حزب البعث العربي الاشتراكي والالتزام الكامل بقضية فلسطين؟ – د.صياح عزام

د. صياح عزام

د. صياح عزام

ساعد الوضع الدولي الجديد الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، على انتقال النضال العربي الذي بدأ في مطلع هذا القرن ضد الاستعمار الغربي المباشر الذي جزأّ البلاد العربية إلى كيانات عديدة، إلى مراحل متقدمة وجديدة، وتصعيده ضمن أطر منظمّة شكلّت الأحزاب أبرزها، من أجل تحقيق الاستقلال الوطني للبلاد العربية كمقدمة للانطلاق من هذه الكيانات نحو العودة إلى الوضع الطبيعي للأمة العربية.

وفي هذا الإطار، برزت حركة التحرر العربية التي عبرّت عنها الأحزاب والتنظيمات السياسية الوطنية والقومية والتقدمية التي جسدت تطلعات الجماهير العربية، ولم تنجح محاولات القوى الاستعمارية في قمع الحركة التحررية الوطنية، بل أجبرت الدول الاستعمارية في نهاية المطاف، على الاعتراف بالاستقلال السياسي لأقطار المشرق العربي، وفي مقدمتها سورية. وباستثناء سورية ولبنان بقيت الدول العربية الأخرى مرتبطة بمعاهدات مع الدول التي كانت تستعمرها بما يقُيدّ استقلالها.

لقد تطورت حركة النضال العربي وحققت انتصارات متعددة منها ثورة 23 تموز في مصر عام 1958 ، وثورة الجزائر عام 1954 ، وثورة 14 تموز في العراق عام 1958 .

وبرز تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي كأهم تنظيم قومي في سورية وعدد من أقطار المشرق العربي (لبنان، الأردن، العراق)، حيث شكلّت مواقفه السياسية تجاه الأحداث، المحرك والناظم لحركة التحرر القومي العربي، وجعل سورية مرتكزا ومنطلقا للنضال القومي التقدمي والتحرري بوقوفها ضد سياسة الأحلاف الاستعمارية آنذاك.

هذا ولعل أبرز ما شهدته تلك المرحلة، زرع الكيان الصهيوني في فلسطين قلب الوطن العربي عام 1948 برعاية استعمارية غربية، وتشريد أبناء شعبها. وكان الرد العربي على زرع هذا الكيان عاجزا وضعيفا،ً ومتواطئا أحيانا،ً وبالتالي، خسر العرب معركتهم، وأخذ هذا السرطان الإسرائيلي يتمدد في الجسم العربي.

هذا، وقد لاقت أفكار الحزب وأهدافه قبولا واسعا وسريعا في أوساط الجماهير، ولاسيما المثقفة منها والعمالية والفلاحية، وتنامى وجوده على الساحة العربية، إلى أن جاء الإعلان عن تأسيسه في غمرة احتفالات شعبنا في سورية بمرور سنة على جلاء القوات الاستعمارية الفرنسية عن الأراضي السورية.

لاشك بأن حزب البعث العربي الاشتراكي كان وسيبقى الفصيل الأهم في حركة التحرر العربية الوحدوية التقدمية، ولكن الطابع الأبرز الذي ظل على الدوام يميز سياسته ومواقفه، هو طابع العداء الشديد للصهيونية والاستعمار والإمبريالية ومخططاتها العدوانية على الأمة العربية، وما تمثله مخططات هذا التحالف ومؤامراته من أخطار على الأمة العربية وحركتها التحررية وعلى أهدافها وقضاياها الكبرى، وخاصة على هدف الوحدة العربية، الذي ظل يحتل أولوية خاصة في نضال الحزب وعمله.

القضية المركزية:

في هذا السياق كانت القضية الفلسطينية ذات أهمية قصوى في نظر الحزب، فقد أكد الحزب دوما على اعتبارها القضية المركزية للأمة العربية، باعتبار فلسطين جزءا من الأمة العربية، وباعتبار أن المؤامرات والمخططات الصهيونية والإمبريالية لا تستهدفها وحدها، وإنما هي بالأساس موجهة ضد الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. ولهذا اعتبر الحزب أن إقامة الكيان الصهيوني، ككيان عدواني توسعي عنصري، يشكل قاعدة وبذرة صهيونية إمبريالية بالغة الخطورة على الأمة العربية كلها وخاصة على الأقطار المجاورة التي تحملت الكثير الكثير من الأعباء، وقدمت الكثير من التضحيات، وكان الحزب وثورته في سورية دوما في المقدمة.

إن الحزب ينظر إلى قضية فلسطين بأنها قضيته مثلما هي قضية الشعب الفلسطيني. وكما هو معروف، فقد وقف الحزب موقفا مبدئيا ثابتا وواضحا من الصهيونية ومخططاتها في فلسطين والوطن العربي، وفضح الطبيعة العدوانية التوسعية العنصرية للصهيونية وأطماعها، كما أوضح العلاقة بين الصهيونية والاستعمار والإمبريالية القائمة على قاعدة المصالح والمخططات العدوانية والمعادية أساسا لحقوق الشعب العربي ومصالحه.

هذا، وفي جميع مؤتمرات الحزب القومية والقطرية التي عقدت بعد ثورة آذار، أكد الحزب على اعتبار القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة العربية وعلى وضع كل ما يمكن من الإمكانات والطاقات في سبيل نصرتها ودعمها. ووقف وراء قيام حركة التحرر الفلسطيني عام 1964 ، وظل يواصل دعمها، معتبرا أن إنهاء احتلال الأرض العربية وتأمين حقوق الشعب الفلسطيني واجب قومي، بمقدار ما هو واجب وطني فلسطيني.

احتضان الثورة الفلسطينية:

وفي هذا السياق احتضن الثورة الفلسطينية التي شقت طريقها في مطلع عام 1965 ، وقدم لها كل ما ينبغي من دعم ومساندة. وكان موقع سورية ومواقفها بقيادة الحزب المرتكز والسند الأساسي لانطلاق الكفاح المسلح الفلسطيني، واستمرار هذا الدعم وتعزز في أعقاب العدوان الصهيوني الإمبريالي الذي وقع على الأمة العربية عام 1967.

لقد شكلّ بروز المقاومة الفلسطينية في مواجهة عدوانية الكيان الصهيوني وتوسعيته وعنصريته واحتلاله للأرض ظاهرة من أجل الظواهر الوطنية والقومية والإنسانية باعتبارها تدافع عن قضية عادلة.

وبفضل الدعم السوري من الحزب والثورة، تكرس وجودها باعتبارها طليعة كفاحية للشعب الفلسطيني وللأمة العربية، وباعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي التجسيد السياسي للشخصية الفلسطينية، والممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني.

دعم غير محدود:

وللحقيقة والتاريخ، تجدر الإشارة إلى أن دعم القضية الفلسطينية من قبل الحزب تضاعف وازداد بشكل ملحوظ بعد قيام الحركة التصحيحية التي قادها القائد الخالد حافظ الأسد، وتجسد هذا الدعم بأشكال متعددة، فعلى الصعيد العسكري قدم لفصائل المقاومة كل ما تحتاج إليه من سلاح وعتاد، وعلى الصعيد السياسي، بقي الحزب يعمل باتجاه تحقيق مكاسب سياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية سواء على الصعيد العربي أو على صعيد الأمم المتحدة، هذا إضافة إلى أن علاقات سورية قامت مع دول العالم على أساس موقفها من قضية فلسطين العادلة. ووصلت درجة الدعم السياسي إلى حد طرح معه القائد الخالد حافظ الأسد مشروع إقامة وحدة سياسية بين سورية ومنظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن قيادة هذه المنظمة آنذاك لم تتجاوب مع هذا الطرح تحت ستار الحفاظ على ما سمي القرار الفلسطيني المستقل، إلا أن السبب الحقيقي لعدم التجاوب هو تحريض عربي وإقليمي ودولي. كذلك قدمت عروض لسورية لإعادة الجولان كاملا إليها مقابل التخلي عن تبني ودعم قضية فلسطين، إلا أن سورية رفضت تلك العروض وأكدت على أن فلسطين قبل الجولان. هذا وعندما كانت فصائل المقاومة الفلسطينية تتعرض لمخاطر ومحاولات تصفية لها من قبل إسرائيل وبعض الأنظمة العربية كانت سورية تقف وحيدة إلى جانب هذه الفصائل (في الأردن ولبنان وغيرهما). إلى جانب ذلك أعطت حرب تشرين المجيدة عام 1973 دعما كبيرا للمقاومة الفلسطينية فازداد نشاطها أكثر فأكثر.

وعندما شنتّ إسرائيل عدوانها الأول على قطاع غزة في أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009 ثم عدوانها الثاني عام 2012 ، وقفت سورية وحدها إلى جانب المقاومة في غزة ومدتها بالأسلحة والذخائر، إضافة للدعم الإعلامي والسياسي في حين وقفت معظم الأنظمة العربية متفرجة على آلة الحرب الإسرائيلية التي تقتل وتدمرّ كل ما في القطاع حتى أن نظام حسني مبارك المخلوع، راح يلوم الفصائل الفلسطينية، إلى جانب تدمير الأنفاق التي كانت المتنفس الوحيد للقطاع في مجال تأمين الحاجات الضرورية من طعام ودواء لسكان القطاع، وهذا كله بطبيعة الحال قد أدى إلى زيادة الحقد على القيادة السورية والتآمر عليها من قبل أمريكا وإسرائيل وحلفائهما على الساحة العربية، والأكثر من ذلك، أن قيادة حماس تنكّرت لكل ذلك، وراحت تنسق مع المتآمرين على سورية، عندما بدأ تنفيذ المؤامرة الكونية عليها قبل ثلاث سنوات عبر المجموعات الإرهابية المسلحة المدعومة من واشنطن وتل أبيب ودول الخليج العربي.

ازدياد الدعم:

وفي ظل قيادة السيد الرئيس بشار الأسد ازداد دعم المقاومة الفلسطينية وقضية فلسطين بشكل عام، حيث أصرت سورية على تعرية وفضح كل المخططات الأمريكية لتصفية هذه القضية، رافضة كل أشكال المشاريع المشبوهة في هذا المجال، لاسيما المفاوضات العبثية التي تجري بين الحين والآخر، وآخرها ما يحاول «كيري» وزير خارجية أمريكا فرضه على السلطة الفلسطينية «أي اتفاق الإطار» الذي يلُبّي كل مطالب إسرائيل، وينهي حق العودة المقدس، ويستجيب لإصرار نتنياهو على الاعتراف بيهودية إسرائيل.

هذا وبمناسبة الذكرى السابعة والستين لتأسيس حزبنا العظيم حزب البعث العربي الاشتراكي التي تحتفل بها جماهيرنا العربية على امتداد الساحة القومية، فإن الحزب يؤكد من جديد على تمسكه بموقفه المبدئي من قضية فلسطين، رافضا كل المساعي الأمريكية- الإسرائيلية الرامية إلى ترسيخ الوجود الإسرائيلي في فلسطين وسيظل يعمل من أجل وصول الشعب الفلسطيني إلى حقوقه المشروعة كاملة.

وهنا تجد الإشارة إلى أن شعبنا الفلسطيني وقف وما يزال ضد المؤامرة المستمرة على سورية منذ أكثر من ثلاث سنوات، إيمانا منه بأن سورية وحزب البعث العربي الاشتراكي هما السند الأساسي له، وأن هذه المؤامرة بالأساس، هي جزء أساسي من مخطط تصفية قضية فلسطين لأن ضرب سورية، يعني إضعافها وحرفها عن موقعها الداعم لها.

على أية حال، سيبقى التلاحم السوري- الفلسطيني معلما بارزا وواقعا معاشا لا يستطيع أحد النيل منه.