جرح العراق – د. محمد صالح الهرماسي

د. محمد صالح الهرماسي

د. محمد صالح الهرماسي

العراق واحد من الأقطار العربية القليلة التي تمتلك مقومات الدولة الحقيقية. ومثلما كان العراق في الماضي مركز إشعاع حضاري عربي إسلامي، فقد شكل في التاريخ العربي المعاصر أحد حوامل المشروع القومي العربي، واستطاع تحقيق انجازات مهمّة في مختلف المجالات ولاسيما المجال العلمي حيث عُرف العراق المعاصر بعقوله وكفاءاته العلمية وثرواته المتعددة. وكان هذا واحداً من الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى غزوه عام 2003 فقد كان المشروع الأمريكي الصهيوني يقضي بإسقاط أيّة دولة عربية تنجح في تحقيق عوامل القوّة وتنتهج سياسة وطنية مستقلّة وتتمسّك بالثوابت والقضايا القومية.

وقد أثبتت وقائع ذلك الغزو الهمجي أن الكيان الصهيوني كان أول المستفيدين منه، وأن هدفه كان تدمير تجربة النهوض العراقي والقضاء على كل ما يدّل على عظمة دور العراق الحضاري في التاريخ، حيث تمت في هذا الإطار تصفية عدد كبير من علماء العراق، كما تـمّ تدمير جزء مهم من آثاره ونهب جزء آخر منها، وتمّ إخضاع الإنسان العراقي للإهانة والإذلال فضلا عن أبشع أنواع القمع والتعذيب. كما أقدم الغزاة على تدمير البلد ونهب ثرواته وتحويله في زمن قصير إلى دولة فاشلة تفتقر إلى أبسط الخدمات الضرورية للحياة.

على أن أسوأ ما قام به الغزاة هو تفكيك مؤسسات الدولة ولا سيما المؤسسات العسكرية والأمنية فقد كان أحد الأهداف الأمريكية المباشرة هو القضاء على الجيش العراقي أحد أقوى الجيوش في الإقليم وقتها، أما الهدف البعيد فهو تفكيك الدولة وتأجيج نار الصراعات الاثنية والطائفية، بدأ العراق يفقد وحدته الوطنية ودخل في أتون صراع هويات قاتل لم ينته حتى الآن.

وزاد الطين بلّة ان المطامع الإقليمية في العراق وجدت طريقها إلى التنفيذ بعد احتلاله، حتى أصبح اليوم فريسة للأطراف الإقليمية وموضوعا لصراع إقليمي مدمّر. وبعد ان كان بلد دجلة والفرات يتبوأ ذات يوم مكانة الصدارة في قيادة النضال العربي، ويمنح الأمّة الأمل في تحقيق أهدافها القومية، تحوّل للأسف إلى ملعب للموت والدمار، وفريسة للعنف والتطرّف والإرهاب. ولم يعد يشكّل أي خطر على الكيان الصهيوني.

ومن ينظر اليوم بإمعان إلى ما آلت إليه أوضاع العراق وسورية ومصر يدرك بسهولة أن الإرهاب الذي يستهدف هذه المراكز التاريخية الثلاثة للنهوض العربي هي الوجه الآخر للصهيونية التي تعرف جيّدا ان مشروعها في المنطقة لن يستمرّ إلاّ إذا تمّ تدمير هذه الدول الثلاث.

د. محمد صالح الهرماسي www.thawabitarabiya.com