دراسة منهجية لباحثين دوليين: سورية فتحت الباب أمام نظام عالمي جديد

توصلت دراسة منهجية معمقة أجرتها مجموعة من الباحثين الدوليين حول التغيرات التي تشهدها الخارطة السياسية الدولية وربطها بالأزمة في سورية وما تشهده المنطقة من أحداث ومتغيرات إلى أن هذا “الصراع سيؤدي إلى إنهاء النظام العالمي الجديد بأجندته وانعكاساته ويقضي بالنهاية على الأحادية القطبية”.

واعتبرت الدراسة التي حملت عنوان “سورية والانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب” وشارك في أعدادها كل من عالم الاجتماع والأستاذ الجامعي لوجون ميرخان والعالم السياسي جوزيه فرحات مدير العلاقات الدولية في معهد الثقافة العربية ومدير مجلة صوتك خالد فايز محاسن أن “التحول إلى نظام متعدد الاقطاب بدأ بالظهور منذ 12 شباط 2012 حيث شهد هذا اليوم تصويتا روسيا صينيا مشتركا بالفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع قرار أممي يجيز استخدام القوة العسكرية في سورية”.دراسة منهجية لباحثين دوليين سورية فتحت الباب أمام نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب

ورأت الدراسة أنه منذ تلك اللحظة “نشأت مرحلة العودة باتجاه نوع من التعددية القطبية لم يشهد العالم لها مثيلا في التاريخ المعاصر” ليشكل هذا الواقع علامة فارقة كون “العالم أحادي القطبية دام فقط لفترة 21 عاما” ولذلك يجب أن يفهم العدوان على سورية والمعاناة التي نتجت عنه في هذا السياق.

الدراسة حاولت الإجابة على سؤال حيوي ومهم “لماذا تريد الإمبريالية تدمير سورية” لتجد الجواب في عدة معطيات منها أولا أن “سورية تعتبر واحدة من أقدم بلدان العالم التي مازالت الحياة فيها مستمرة وهي البلد العلماني الحقيقي الوحيد في العالم العربي وفيه حكومة تعددية وتمثيل لأكثر من 22 حزبا وحركة داخل مجلس الشعب بينها الأحزاب الاشتراكية والشيوعية ويحكم معادلة الحكم فيها دستور مدني وافق عليه أكثر من 70 بالمئة من السوريين في استفتاء عام وكل هذه عوامل تجعل سورية تحديا حقيقيا أمام سعي الإمبريالية للسيطرة على المنطقة”.

واستعرضت الدراسة بانوراما تطور الأحداث في سورية وقرأت بين سطورها كيف كان بعض “السذج ينادون بضرورة التدخل العسكري بالادعاء بأن القيم الأخلاقية تفرض ذلك” وكيف أن البعض أعلن الطموح لتشكيل “إمارات إسلامية” الأمر الذي تطمح إليه ممالك الخليج.

واستخلصت الدراسة العبرة من كل ما يجري في سورية والمنطقة لتصل إلى محصلة جوهرية بأن “ما شهده العالم من تغير في موازين القوى ما هو إلا نتاج لانتصار الشعب السوري وحكومته وقيادته وجيشه” الذين صمدوا أمام العدوان الخارجي وأنه “ليس هناك أدنى شك بأن المعركة المحتدمة في سورية هي معركة من أجل نظام عالمي جديد وأنها المعركة التي سوف ينتقل العالم بعدها من أحادية القطب إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب” وبذلك ستهزم المحميات مثل قطر والسعودية والأردن وتركيا أردوغان بخلافته المنشودة والاخوان المسلمين في مصر الذين أسقطت شرعيتهم من قبل الشعب المصري وفي السياق ذاته سوف تزيد عزلة إسرائيل الصهيونية التي مازالت ترتكب المجازر بحق الشعب الفلسطيني منذ 65 عاما.

وأشار الباحثون في دراستهم إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية “تتبع سياسة متناقضة باصطفافها إلى جانب القاعدة في سورية ممثلة بما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وهي بذلك تتحالف مع من يعتبرها عدوا له وهو الوحيد الذي استطاع أن يضربها في عقر دارها”.

واستندت الدراسة إلى القانون الدولي لتقول إن “التدخل في سورية إن كان بشكل مباشر أو غير مباشر هو أمر غير مشروع ويخالف ميثاق الأمم المتحدة بما أن مجلس الأمن هو المنظمة العالمية المخولة باستخدام هذا النوع من القوة في الحالات التي تستدعي ذلك بكل وضوح” لتصل إلى نتيجة بأن السعي للتدخل في سورية “مرتبط بشكل وثيق بالمصالح الجيوسياسية الكبرى وهي بدورها ترتبط بمنطقة بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل الطاقة في العالم” معتبرة أن ذنب سورية الوحيد أنها “تقع في نقطة استراتيجية حساسة تقف في طريق المصالح الصهيوأمريكية في الشرق الأوسط”.

ولفت الباحثون إلى أنه “لا يمكن إلغاء حقيقة واضحة مفادها بأن سورية هي البلد العربي الوحيد الذي بقي ثابتا على مواقفه بالرفض لأي تسوية مع إسرائيل حتى استرجاع حقه الكامل بالجولان السوري المحتل وذلك بموجب القانون الدولي”.

وأشار الباحثون إلى أن ما يقض مضاجع تجار النفط والغاز من العرب وتتذرع به قوى الهيمنة فيما يخص سورية هو “ولاء دمشق للقضايا القومية العربية ودعمها لحركات المقاومة في المنطقة” التي تشكل محورا مقاوما قويا أمام مصالح الغرب المريبة في المنطقة مشيرين إلى الانتصارات التي حققها هذا المحور في المنطقة.

واستشهد الباحثون بتصريحات الصحفي التركي سميح ايديز من صحيفة حرييت التركية بأن الحرب في سورية “ليست من أجل الديمقراطية لأن سورية تستمر كبلد ذي طابع علماني وإذا سقطت بقبضة “الجهاديين” فسوف يخططون لحكمها على أساس “الشريعة” وهم يسعون بأي شكل من الأشكال إلى تأسيس “دولة إسلامية” حليفة للإمبريالية ولهذه الغاية فهم يضطهدون المسيحيين ويدمرون كنائسهم ويهدمون الجوامع” مشيرا إلى أن غالبية مكونات المجتمع السوري تخالف الأفكار المتطرفة.

وأكدت الدراسة أنه بات واضحا بأن الإمبريالية بدأت بفقدان “تأثيرها في العالم العربي ولكنها مازالت مستمرة بتحالفها مع الملكيات النفطية في الخليج والقوى الرجعية واليمين المتطرف” حيث لا يوجد في هذه الدول أي شكل من أشكال الديمقراطية التي يطالبون سورية بها ويدعمون بشكل صريح وعلني المرتزقة الأجانب والإرهابيين الذين يأتون إلى سورية من 80 بلدا بالإضافة إلى إطلاقهم لسراح الإرهابيين في بلدانهم وإرسالهم للقتال في سورية حيث تدعم وسائل الإعلام الخاصة بهم وبشكل علني الجرائم الإرهابية التي يرتكبها الإرهابيون.

ودعت الدراسة الصحافة إلى إعطاء ما تبثه شبكات التلفزة المستقلة اعتباره في هذه الفوضى الإعلامية إذ إن هذه الشبكات اشتغلت على إظهار حقيقة الإرهابيين المرتزقة الذين بدأت حقيقتهم تتكشف شيئا فشيئا من خلال اشرطة الفيديو التي يبثها الهواة ومنابر الصحافة العربية المتزنة لافتين إلى أن الصورة بدأت تتوضح بالنسبة للعالم الغربي بأن هذه الحرب المستعرة في سورية لا تمت بصلة إلى موضوع “إحلال الديمقراطية في هذا البلد العربي”.

ولفت الباحثون في دراستهم إلى أن مجموعة من القوى الناشئة بدأت بمحاولة إسماع صوتها وهذه حال مجموعة بريكس خاصة مع الصين وروسيا من جهة آسيا والبرازيل في أمريكا الجنوبية ومنظمة شنغهاي للتعاون.

وتشير الدراسة إلى أنه بعد سلسلة من الانهيارات والفوضى التي عمت بعض الدول العربية تحت عنوان ما يسمى “الربيع العربي” لم يبق سوى سورية فبدأت الهجمة عليها للقضاء على أي شكل من أشكال السيادة والاستقلال حيث شرعت المملكات النفطية أراضيها للقواعد العسكرية الأمريكية والإنكليزية والفرنسية وكل ذلك خدمة للمصالح الإمبريالية.

وشدد الباحثون على أن “من يقاتل في سورية عمليا هم ليسوا سوريين بل مرتزقة مأجورون قد دفعت أموال طائلة ثمنا لهم بتمويل مباشر من مملكات الخليج” مشيرين إلى أن ما يسمى “بالائتلاف المعارض” ليس سوى واجهة سياسية أنشأها أعداء سورية وأن ما يسمى بـ “الجيش الحر” عبارة عن عصابات ومرتزقة قادمين من مختلف أنحاء العالم.

وأكدت الدراسة أن الهزيمة الجديدة التي تلقتها الولايات المتحدة على يد الدبلوماسية الروسية بدأت بالظهور وبشكل متزايد على المسرح السياسي العالمي حيث عادت روسيا لشغل مساحة كبيرة على مستوى الشرق الأوسط عندما أفشلت خطط واشنطن للاعتداء على سورية بذريعة استخدام الأسلحة الكيميائية.

وختم الباحثون دراستهم بالإشارة إلى أن “ملامح شرق أوسط جديد بدأت ترتسم على ساحة المسرح العالمي” وقد بدا الرئيس الأمريكي باراك أوباما يتعلم من الأخطاء التي ارتكبها ويبدو أنه قد بدا بفهم بأن حلفاءه في الحرب على سورية هم ذاتهم الذين تدعي إدارته محاربتهم في شتى أصقاع الأرض وخاصة تنظيم القاعدة الإرهابي.