حماس.. وشهادة الرئيس الأسد – راسم عبيدات

راسم عبيداتواضح جدا من الحديث المطول للرئيس السوري بشار الأسد، والذي جاء في لقاء على هامش إنعقاد المؤتمر الثالث للجاليات العربية في دمشق بداية الشهر الحالي، حول دور مشعل وحماس في الأزمة السورية، بأن سوريا كانت وستبقى قلعة من قلاع القومية العربية والحضن الدافء لكل المناضلين والمقاومين العرب، ويكفينا فخراً نحن الفلسطينيين بأن سوريا هي من إحتضنت القسم الأكبر من لاجئي شعبنا الفلسطيني، ومنحتهم العيش بكرامة وبحرية، ولم تفرض عليهم القيود في الحركة والعمل، ولم تغلق في وجوهم حدود ولا أنفاق،بل كانوا يتصرفون كأنهم في بلدهم ودولتهم،وكذلك هي مقاومتنا بمختلف تلاوينها السياسية والفكرية والحزبية، ولم يجري التعامل معهم كما هو الحال في البلدان العربية الأخرى المجاورة بالمراقبة وتقييد حرية الحركة والتنقل والعمل الوظيفي والسياسي والإعلامي، وقضايا الأمن الداخلي، وهذا لا ينفي بأن هناك خلافات قد حدثت ما بين فصائل المقاومة والقيادة السورية، وصلت حد الصدام كما حصل على الساحة اللبنانية وفي احداث مخيم تل الزعتر، ولكن لم تصل الأمور حد القطيعة، كما عبر عن ذلك الرئيس بشار الأسد.

وقد تعاملت القيادة السورية مع الفصائل الفلسطينية، كحركات مقاومة يجب ان يكون همها الأول القضية الفلسطينية وتحرير الوطن، وقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً لقاء ذلك،وعلى تلك الخلفية والمواقف جرى تصنيفها من قبل أمريكا كواحدة من دول ما يسمى بمحور “الشر” الى جانب ايران وكوريا الشمالية، وجرى اتهامها بجريمة قتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وكذلك دعم ومساندة “الإرهاب” حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية (حزب الله والمقاومة الفلسطينية)، وتعرضت سوريا لحملات تهديد ووعيد وكذلك(ترهيب وترغيب)، وفرضت عليها الكثير من العقوبات السياسية والاقتصادية والتجارية والمالية، على خلفية عدم خضوعها وثباتها على مبادئها ومواقفها، وكانت حماس واحدة من أبرز العناوين التي بسببها عوقبت سوريا،ففي الوقت الذي جرى فيه طرد حماس من الأردن عام 1999،جرى استقبالها في الشام، رغم معرفة القيادة السورية،بأن حركة حماس هي جزء من حركة الإخوان المسلمين، وهذه الحركة ممثلة بإخوان سوريا، كان بينهم وبين القيادة السورية، صراع دموي ولكن كون حماس حركة مقاومة فلسطينية إستقبلتها دمشق وفتحت لها ذراعيها، وليس هذا فقط بل عندما ضاقت الأرض بما رحبت على حماس بعد فوزها في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية في كانون ثاني /2006،لم تجد غير سوريا تستقبلها وتوفر لها كل أشكال الدعم والمساندة، حرية الحركة والتنقل والعمل السياسي والإعلامي والدعم العسكري وغيره، وكان مشعل يتصرف في سوريا كرئيس دولة في وقت رفض فيه المحور الذي تتماثل معه حماس (قطر- تركيا والإخوان المسلمين) إستقبال حماس وإحتضانها او تقديم أي شكل من أشكال الدعم لها خوفاً من أمريكا وعقوباتها وغضبها.

حماس كحركة مقاومة كان من المفترض كما قال الرئيس السوري الأسد، ان لا تتدخل في الشأن السوري، وأضعف الإيمان أن لا تنتصر لطرف ضد آخر لأن ذلك من شأنه ان يجعلها جزء من الصراع الداخلي السوري، والنظام السوري لم يطلب من حماس او من أي فصيل فلسطيني ان يصطف ويقف لجانب النظام او ان يدفع ثمن بقاءه ووجوده وحرية عمله وحركته على الأرض السورية، فسوريا اعتبرت ذلك واجباً قومياً تجاه أقدس قضية عربية، وحماس كجزء من الواجب ورد شيء من الجميل السوري كان يفترض منها ليس فقط الوقوف على الحياد كما طلب منها النظام السوري، بل أن تعمل على فضح وتعرية المؤامرة الأمريكية- الصهيونية – التركية والخليجية (قطر والسعودية) على وجه التخصيص ضد سوريا، وأن تمارس دورها وتأثيرها على حركة الإخوان في سوريا لثنيهم عن المشاركة في الأحداث والصراع ضد النظام السوري، ولكن بدلاً من ذلك وجدنا حماس ب”براغميتها” ومواقفها النفعية والمصلحية وتماثلها مع حركة الإخوان المسلمين فكرياً وسياسياً لم تراع ولم تصن ليس المعروف فقط، بل وحتى حساسية وخصوصية الحالة الفلسطينية،حيث إنقلبت في مواقفها (360) درجة، وغيرت شبكة علاقاتها وتحالفاتها،متوهمة بأن ما قاله لها وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم بأن النظام السوري في طريقه للسقوط وعلى حماس ان تتصرف وفق مصلحتها وهذا قد يساعدها على ان تكون جزء من اللعبة السياسية ومن الممكن تسويقها امريكياً واوروبياً وإسرائيلياً، على أن تكون الشريك في العملية السياسية والبديل لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبالفعل حماس أصبحت جزء من المعسكر المعادي للنظام وسخرت مواقفها وأعلامها للتحريض على النظام السوري، وأصبحت ترفع في مهرجاناتها وإحتفالاتها علم الإنتداب الفرنسي وتجند المقاتلين لل”الجهاد” في سوريا حتى وصل الأمر باحد قادتها عزيز الدويك للقول بأن “الجهاد” في سوريا يتقدم على الجهاد في فلسطين، وكذلك قامت بتدريب عناصر عصابات “النصرة” والجيش الحر على تصنيع العبوات الناسفة والمتفجرات،وحفر الأنفاق وغيرها.

حماس عندما قال الرئيس الفلسطيني عباس بأنها خدعته وكذبت عليه أكثر من مرة قلنا بأن ذلك يندرج في إطار الصراع السياسي ما بين سلطة رام الله وغزة والصراع على السلطة، ولكن في المسألتين السورية والمصرية وجدنا بأن قرار حماس كان مصادراً من قبل قوى عربية وإقليمية، ومن قبل حركة الإخوان المسلمين، حيث وجدنا حماس ودون مراعاة للجغرافيا والحالة والخصوصية الفلسطينية وقفت موقف المعاد للنظام المصري الجديد واستمرت بدعم حركة الإخوان المسلمين وتجندت لذلك سياسياً وأعلامياً، وهذا بحد ذاته إنعكس سلباً،ليس فقط على حركة حماس، بل وعلى شعبنا واهلنا في قطاع غزة حيث تشديد الحصار واغلاق المعابر وتدمير الأنفاق من قبل النظام المصري أتى ويأتي كردة فعل على مواقف حماس وتدخلاتها في الشأن الداخلي المصري وإستعداء النظام المصري على شعبنا، وكذلك المواقف المتشنجة واللامسؤولة التي اتخذتها من الصراع والحرب العدوانية على سوريا هي الأخرى ساهمت في زيادة حدة خلافاتها وعدم الوثوق بها من قبل النظام السوري، وهذا بدوره ألقى بظلاله على وجودنا واهلنا ومخيماتنا في سوريا والتي سعت حماس مع اطراف عربية لجرها لكي تجعل جزء من الصراع هناك صراع سوري- فلسطيني، ورغم كل ما كشفه الرئيس بشار من دور لمشعل وحماس في الحرب العدوانية على سوريا فإن القيادة السورية لم تفقد تجاه البوصلة وبقيت وفية لمبادئها وقيمها ومواقفها القومية العربية ورغم كل الأزمة التي تمر بها سوريا لم تتخلى عن دعم المقاومة الفلسطينية بما فيها حركة حماس أثناء الحرب العدوانية الأخيرة التي شنت على شعبنا ومقاومتنا في قطاع غزة.

ما يجري من تطورات داخل حركة حماس ومراجعات وتقييمات لمواقفها وبرنامجها وشبكة علاقاتها وتحالفاتها تجعلنا متيقنين بأن التيار الجذري في حماس بقيادة الضيف والزهار وكتائب القسام بات على قناعة تامة بأن المحور الذي انتقلت اليه حماس (قطر- تركيا،الإخوان المسلمين) محور مفلس سياسياً ولم يقدم شيئاً لحماس والمقاومة الفلسطينية سوى الشعارات والخطابات بل يمارس ضغوطاً على حماس لجرها الى مستنقع ودهاليز المشاريع السياسية المشبوهة.

حماس بزيارة وفدها بقيادة عضو مكتبها السياسي محمد نصر لطهران وتوجيه الضيف الشكر لإيران على دعمها العسكري والمالي والسياسي لحماس في ذكرى إنطلاقتها ال(27)،يؤكد على ان الصراع الداخلي في حماس سيحسم لصالح عودة حماس الى المحور الذي دعمها وساندها ووقف قولاً وفعلاً الى جانبها (ايران- حزب الله وسوريا).