تشرين الثاني: أحداث مفصلية في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني

الكاتب: رون بونداك: رئيس منتدى منظمات السلام الإسرائيلي / نشر في: هآرتس , 29/11/2013

“تلقينا، أول من أمس، التقرير الكامل للجنة”، كتب دافيد بن غوريون إلى فولا زوجته في أيلول 1947، في اليوم الذي رفع فيه تقرير لجنة التحقيق للأمم المتحدة ، والذي أدى الى قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني (اليوم) قبل 66 سنة. وتقرأ رسالة بن غوريون كتقرير جاف يتحدث فيه عن جلسة دراماتيكية للجنة التنفيذية الصهيونية. واقترح بن غوريون الاعلان فورا عن تأييد اقتراح الاغلبية في التقرير (التقسيم). “لكن”، تحفظ، “ان نقول هذا دون طبول نصر ودون خلق انطباع وكأن اقتراح الاغلبية هو اقتراح يهودي”. وانتهت الرسالة الموضوعية بنبرة شخصية: “حنه سنيه لا تزال تبحث عن سترة لك – ولكنها لم تجدها بعد. سلام جم وقبلات. كان هذا هو طابع هذا الرجل العظيم الذي بتعابير اليوم “ما كان لينجح على الشاشة”، ولكن بقدر كبير من اليقين يمكن القول إنه بدونه ما كانت دولة اسرائيل لتقوم. تشرين الثاني أحداث مفصلية في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني

ولكن قبل أن تقبل قيادة الحاضرة اليهودية قرار الامم المتحدة، وقبل ان يلتصق الـ 600 الف يهودي الذين كانوا يعيشون في حينه في اسرائيل بأجهزة الراديو ليستمعوا الى الاقتراح التاريخي كادت المعارك السياسية والايديولوجية داخل الحاضرة تؤدي الى وضع يقولون فيه لا لقرار التقسيم. 

لقد تدحرجت فكرة التقسيم في أروقة الدبلوماسية العالمية والاقليمية على مدى اكثر من عقد قبل القرار. وكان للبريطانيين انتداب مؤقت من الأمم المتحدة لإدارة البلاد والسؤال ماذا بعد كان دوما على جدول الاعمال. ومنذ العام 1956 اقترحت لجنة بيل تقسيما، وان كان مغايرا، ولكن الفكرة كانت في الجو. 

ينبغي قبول الحقيقة: معظم الكتل السياسية الصهيونية عارضت. اليمين البيتاري لم يعارض التقسيم فقط بل قضى بانه حتى لو اقترحوا علينا كل البلاد سنرفض، وذلك لأن الهدف الحصري يجب أن يكون ضفتين للأردن (كما يقول النشيد). معظم اعضاء “مباي” عارضوا، ولا سيما مؤيدي “بلاد اسرائيل الكاملة”. أعضاء بريت شالوم، وعلى رأسهم ادباء كمارتين بوبر ويهودا لييف ماغنس، ايدوا فكرة الدولة ثنائية القومية التي يعيش فيها اليهود والعرب بشراكة كاملة. بن غوريون وان كان فضل دولة يهودية على كل الارض التي بين النهر والبحر، إلا أنه فهم بانه يوجد فرق بين الحلم والواقع. وتمسك بالسياسة الواقعية التي تقول إن من الافضل إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في “بلاد اسرائيل”، حتى وان لم يكن في كل أراضيها. 

ما وجه خطاه كانت الحاجة الى ترجمة الرؤية الى واقع. وما آلمه اكثر من أي شيء آخر كان أن الدولة لم تقم قبل أن تبدأ الإبادة النازية. “اطلب منكم سادتي أن تتخيلوا لحظة واحدة لو أنه قبل اندلاع الحرب الاخيرة كان يتواجد 2 أو 3 ملايين يهودي في الدولة اليهودية لبلاد اسرائيل”، قال للجنة الامم المتحدة، واضاف بان الشعب اليهودي، “كان سائبا – بلا بلاد خاصة به، بلا دولة خاصة به”. وكان استنتاجه قاطعا لا لبس فيه: “توجد فقط ضمانة امنية واحدة: وطن ودولة. وطن يمكن لكل يهودي أن يعود اليه بالحق وانطلاقا من الحرية التامة؛ دولة يكون فيها متخكماً بمصيره”. 

في الجانب الفلسطيني ارتسمت صورة مرآة: الاغلبية عارضت التقسيم، ومن قاد الجمهور كان الحاج أمين الحسيني، في معارضته القاطعة للصهيونية وتأييده للنظام النازي. ولكن بالمقابل كانت عائلة النشاشيبي، التي تعاونت احيانا مع الحاضرة اليهودية، أيدت فكرة التقسيم. 

في نهاية المطاف اتخذت الجمعية العمومية للأمم المتحدة القرار 181، الذي قضى بتقسيم البلاد الى دولة يهودية ودولة عربية. جاء في القرار ان تقع حدود الدولة اليهودية على نحو 55 في المئة من اراضي فلسطين، أما العرب فاعطوا نحو 45 في المئة فقط. وفي نظرة الى الوراء يمكن القول انه من ناحية اقليمية، لم يكن القرار متوازنا بل ربما لم يكن عادلا. فحجم السكان الفلسطينيين كان ضعف حجم السكان اليهود. وكان هناك من ادعى بانهم بالتالي يستحقون ثلثي الارض. ولعل المنطق كان ينبغي أن يملي على الاقل تقسيما متساويا، بالمناصفة، ولكن الضمير العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحقيقة أن مئات الالاف من الناجين من الكارثة سعوا للوصول الى الدولة التي على الطريق، ادى باللجنة الى منح اليهود أكثر. 

من المهم أن نتذكر بان القرار قضى أيضا الا تكون القدس، الغربية والشرقية وكذا بيت لحم، تحت سيادة احد الطرفين، بل ان يعلن عنها منطقة منفصلة تحت سيادة دولية – لا عاصمة إسرائيل ولا عاصمة فلسطين. 

ورغم أن القرار استقبل في الحاضرة بفرح كبير، بسبب الشرعية السياسية والقانونية لاقامة دولة، الا ان مندوبيها اعلنوا بانهم يأسفون للقرار ولكنهم يستجيبون له من أجل احلال السلام. اما في الطرف العربي فعارضوا، وكانت النتيجة الفورية انه في الغداة بدأت المرحلة الاولى من الصراع العنيف بين اليهود والعرب، الذي تحول الى حرب حقيقية مع رحيل الجيش البريطاني بعد نحو خمسة اشهر من ذلك، والاعلان عن اقامة دولة اسرائيل في ايار 1948.

القرار التاريخي في تشرين الثاني 1947، يتداخل بالصدفة مع خمسة احداث تاريخية اخرى – كل واحد منها يشكل مفصلا بحد ذاته – اثرت على النزاع الاسرائيلي – العربي وحله، جميعها وقعت في تشرين الثاني. في 2 تشرين الثاني 1917، نشر تصريح بلفور، الذي ثبّت لأول مرة في الساحة الدولية فكرة الوطن القومي للشعب اليهودي في “بلاد اسرائيل”. في 22 تشرين الثاني 1967، اتخذ مجلس الامن في الامم المتحدة قرار 242 في اعقاب حرب الايام الستة، وثبّت فكرة “الأرض مقابل السلام” على اساس خطوط 67. 

في 15 تشرين الثاني 1988 قرر المجلس الوطني الفلسطيني في دورته في الجزائر ترك فكرة الدولة على كل ارض فلسطين وتبني فكرة الدولتين للشعبين. 

في 19 تشرين الثاني 1977، هبطت في اسرائيل طائرة الرئيس المصري، انور السادات، وبدأت الرحلة التي أدت الى اتفاق السلام مع مصر.
في 4 تشرين الثاني 1995، اغتيل رئيس الوزراء اسحق رابين، بسبب قراره الشجاع محاولة إغلاق الدائرة التي بدأت في 29 تشرين الثاني 1947، وانهاء النزاع الاسرائيلي – العربي بخطوة تؤدي إلى إقامة دولتين للشعبين. 

هذا ما أراده رابين، وهذا ما نحتاجه اليوم. زعيم شجاع يقود الدولة بالطريق الوحيد الذي يخدم المصلحة الاسرائيلية: الطريق التي تؤدي الى اقامة دولة فلسطينية على 22 في المئة من الارض، الى جانب دولة اسرائيل التي تسيطر على 78 في المئة من الارض، أي، تقسيم جديد على اساس خطوط 67، افضل بلا قياس من ذاك الذي على أساسه اقيمت الدولة. في رسالته الى فولا ينهي بن غوريون فيكتب بأن تحقيق مشروع التقسيم، “مع كل نواقصه”، هو، “حقاً بداية الخلاص، وأكثر من بداية”.