حروب النفط و زمن اللا معقول.. د. خلف علي المفتاح

د. خلف المفتاح

د. خلف المفتاح

اتسمت الفترة الممتدة ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥ وحتى سقوط جدار برلين عام ١٩٨٩ بأنها فترة الحرب الباردة والتي كانت قائمة ما بين الاتحاد السوفييتي السابق ومنظومة المعسكر الاشتراكي من جهة والولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا الغربية من جهة ثانية.

وإذا كان من عنوان عريض لها فهو أنها حرب باردة بين السوفييت والأميركان وساخنة على غيرهم من شعوب العالم حيث كانت العديد من الدول والحكومات والشعوب ضحية أو وقوداً لها واستخدمت القوتان العظميان كل أساليب الحداثة وما بعدها وسائل لتحقيق مكاسب ومصالح استراتيجية تصب في خدمة مشاريع كبرى كانت تسعى لتحقيقها .‏

إن ما ميز تلك الفترة وما وما بعدها هو أن الولايات المتحدة الأميركية لم تتوان عن فرض الحصار الاقتصادي والعقوبات الاقتصادية والمالية على أية دولة تعارض أو تقف في وجه الاستراتيجيات التي كانت تعمل بهدف الوصول إليها غير آبهة بالنتائج القاسية والكارثية التي تترتب على الدول والشعوب التي تكون عرضة لها وكانت تفسر وتبرر ذلك بحقها في الحفاظ على ما تطلق عليه مصالحها الإستراتيجية وأمنها القومي دون أن يستطيع أحد ردعها أو منعها من القيام بذلك على الرغم من مخالفة تلك السياسات للقانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة وذلك بحكم قوتها العسكرية والاقتصادية ونفوذها السياسي والأمني الاستخباراتي وعلى الرغم من أنها لم تستطع إسقاط أية حكومة باستعمالها السلاح الاقتصادي إلا أن نتائج صعبة وقاسية تركت آثارها على تلك الدول ومجتمعاتها وعملية التنمية فيها.‏

إن عودة لتاريخ فرض العقوبات الاقتصادية التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية تجاه دول بعينها يعود بالذاكرة إلى حصار كوبا وكوريا الديمقراطية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وسورية ومن ثم العراق وليبيا وإذا كانت العقوبات التي فرضت وما زالت تأخذ شكل العقوبات الفردية او الجماعية لمجموعة من الدول وبشكل معلن وصريح وتفرض من دول بعينها بحق دول أخرى إلا أن ما نشهده راهنا هو مسألة أخرى حيث لا نجد الولايات المتحدة الأميركية تباشر هذا السلوك العقابي غير المشروع بنفسها وإنما عن طريق دول وحكومات أخرى بهدف التأثير في السياسات الخارجية لحكومات ترى فيها أميركا عقبة في وجه مخططاتها واستراتيجياتها للتحكم بدول العالم ورسم خرائط سياسية جديدة تتناسب مع ما تطلق عليه مصالحها الإستراتيجية وأمنها القومي.‏

إن الانخفاض الحاد والمفاجئ في أسعار البترول وتداعياته على العديد من دول العالم المنتجة والمصدرة له لا يمكن وضعه إلا ضمن لعبة الصراع بين الدول ومحاولات التأثير الحاد في السياسات الدولية وتطويع الإرادة السياسية لقوى بعينها بما يستجيب لمقتضيات السياسة الأميركية من خلال استخدام سلاح الأسعار ومحاولة التحكم بإنتاجه وتصديره عبر التلاعب بأسعاره وانعكاسات ذلك على الوضعية الاقتصادية لدول كبرى ما يحدث اختلالات وتشوهات اقتصادية فيها وهذا ما تبدو مؤشراته واضحة في العديد من الدول الوازنة على الصعيد الدولي .‏

إن كل المؤشرات الاقتصادية كانت تشير وتتوقع ارتفاع أسعار البترول بحكم الأوضاع المتوترة في منطقة الشرق الأوسط والصراعات الحاصلة فيها حيث الإرهاب المنظم يسرح ويمرح فيها بدعم وإسناد ومباركة من قوى دولية وإقليمية معروفة إضافة لتهديد الملاحة البحرية وخطوط نقل الطاقة سواء في بحر العرب أو مضيق باب المندب وقناة السويس وغيرها من المناطق إلا أن ما حصل كان على العكس من ذلك حيث هبطت أسعار النفط بشكل حاد وغير مسبوق بحدود النصف مع توقع هبوط الأسعار إلى ما دون ذلك وتشير أغلب التحليلات السياسية والاقتصادية أن ذلك لم يكن السياق الطبيعي وان ما حدث كان نتيجة قرارات سياسية ذات طابع استراتيجي تقف وراءها الولايات المتحدة الأميركية باستخدمها نفوذها في بعض الدول المنتجة للنفط وفي مقدمتها دول الخليج العربي وتمثل ذلك بإغراق السوق الدولية بالنفط وزيادة معدلات الإنتاج غير المعلن ما يعني هبوط الأسعار بشكل حاد وسريع ولعل ما يؤكد وجهة النظر تلك هو أن دول الأوبك لم تبادر كإجراء أولي وضروري إلى خفض كمية الإنتاج اليومي بهدف ضبط الأسعار وإعادة التوازن لسوق النفط من خلال التحكم بسلة أوبك التي تعادل ثلث حاجة الاستهلاك العالمي وهو ما لم يحدث كون دول الخليج وتحديدا المملكة العربية السعودية التي تنتج وتصدر أكثر من عشرة ملايين برميل يوميا وهو ما يعادل تقريبا ثلث سلة أوبك لم تبادر لذلك .‏

إن هذا الإجراء يعود بنا إلى عام ثلاثة وسبعين وتسعمئة وألف إبان حرب تشرين التحريرية حيث استخدم العرب سلاح البترول بهدف الضغط على الدول الغربية الداعمة للكيان الصهيوني وحينها ارتفعت أسعار البترول حوالي ثمانية أضعاف ما انعكس إيحابياً على الدول المصدرة للنفط وشعوبها تنمية ورخاء وكان السبب الرئيسي في ذلك هو دماء شهداء حرب تشرين التحريرية المجيدة واليوم نرى عكس ذلك فالبترول الذي كان سلاحا بأيدي العرب بمواجهة أعدائهم تحول إلى سلاح بأيدي أعداء العرب بمواجهة أصدقائهم وحلفائهم وشعوبهم إننا حقا نعيش زمن الحروب الصامتة و عصر اللامعقول.‏

إن الادعاء بأن خفض أسعار البترول هدفه التأثير على منافسة البترول الصخري المنتج في الولايات المتحدة الأميركية الذي يكلف استخراج البرميل منه حوالي سبعين دولاراً هو أمر غير منطقي أو عملي لأن الولايات المتحدة الأميركية هي دولة مستوردة للنفط بالنتيجة ما يعني أن خفض الأسعار تحول إلى سلاح سياسي بمواجهة دول بعينها وهي روسيا وإيران وفنزويلا بهدف التأثير في سياساتها ومواقفها من قضايا دولية وإقليمية ساخنة وهو باعتقادنا أسلوب غير مجد وسلاح سينعكس ويرتد سلباً على مستخدميه ويفضح مدى ارتهانهم لقوى خارجية وارتباطهم الوظيفي بسياساتها بعيداً عن مصالح شعوبهم واستقلال قرارها الوطني.‏