دلالات قانون برافر – د. فايز رشيد

د. فايز رشيد

د. فايز رشيد

أكثر من أربعين قرية عربية في النقب تعيش حياة بدائية, حتى رغم مضي ما يزيد عن الستة عقود ونصف على إنشاء دولة الكيان الصهيوني. إسرائيل لم تعترف بهذه القرى ورفضت تسجليها في سجلاتها. أهلها يفتقدون إلى الخدمات الطبية والصحية, وهم يعيشون فيها دون خدمات: ماء وكهرباء. لقد سبق للجنة إسرائيلية أُطلق عليها اسم”لجنة جولدبرج” وأن أوصت في عام 2008 بالاعتراف بهذه القرى قدر الإمكان. الكيان الصهيوني وبدلاً من الاعتراف بها اتخذ قراراً عكسياً بهدم هذه القرى, وترحيل أهاليها, ومصادرة أراضيهم, وإنشاء مستوطنات يهودية بدلاً منها.

لقد تقدم في العام 2011 وزير التخطيط الإسرائيلي ايهود برافر بمشروع قانون, بموجبه تتم مصادرة أراضي هذه القرى, وترحيل سكانها, ومصادرة أراضيها, وبناء مستوطنات يهودية في أماكنها. لقد أقرّ الكنيست في 24 يونيو الماضي القانون بقراءته الأولى, وخلال الأسابيع القليلة القادمة ستتم قراءاتاه الثانية والثالثة حتى يصبح قانوناً ساري المفعول، وبموجبه تجري مصادرة 800 ألف دونم من أراضي النقب, وتهجير 80 ألفاً من سكانها الفلسطينيين العرب, وهدم حوالي 40 قرية.لقد رصدت الحكومة الصهيونية ملياري دولار من أجل تنفيذ هذا المشروع, وإنشاء مستوطنات يهودية جديدة فيه، هذا المشروع يُثبت بما لا يقبل مجالاً للشك:

أولاً: ازدياد العدوانية الصهيونية, فإسرائيل التي صادرت 95% من أراضي الفلسطينيين في الجليل والوسط وأجزاءاً من النقب في بداية إنشائها امتداداً إلى الخمسينيات, هي ذات الدولة العدوانية وإنما بطريقة أكثر اتساعاً وشموليةً في القرن الزمني الجديد. تقوم بمصادرة ما تبقى من أراضٍ للفلسطينيين في النقب, الأمر الذي يدلل على أن المفاهيم العدوانية لهذه الدولة لن تتوقف فلطالما هي موجودة سيظل العدوان جزءاً أساسياً من وجودها.وأنه اذا ما انتهت من مصادرة الأراضي الفلسطينية بكاملها, فستقوم بالاعتداء ومصادرة وسرقة واحتلال أراضٍ عربية جديدة من دول الجوار, على طريق إنشاء دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات.مخطئ كل من يظن أن الدولة الصهيونية قد توقفت عن الحلم بهذا الهدف! إن التحولات في الشارع الإسرائيلي تسير باتجاه المزيد من التطرف والعدوان. استطلاعات رأي كثيرة تؤكد على أنه في العام 2025 سيكون 65% من الإسرائيليين(وهم معظم السكان اليهود)من المتطرفين المنتمين إلى الأحزاب اليمينية والدينية, بالتالي لنتصور أن الأشد تطرفاً من الصهاينة على رأس هذه الدولة و(الائتلاف الحكومي الحالي هو نموذج مصغّر لهذه الصورة)أحزاب مثل: إسرائيل بيتنا،شاس،اغودات هاتوراة،وغيرها،فكيف يمكن لهذه الأحزاب أن تتصرف؟!.

ثانياً: تنامي عنصرية الدولة الصهيونية. إسرائيل تعتبر نفسها”دولة ديموقراطية” وأنها: واحة لهذه الديموقراطية”وأنها تساوي بين سكانها من اليهود والعرب! العالم الغربي يردد ذات الأسطوانة!مصادرة أراضي النقب هي دليل يُضاف إلى الأدلة الدامغة على عنصرية إسرائيل وزيف ادعاءاتها”بالديموقراطية”, فلو كان اليهود من يسكنون هذه القرى لقامت بالاعتراف بها وتطويرها, لكن من يسكنها عرب،لذا تتم مصادرتها وتطويرها من أجل إحلال اليهود في أماكنها. هذا يعني أيضاً إمكانية لجوء إسرائيل مستقبلاً إلى إجراء ” ترانسفير” تهجير قسري لكافة الفلسطينيين العرب فيها، وعلى هذا الأساس تشترط الدولة الصهيونية على الفلسطينيين والعرب الاعتراف”بيهودية دولتها”مقابل إجراء التسويات مع الطرفين.ذلك حتى تجد المسوغات لإجراء مثل هذا الترانسفير.ما نقوله ليس مستحيلاً(مثلما يتصوره البعض) وما يجري حالياً لسكان النقب جرى بعد إنشاء دولة الكيان الصهيوني ,التي قامت بهدم 480 قرية عربية هجرّت سكانها بعد قتل العديدين منهم, وصادرت أراضيهم, وأنشأت بدلاً منها مستعمرات صهيونية.

لقد رفع الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده: في منطقة 48, في الأراضي المحتلة عام 1967, وفي الشتات شعاراً فحواه:”لن يمر برافر”وقامت جماهيرنا وما زالت تقوم باحتجاجات في المدن والقرى الفلسطينية المحتلة عام 1948 وفي الضفة الغربية, والشتات الأمر الذي يؤكد على ما يلي:

أولاً: وحدة معاناة الشعب الفلسطيني من العدوانية الصهيونية, فما تمارسه دولة الكيان في منطقة 48 تمارسه في الضفة الغربية, حيث تقوم بمصادرة الأراضي في القدس وكافة أنحاء الأراضي المحتلة, وتصادر مثلما صادرت ممتلكات اللاجئين في الشتات, باعتبارها املاكاً للغائبيين! لذا فإن الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده كلُّ واحد لا يتجزأ, فالشعب واحد, والأرض واحدة, هي أرض فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر.فلسطين ليست المناطق فقط التي جرى احتلالها عام 1967 ,إنها أيضاً تشمل منطقة 48. وهذا يؤكد على أن:العدوان الصهيوني واحد على أبناء شعبنا في مختلف أماكن تواجده.

ثانياً: وحدة التلاحم الفلسطيني ـ العربي. إسرائيل ليست خطراً على الفلسطينيين فحسب ,وإنما على الأمة العربية من المحيط إلى الخليج. لقد قامت إسرائيل بضم هضبة الجولان العربية السورية, وهي مارست العدوان على لبنان، واخترقت سيادة الدول العربية على أراضيها احتلال سيناء عام1967. إسقاط طائرتين مدنيتين: ليبية وعراقية. تدمير المشروع النووي العراقي. القيام بعمليات إرهابية في تونس, الإمارات العربية المتحدة, قصف منشات في سوريا والسودان وغيرهما وغيرهما.

ثالثاً: مجابهة إسرائيل ليست فقط مهمة على كواهل الفلسطينيين فحسب, وإنما على كواهل أبناء الأمة العربية, التي طالما اعتبرت وما تزال القضية الفلسطينية قضيتها المركزية.

رابعاً: استحالة قيام سلام مع هذا الكيان الغاصب،الحل يكمن في مجابهة هذا المشروع, بمقاومته وكسر عدوانيته ,ونهمه للأرض العربية الواحدة من المحيط إلى الخليج.

يبقى القول: إن الشعب الفلسطيني مصمم على كسر قانون برافر والذي لن يمر, لن يمر!..