حول جديد علاقة السعودية بـ”الإخوان” – علي جرادات

علي جرادات

علي جرادات

قرار النظام السعودي وضع جماعة “الإخوان المسلمين” على لائحة “التنظيمات الإرهابية” حدث سياسي نوعي ينطوي على تداعيات وتأثيرات بعيدة المدى تجعل ما بعده غير ما قبله في علاقة الطرفين بما لكل منهما من نفوذ وتحالفات عربية وإقليمية ودولية. لماذا؟ نحن أمام انقلاب حاد وكامل في موقف أكبر وأقدم وأغنى “أنظمة الإسلام السياسي” العائلية العربية تجاه أكبر وأقدم “تنظيمات الإسلام الحزبي” في الوطن العربي. بل نحن أمام بداية صراع غير مسبوق بين طرفين طالما استفادا من بعضهما البعض بالمعنى الشامل للكلمة في مواجهتهما المشتركة لمدة قرنٍ مع الأنظمة والمعارضات السياسية العربية الوطنية والقومية واليسارية. فالنظام الوهابي السعودي هو من احتضن جماعة “الإخوان” بعد أن طرد “أشراف الهاشميين” وتولى الحكم عام 1928، بل هو من منع- أساساً- تآكل الجماعة وأمدها بكل سبل الاستمرار والقوة في كل محطات تعرضها لضربات مميتة في دول عربية مركزية أخرى.

ويكفي الإشارة إلى أن السعودية كانت الدولة التي لجأت الجماعة إليها سواء في فترة صدامها الدموي مع النظام القومي الناصري المصري في خمسينيات وستينيات القرن الماضي أو في فترة صدامها الأشد دموية مع النظام القومي البعثي السوري في نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي أو في فترة إعادة الجماعة إلى المشهد السياسي والمجتمعي المصري بوساطة من النظام السعودي لدى نظام السادات الذي انقلب على الانجازات والمكتسبات الوطنية والقومية والاجتماعية لثورة 23 يوليو 1952 الناصرية.

لذلك فإن من الطبيعي والمنطقي القول إن موقف النظام السعودي الجديد من جماعة “الإخوان المسلمين” يشكل أحد أشد الضربات التي تلقتها الجماعة منذ تأسيسها قبل ثمانين عاماً. بل هي ضربة قاتلة ستحدد إلى درجة كبيرة دور ومكانة ومستقبل ومصير الجماعة وفروع تنظيمها عربياً وإقليمياً ودولياً، خاصة وأن الاستدارة السياسية الكاملة في موقف النظام السعودي من الجماعة تأتي متزامنة ومترابطة مع ما تواجهه الجماعة من تداعيات وتبعات زلزال إطاحة سلطتها وتصنيفها “منظمة إرهابية” في مصر الدولة العربية المركزية بلا منازع، ومع ما تواجهه داخل سورية من حرب ضروس حيث يضعها النظام السوري منذ زمن على لائحة “التنظيمات الإرهابية”. ما يعني أن الجماعة صارت في عداد “التنظيمات الإرهابية” في كل من مصر وسورية والسعودية أي في مراكز القوة العربية الثلاثة الأساسية التي تشكل مواقفها بوصلة لمواقف الأعم الأغلب من الدول العربية. وهذا واضح في مواقف كل من دولة الإمارات العربية والبحرين والأردن وموريتانيا والجزائر بينما لا نظن أن دولاً مثل إمارة الكويت وسلطنة عمان ولبنان ستتبنى موقفاً مغايراً لموقف السعودية رغم ما تبديه من موقف محايد حتى الآن. هذا بينما لن يكون الموقف الرسمي لكل من اليمن والمغرب وليبيا وتونس منحازاً للجماعة رغم مشاركة فروعها في الائتلافات الحاكمة فيها. أما السودان وقطر الدولتان العربيتان الداعمتان بقوة للجماعة فستكونان في حالة تغريد خارج السرب الرسمي العربي. يشي بذلك قرار كل من السعودية ودولة الإمارات العربية والبحرين سحب سفراءها من دولة قطر بينما يشكل تبنيها للجماعة واحداً من أسباب هذا القرار-الحدث- غير المسبوق. هذا ناهيك عن أن القرار السعودي قد جاء في ظل ما تعانيه الجماعة من عزلة سياسية وشعبية ومجتمعية عربية آخذة في الاتساع منذ إطاحة سلطتها في مصر على يد الموجة الثانية لثورة 25 يناير بسبب فقر سياستها الاجتماعية وتغليبها للأيديولوجي على الوطني والقومي، بل أيضاً بسبب تزايد دوائر القناعة بأن الجماعة ركبت موجة الانتفاضات الشعبية العربية للتفرد بالسلطة، وبأنها لم تتورع عن الاتكاء على التدخلات الغربية والأميركية خصوصاً الهادفة لاحتواء هذه الانتفاضات وتقزيم مطالبها وحرف بوصلتها عن أهدافها الحقيقية. ما يعني أن الجماعة بفروعها كافة صارت في مواجهة شاملة مع أغلب وأقوى الأنظمة الرسمية العربية بينما تشهد شعبيتها وعلاقتها ببقية ألوان المعارضات السياسية العربية حالة تراجع غير مسبوقة. هذا دون أن ننسى أن ما حظيت به الجماعة من تأييد شعبي وتعاطف سياسي من بقية المعارضات العربية كان الجدار الأهم الذي اتكأت عليه في مواجهة عمليات القمع الأمني الذي تعرضت له على يد هذا النظام الرسمي العربي أو ذاك في مراحل سابقة. أما لماذا يتهدم هذا الجدار بتسارع وبصورة غير مسبوقة؟

هنا ثمة نتيجة طبيعية يفسرها مأثور القول: “على نفسها جنت براقش”. فجماعة “الإخوان المسلمين” قبلت منذ تأسيسها أن تكون مجرد برغي في ماكينة أنظمة الرجعية العربية وخصوصاً الأنظمة الخليجية التي لن يفيد الجماعة اللعب على حبال تفجر تناقضاتها الداخلية وتحديداً على انفجار التناقض السعودي القطري. وهو التناقض الذي يبقى محكوماً بحرص جميع هذه الأنظمة على عدم تحويل الصراع داخلها إلى صراع بين السلطة والشعب بل الحفاظ عليه كصراع بين نسل العائلات الحاكمة التي يجمعها نظام حكم وراثي عائلي ونمط ثقافي تقليدي يربط بين الدين والقبيلة ونظام اقتصادي ريعي حيث تعيش كلها على الريع النفطي باستثناء البحرين التي تعيش على تأجير البلد للأسطول الخامس الأميركي والتحول إلى مركز للتبادل المالي. هذا ناهيك عما يجمعها من تبعية للسياسة الأميركية ودوران في فلكلها واطمئنان لحماية أساطيلها المتواجدة على أراضيها. ما يعني أن الاختلاف بينها لا يتعدى التباين في المساحة وعدد السكان حيث تشكل السعودية بمساحتها الواسعة وعدد سكانها الكبير، (نحو 30 مليوناً)، المركز الذي تدور حوله بقية مشيخات وإمارات وسلطنات وممالك الخليج بوصفه الحكم الملكي العائلي الوراثي القديم والعريق القائم منذ العام 1928، ذلك لأن السعودية لم تخضع للاستعمار المباشر، بينما تشكلت بقية “دول” الخليج العربي كـ”محميات” لدول الاستعمار الغربي الذي انتهى شكلياً في سبعينيات القرن الماضي.

إن إدراك أمراء قطر وقيادة جماعة “الإخوان المسلمين” لمركزية دور السعودية هو ما يفسِّر هدوء ردودهما على قرار سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من الدوحة، وعلى تصنيف الجماعة ضمن “التنظيمات الإهاربية”. فكلاهما يدرك مغزى اصطفاف الإمارات والبحرين إلى جانب السعودية، ويدركان أيضاً أن الكويت لا يمكن أن تتجاوز الدور السعودي ذلك أن وضعها الداخلي والسلفية الضاغطة يشغلانها، عدا ما في عنق أمرائها من دين للسعودية التي أعاد ملكها الأول عبد العزيز بن سعود في زمانه أمراء عائلة الصباح الكويتية إلى الحكم، بينما كان للسعودية الدور الأساس في إعادتهم للحكم بعد اجتياح الجيش العراقي للكويت عام 1990. هذا ناهيك عن أن أمراء قطر وقيادة جماعة “الإخوان المسلمين” يدركان أن إمارة دبي التي تحولت إلى مركز للتجارة العالمية في الشرق الأوسط غير مقتنعة بسياسة قطر واحتضانها لـ”الإخوان”.

خلاصة القول: قيادة جماعة “الإخوان المسلمين” لن تذهب إلى التصعيد مع السعودية وستسعى إلى احتواء الأزمة ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. فهي تعلم أن اختلاف تعامل قطر والسعودية معها يبقى في حدود توظيف الجماعة في إطار الحفاظ على نظام الحكم القائم فيهما، حتى وإن اختلف الشكل. ففي حين تريد العائلة المالكة في السعودية أن تنتدب شيخاً لطريقتها السلفية تريد العائلة الحاكمة في قطر أن تستخدم أحد جماعات “الإسلام الحزبي” الجاهزة من على قاعدة ” اشترِ العبد ولا تربيه”. وكل حديث خارج هذا السياق إنما يتغاضى بوعي أو بجهالة عن أن كل دول الخليج لغز على المستوى الداخلي. فهي ليست مجتمع مدني وأحزاب حتى تتعرف عليها عبر إخضاعها لأدوات تحليل المجتمعات الحديثة، بل هي عائلات حاكمة تتحكم في توزيع الثروات وفق رغباتها بما يجعل التوزيع أعطيات والشعوب رعايا والحلفاء- خارج السيد الأميركي- عبيداً. لكن تظهير وتصعيد السعودية وحلفائها الخليجيين لصراعها مع قطر وحليفتها جماعة “الإخوان المسلمين” يشي باقتراب ألسنة لهب الانتفاضات الشعبية العربية من منطقة الخليج. فهل في هذا التصعيد غير المسبوق في الصراع بين السعودية وقطر ما ينبئ بانطوائه على إمكانية فتح صراع بين الشعوب العربية الخليجية وأنظمة حكمها العتيقة؟