داعش: (خلافة) التكفير والإرهاب – عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح إدريس

لسنا هنا في وارد الغوص في أطروحات التأويل الاجتهادي المنحرف للمجموعات «الجهادية » القاعدية التي نظرت للنصوص والآثار الدينية الإسلامية الفقهية من منطق خاص، فيه الكثير من التطرف والكراهية والحقد.. ولسنا هنا في باب ملاحقة مكنونات التكفير وإنتاجات هذا الفكر الذي ذهب بالدين الإسلامي والعقائدي والبنى الإيمانية للإسلام إلى مذاهب ورؤى غريبة وصارمة.. قد تكون مثل هذه المحاكمة الفكرية هي من اختصاص رجال الفقه والدين الإسلامي والمفكرين والعلماء الذين يقع على عاتقهم صيانة الدين من الشوائب والتخريب والتطرف.. فلهم وحدهم مسؤولية كبرى في هداية الناس وحفظ تقائهم الإيماني، وأمور دينهم وتفقههم بشكل علمي سليم. يكون العقل والفكر والوسطية أساسه ومنهجيته القويمة. في مواجهة محيط تكفيري صنعه الداعشيون والفرق والتفريخات القاعدية بكافة تفريعاتها وأدواتها الذين استعاروا من التراث الأسماء والمسميات، وغيبوا الرؤية السديدة والتعاليم السماوية السمحة التي أرادها الله موعظة وسلاما وقيما عظيمة ترفع من سوية الإنسان وتحقق وجوده الفاضل على الأرض المستمد من قيم السماء وتأمين سعادته على الأرض التي حرصت الشرائع السماوية على تأكيدها وإنارتها في قلوب الناس والبشر أجمعين..

إذا نحن لسنا في صدد كل ذلك ولن تتناول موضوعنا هذا من هذه الزاوية في المحاكمة والتسديد!! لا ولكننا سوف نتعرض في هذا العام إلى آثار هذا الفكر وممارساته على أرض الواقع التي تحدد عمليا اتجاهات الفكر التكفيري وممارساته الخطرة على المجتمع وعلى العقيدة في آن معا.ً ابتداء من الممارسات التي شهدناها على الأرض والتي ظهرت وتفاقمت أولا في أفغانستان بتحالف واضح وتوظيف مؤكد. فالتحالف كان قائما مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية، والتشجيع والتمويل كان صارخا من المؤسسة الوهابية الحاكمة في السعودية. والجمعيات المدنية السعودية التي لم تبخل بتقديم الدعم من صناديق الزكاة وأموال الجمعيات الخيرية. لقد وظُفّت القاعدة في أفغانستان كأداة لمحاربة السوفييت والنظام الشيوعي في أفغانستان بحجة الخطر الذي يمثله الشيوعيون على الإسلام!! هكذا بين التحالف والتثقيف الجهادي في ذلك الوقت.

لقد ذهب الاتحاد السوفيتي وسقطت الشيوعية في أفغانستان، ولكن النهج القاعدي الذي صنعه بن لادن الوهابي السعودي.. قد تفرخ وانقلب على مؤسسيه وحلفائه الأصليين. ومنذ ذلك اليوم اشتدت وطأة الفكر التكفيري وممارساته وانتشر شرقا وغربا ثم توطن في العراق مستغلا الظروف التي صنعها الاحتلال الأمريكي. بعد تدمير الدولة ومكوناتها الإدارية والحضارية والبنيوية والمؤسساتية. ثم انتعشت بعد ذلك السياسات الغربية المساندة للكيان الصهيوني والعاملة لتدمير وإضعاف الدول المقاومة للعدوان الصهيوني، والمقاومة لمشاريع الفوضى الخلاقة؛ انتعشت من جديد على هشيم ما سمي بالثورات العربية! وتبلور التنسيق والتفاعل مع المخططات الاستعمارية لتدمير الدولة واصطناع الفتنة والصراع الدامي. وأعادت توظيف القاعدة ومسمياتها الجديدة وحلفاءها من الإخوان المسلمين والفئات والمجموعات الدينية المتطرفة في خدمة أغراضها السياسية؛ في تونس وليبيا ومصر.. وكانت قمة التحالف والتوظيف الفكري والوهابي في سورية.. لقد ظن الأمريكيون وحلفاؤهم الأوروبيون، وأدواتهم في الخليج والسعودية بشكل خاص. أن دعم القاعدة والفصائل الإسلامية المتطرفة سوف تظل ضمن الحكم!! وكانت النتيجة الحتمية هي في مدى استهدافاتها ومشاريعها الشيطانية فاللعب مع الأفعى لا يمكن أن يضمن النجاة من سمها القاتل!!! لقد أصبحت داعش اليوم التي استفادت من المحيط الجيوسياسي المعادي لسورية والذي سهلّ عبور المسلحين والإرهابيين إليها بما فيها مجموعات القاعدة وتنظيماتها المختلفة.. مع إسناد معنوي ومادي كامل.. لقد كان هذا العبور والتوطن المتسارع بغطاء كامل من عمال الاستخبارات الغربية وأدواتهم المحلية والعابرة للحدود بمسميات وشعارات مزورة باسم «المعارضة ».. وقد استعارت مطالب الإصلاح والحرية لتمكين وجودها وحضورها المتنامي!! وفي النهاية فقد أعلنت عن وجودها بشكل صريح وواضح عندما أطلقت على نشاطاتها اسمها المختصر داعش الذي يشمل كيانا إسلاميا من العراق والشام ممتدا للأردن والكويت وجزءا من السعودية. لكون خطر الاستهداف عاما وشاملا يقوم على القتل وسفك الدماء وتغييب ومحاكمة كل من يختلف معهم.. وبالتالي فإن المصير المحتوم ضمن هذا الاختلاف هو الموت ذبحا ونحرا!ً!

لقد ظل التراخي الغربي والإقليمي المتعامل مع مجموعات القاعدة المسلحة التي عبثت داخل وأطراف المدن السورية قائما ومستمرا!ً لأن الهدف الواضح كان التوظيف لتدمير الدولة السورية، وتفكيك المجتمع وإثارة الفتنة لإسقاط النظام! وإسقاط الرئيس بشار الأسد الذي يمثل رمزا للدولة ووحدة الشعب، ومن ثم إضعاف سورية وتفكيك جيشها وفي الحسابات الغربية يكون المستفيد الأكبر هو (إسرائيل) والصهيونية العالمية ومشروعها الطائفي في المنطقة.. وظل العمل ضمن هذا الإطار التدميري يتخذ من غطاء ما سمي بالمعارضة السورية، وما سمي مطالب الشعب السوري بالحرية والديمقراطية والعدالة مادة إعلامية مضللة إلى أن انكشف الأمر أخيرا.ً وظهرت الأخطار الكامنة من هذا التنظيم الداعشي الذي لن يوفر أحدا من الجوار، ولن تكون الدول الداعمة بنأي عن آثاره المدمرة.. ومع ذلك ورغم الصدمة التي لم تكن مفاجأة في الهجوم المباغت لداعش في العراق والذي تمتد فعالياته انطلاقا من الشريط الحدودي من الرقة إلى أواسط العراق وشماله؛ فإن ازدواجية المعايير مازالت قائمة بالنسبة للبعض.. فهم إرهابيون وقتلة في العراق يجب مكافحتهم. وفي سورية شيئا آخر وتقييم آخر. رغم الأخطار التي بدت اليوم ظاهرة للعيان.

اليوم تعلن داعش بعد استيلائها على مدينة الموصل ومدن عراقية أخرى تغيير اسمها لتصبح (خلافة إسلامية) ومبايعة عبد الله البغدادي خليفة على المسلمين. دولة عابرة للحدود تنتشر أقاليمها من سورية إلى العراق والأردن والكويت وجزء من السعودية.. خلافة غير منضوية في أجندتها وحدودها واستهدافاتها الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.. كيف يكون ذلك؟ فالأمر واضح فإشغال هذه الخلافة تبدو متهاونة مع هذا الكيان المغتصب إن لم تكن شريكة له بالعدوان والطائفية.. والاستهداف الفتنوي المذهبي!! (فالخلافة) هذه التي يريدونها صورة متخلفة إلى قرون سالفة وفق رؤية فكرية رجعية خاصة تريد إعادة الزمن إلى مكان سحيق من التاريخ الإنساني.. هي من حيث المبدأ تريد العمل ضمن بقعة جغرافية على أنقاض الدولة العلمانية ومكوناتها الحضارية والحداثية، فهي ضد الدولة العصرية وضد الحداثة في آن معا.ً وكما قلنا فليس الكيان الصهيوني مستهدفا ضمن أجنداتها المعلنة!! وفكر هذه المجموعات المنظمة المسلحة يقوم على الإرهاب وممارسة القتل وسفك الدماء، بأساليب لا إنسانية! وهو فكر رجعي لا يؤمن بمنجزات العلم ولغة العصر.. له رؤيته المنغلقة على رؤية متخلفة ذاتية تأويلية لبعض النصوص القرآنية لخدمة الأهداف الاستبدادية. ومن الواضح من خلال الممارسات الإجرامية فإن الفكر القاعدي الداعشي فكر إقصائي رافضي لايؤمن بالآخر، ويعتبر المخالفة في الرأي وعدم الاعتراف بالتنظيم كفر وخروج عن الجماعة والحكم الشرعي في رأيهم فإن القصاص هو التصفية الجسدية! فالداعشيون القاعديون لا يعترفون بحريةّ الرأي والتعبير، ولا يولون أهمية لحقوق الإنسان. وليس للمرأة مكانة محترمة في هذا التنظيم باستثناء ما يقدمه جسدها من متعة للرجال (والمجاهدين)!!

فالداعشيون هم من اشتقاقات القاعدة الأم وأمرائها، ووفق لتناحر قياداتها!! كما حدث بين البغدادي والسوري!!، وهم من تنظيمهم الظلامي يعملون على هدم القيم وتفتيت النسيج المجتمعي، وإلغاء العقل والتفكير الحر، واستغلال الفئات الجاهلة واستخدامهم أدوات انتحارية تدميرية. وهم يصادرون الدين الإسلامي لأهداف سياسية وفق أهوائهم ومصالحهم وتوجهاتهم الخاصة! والديمقراطية والحرية وصناديق الاقتراع والاختيار الحر بدع يجب مكافحتها. والخلافة تقوم على المبايعة، ومن يخرج عن الطاعة مصيره القتل والتغييب!!وهو في النهاية فكر مذهبي طائفي تصادمي دموي.. فيه تفتيت للمجتمعات والمعتقدات، وإشعال للفتنة والانقسام.

لا نستطيع اليوم إغفال الجذر الفكري الوهابي لهذا التنظيم القاعدي الذي أسسه بن لادن الذي تتلمذ وتثقف في رحاب الوهابية الفكرية السعودية، ولا يمكن غض النظر عن التحالف والتوظيف السياسي لهذا التنظيم وتوجيهه ودعمه من قبل المخابرات الغربية في مراحل مهمة!! وخاصة الدعم والغطاء الذي قدمّ له في سورية. ولا يستطيع أحد إنكار هذا التحالف والجهد المشترك لتدمير البنى التحتية وإراقة الدماء الغزيرة في سورية. رغم أن هذا التنظيم انقلب في السابق على أولياء نعمته كما يقولون وهم ينقلبون اليوم مرة أخرى. فلا يقف أمام هؤلاء عهد ولا اتفاق ولا تحالف. ففي نهاية الأمر فخطورتهم وأفعالهم المدمرة ترتد في النهاية وتستهدف الجميع.. وهكذا (فخلافتهم) الراشدة لن تكون راشدة على الإطلاق. فهي عامل خطر وتهديد للمجتمعات والدول بمفهومها الحداثي العصري العام. ووسيلة لتهديد الأمن والاستقرار والسلم في العالم أجمع. وهي تنقل الإرهاب من بلد إلى آخر حيث تتمكن في الأرض.

هذه هي داعش وهكذا ستكون (خلافتها) الظلامية. ولكن الأمر الصادم في التطورات الأخيرة في العراق أن هناك من بعض التنظيمات السياسية المحسوبة على العلمانية تتحالف مع داعش، منتقمة من سياسة التهميش والاجتثاث والاستبعاد التي مارستها السلطات العراقية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. فإذا كانت ممارسات التهميش والاجتثاث غير معقولة على الإطلاق ضمن شراكة وطنية مطلوبة تضع الجميع على سوية واحدة، فإن التحالف مع تنظيم داعش الظلامي يمثل مصيبة كبرى، سوف تحرق الأصابع المؤيدة الممتدة إليها.. فالإرهاب والتكفير ليس له دائرة أمان على الإطلاق. فليس مفهوما بتاتا سعي جماعة عزت الدوري على سبيل المثال إقامة تحالف أو حتى مجردّ تأييد مرحلي لهذه القوى الظلامية الإرهابية والتي ستنقلب عليهم آجلاً أو عاجلاً في وقت قريب جدا،ً خاصة وأن التناقض قائم في الفكر والأهداف!!.

الآن وقد أصبح خطر الفكر التكفيري الإرهابي وممارساته التدميرية على الأرض أمرا قائما وتهديدا جاثما،ً وبات خطره يشمل الجميع في الإقليم وخارج الإقليم على الصعيد الدولي، فإن أمر مكافحته بات أمرا ملحا ومنوطا بجهد جماعي، ورغم كل ما حدث خاصة خلال الحرب العالمية على سورية فإنه لابد من تعاون إقليمي رغم كل الجراح يشمل بما يشمل منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والروحية ومؤسسات الدولة لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة واجتثاثها من الجذور، وإغلاق البيئات الخاصة لها إغلاقا تاما.ً