؤلاء ولا ينطقون به، جوهره مثلا: ” اجتثاث البعث”! لأن شرطاً كهذا وحده يوصل هؤلاء إلى السلطة. ألا يبدو هذا التفكير الذي يعود لثلاث سوات كأنه يعود لثلاثة قرون قديمة؟ . لماذا الإصرار على تدويل الحل السوري؟ أليس السبب هو ان رصيد هؤلاء هو رصيد غير سوري؟ بل امريكي بنفقات نفطية ودعم عثماني.

ما هذا التكرًّم بالوطن تماما كاقتسام فلسطينيين الوطن مع العدو؟بل ما هذه الشروط التي تنم عن استقواء بالغير، حتى لو كان الغير روسيا، لو كان روسيا!
لافت في خطاب هذه المعارضات جميعا، من الإخوانية للوهابية للصهيونية إلى اليسارية، لم تمر كلمة قومي او عروبي على لسانها، وكأن المعركة هي مع العروبة. بل وكأن تدمير سوريا لا علاقة له بالعروبة التي تمثل وحدها وفقط وحدها الموقف العميق ضد الكيان الصهيوني. قد لا يكون بالعمق الذي نريد، ولكنه وحده في هذا الاشتباك.
هل هذا النوع من المعارضة على طريق طلاق إيران وحزب الله؟ طريف، معارضة علمانية ويسارية تقف موقفاَ طائفيا ضد المقاومة؟

فماذا تريد؟ تريد إما سوريا امريكية او خمسة “سوريات” مفتوحة الفخذين للصهيونية بقوادة نفطية بالطبع.
فهمنا جيدا وجود الفساد في النظام، ووجود فريق ثورة مضادة داخله. لكننا نعجز حقا وصدقا عن فهم كيف يمكن لمعارضة باسم الناصرية أن تضع النظام والإرهاب في كفة واحدة.
هل يريد هؤلاء شيئا غير أن يقولوا: وحدنا المؤهلين لحكم سوريا لأننا لن نُغضب الصهيونية ولا الغرب الراسمالي، ولن نكون عروبيين، ولن نكون من احباء روسيا، بل ربما من “أحباء صهيون” ومن مروجي إيديولوجيا السوق.
هل يسأل هؤلاء انفسهم: كيف يمكن الاستماع لزعيق حكام الحليج عن الديمقراطية في سوريا؟ بل إن مبادرة احد اقطابهم مؤخرا ميشيل كيلو تركز على دور الخليج في سوريا أكثر مما تركز على سوريا لنفسها! وماذا في حكام الخليج غير تلك الروح المتخلفة التي يتدفق منها الحقد على العروبة بما هي نفيهم لا شك؟
لم يعد يكفي الصراخ ضد ماضي النظام ولم يعد ينفع. وإذا كان ما سيحصل في سوريا
ذات يوم انتخابات وصناديق؟ وربما صناديق سوداء، فلماذا لا تركنوا إلى قواعدكم الشعبية، بغض النظر عن وجودها الشعبي او الخطابي او الورقي.

إن ما تهدف إليه معارضات كثيرة اليوم هو تصفية أي رصيد للنظام، من رفض النظام الاعتراف بالكيان إلى الحفاظ على الثقافة والتعبئة العروبية إلى تقويض التعليم والطبابة المجانية…الخ.
هل ستدفع السعودية وقطر ثمن الطبابة المجانية والتعليم وهي تحول الناس إلى قطعان؟ أم أنها ستدفع ثمن اللباس الأسود للسيدات السوريات؟
يبدو ان هناك سرعة فوق العادة للبحث عن حصة في اقتسام سوريا بعد العدوان، ويبدو أن الهدف ان لا تصل سوريا مرحلة الانتصار بل مرحلة التسوية ليجد هؤلاء لهم مكانا.
لعل اعجب ما يكذبون به حينما يمتدحون الجيش العربي السوري. فهم يحولونه إلى بقرة مقدسة ليسحبوا من النظام إنجازه لبناء هذا الجيش.

ليس اخطر من الخطاب الذي يمجد الشهداء، وتحدق عيونه بشكل زجاجي في الدم بينما عقله يفكر في الميراث. ولكن لا شك ايها السيدات والسادة، لن تكون سوريا أرملة زوربا.
أخيرا، مبكر الحديث عن أي اقتصاد لسوريا بعد النصر، لأن المنتصر لن يقبل بالاستغلال.