تحديات سلاح الجو الإسرائيلي أفول زمن الضربة الأولى

الكاتب: أمير اورن / نشر في: هآرتس , 30/11/2013

كان عميكان نوركين، رئيس سرب جوي في سلاح الجو، رضيعا ابن نصف سنة عندما بعث رئيس الوزراء ليفي اشكول إلى رئيس الأركان اسحق رابين برسالة علنية، فريدة من نوعها؛ لا مثيل لها في تاريخ علاقات الحكومة والجيش في إسرائيل وهي جديرة بالقراءة. مضمونها كفيل بأن يبدو كعرض متحفي في أعقاب الاتفاق هذا الأسبوع بين القوى العظمى وإيران على تجميد مؤقت لسعيها نحو السلاح النووي.سلاح الجو الاسرائيلي

فالوضع الجديد الذي يتبلور في المنطقة يفرض التحديات على المفاهيم الأساس في العقيدة الأمنية، ارث دافيد بن غوريون في ظروف مختلفة جدا. فلسلاح الجو، الذي يعتبر نوركين هو احد أربعة كبار الضباط فيه المعنى يمكن ان يكون انتهاء عصر الضربة الإسرائيلية الأولى. بشرى تحديث مبنى قيادة الأركان في سلاح الجو في السنة القريبة القادمة تفيد بالتكيف للعصر الجديد الذي بدأ لتوه. 

تألم اشكول، بعد أسبوع من انتهاء حرب الأيام الستة، ليس فقط لاضطراره التخلي عن حقيبة الدفاع في صالح موشيه دايان عشية القرار بشن الحرب بل وأيضا ادعاء دايان في نهاية الحرب بأن الجيش الإسرائيلي لم يبن كما ينبغي في سنوات اشكول – رابين. ففي الرسالة الى رابين – والى الجمهور – رد اشكول على دايان دون أن يذكر اسمه، بسلسلة لذعات لدرجة التلميح بأن إنجازات الحرب جاءت رغم دايان وليس بفضله. فمعظم الثناء والمديح الشخصي أبقاه اشكول لسلاح الجو ولقادته – اللواء عيزر وايزمان، الذي كان من بناة ومصممي قوة سلاح الجو على مدى سنين، والقائد الحالي، اللواء مردخاي هود، الذي اشرف على عمليات السلاح”.

حملة “موكيد” لتدمير سلاح الجو المصري في قواعده، اعدها وايزمان ونفذها هود، القائد الذي رشحه وايزمن لخلافته. وايزمن، عظيم أنبياء القوة الجوية في ضوء قيادة سياسية وعسكرية شكاكة، كان مثل موسى على جبل نابو. وبالمقابل من هيئة الأركان، نظر إلى مواصلي دربه ينفذون رؤياه. 

لم تكن الضربة الأولى اختراعا إسرائيليا. وفي العام 1967 كانت مفاجئة بالذات لأن نجاعتها ثبتت في حروب سابقة. ولكن نجاح “موكيد” خلق وهما بأن سلاح الجو الإسرائيلي كلي القدرة ودفع الجيوش العربية وأسيادهم السوفييت الى إعداد حلول لذلك. 
كانت الغاية الفورية من خطط سلاح الجو للهجوم على المطارات العربية منع تدمير سلاح الجو نفسه. فقد أراد وايزمان ان يعمل لغيره بالضبط ما كان يكرهه. أوصى وايزمان في تموز 1962 “باستباق العلاج للضربة، ومهاجمة العدو أولا”، لأن الطلعة الأولى “هي مرحلة القتال في الجو التي تقرر ويحتمل التي تحسم. هدفنا – ومن جهة أخرى هدف العدو – ان نوجه في هذه الطلعة كامل الضربة على مطارات وطائرات العدو، على الأرض”. وفي الحالة الخطيرة شرح بأنه في “مبادرة العدو للهجوم، حين يكون المهاجم أولا، من شأنهم (العرب) أن يلحقوا ضررا جما بالطائرات والمسارات”.

لقد كانت لسلاح الجو ثلاث قواعد طيران فقط – رمات دافيد، حتسور وتل نوف. وأحد استنتاجات البحث في تعرض السلاح لهجوم العدو دفع الى إقامة مطار رابع، حتساريم. الاستنتاج الهجومي الذي ورثه وايزمان من سلفه دان تلكوفسكي ولكن بإشرافه تطور الى قاعدة كاملة، كان الأهمية العليا للضربة الأولى. وقد تحققت التوقعات وحقق سلاح الجو تفوقا مطلقا في الساعات الأولى من الحرب، منح الجبهة الداخلية العسكرية والمدنية لإسرائيل حصانة شبه تامة من الإصابة وأتاح للقوات البرية تحقيق إنجازات على الأرض، بالتوازي أو بالتدريج في الجبهات الثلاث في غضون ستة أيام. غير أن “موكيد” لم تصبح سابقة. ففي أعقاب الضربة الأولى في 5 حزيران 1967 فرض على إسرائيل حظر (فرنسي وفي البداية أميركي أيضا). في الأزمات التالية، كان الخوف من رد من القوى العظمى للاعتبار الأساس لرئيسي الوزراء، غولدا مائير في تشرين الأول 1973 واسحق شامير في كانون الثاني 1991 في رفضهما إقرار ضربة جوية أولى. في حرب لبنان انتظرت إسرائيل أربعة أيام حتى هاجم سلاح الجو منظومة صواريخ ارض – جو السورية. وكان النجاح، في المعارك الجوية أيضا كاملا وساعد في إعادة بناء المكانة الجريحة للسلاح من حرب يوم الغفران. ولكن في الساحة السياسية، المقررة، انتصر حافظ الأسد. 

لم تشارك إسرائيل منذ حزيران 1982 في حروب ضد جيوش عربية، بل فقط ضد منظمات، ومنذ تشرين الثاني 1985 لم يعلق سلاح الجو في معارك مع طائرات العدو. وفي العقود الأخيرة، بلا “موكيد” أخرى، ولد نوعان من “الموكيديين” – الهجوم المفاجئ على المنشآت النووية (العراق 1991 وسورية 2007) والإحباطات المركزية. غير أن “موكيد” كانت خطوة بدء في معركة كبرى، برية في أساسها، أما الهجمات على المنشآت النووية قرب بغداد، وفي شرق سورية، بقيت بلا رد وتواصل. وكانت مشاركة سلاح الجو في قتل نشطاء “الإرهاب” اللبنانيين والفلسطينيين اغتيالا جويا، حيث فضله المخططون على الاغتيالات الأكثر أرضية.

كما ان الهجوم على صواريخ لـ”حزب الله”، “حماس” و”الجهاد الإسلامي” الفلسطيني، في لبنان في 2006 وفي غزة في 2008 ومرة أخرى في العام الماضي ليس طموحا كـ”موكيد”. فللمنظمات آلاف وعشرات آلاف الوسائل القتالية الصاروخية. والضربة الأولى لسلاح الجو، مهما كانت منسقة ودقيقة ستقضي في أقصى الأحوال على مئات منها. ومع ان هذا سيوفر ضربة نوعية لقواعد السلاح، أهداف البنى التحتية ومراكز الحكم، ولكن بثمن نزع المبرر اللازم لإسرائيل في المعركة السياسية. والمعنى هو أنه مطلوب استفزاز معادٍ – عملية، اختطاف – تشكل تحديا قبل الرد الإسرائيلي والعملية الجوية التي تأتي في أعقابها لن تكون، من حيث التعريف، ضربة أولى. 

اشرف نوركين، كرئيس شعبة العمليات في سلاح الجو في 2006، على تخطيط حملة “مشكال سيجولي” (وزن دقيق) لتدمير الصواريخ بعيدة المدى لـ”حزب الله”، على أساس تجربته في حينه وفي حملات معقدة أخرى كتب في بحث في موضوع “تأثير ثورة المعلومات على مبنى القيادة والتحكم في القوى الجوية”. وبدا تعبير “الصمت المطبق” الذي تأثر بخطة “موكيد” قديما في عهد تكنولوجيا نقل المعطيات في الشبكات. وسعى نوركين الى تحديث ثلاثة أهداف قيادة العمليات في سلاح الجو – الاستخبارات، التخطيط والتحكم – في ضوء مهامه المختلفة، مثلا الهجوم على المطارات، الهجوم على وسائل إطلاق الصواريخ المتحركة والإحباطات المركزة. 

ويمكن أن نضيف الى هذا أيضا قيادة حملة قوة منقولة جوا في العمق، مثل استخدام وحدة سييرت متكال وشلداغ في حملة “حاد فيحلاك” (حاد وسلس) في بعلبك في 2006 من موقع القيادة في سلاح الجو. هذا النوع من الحملات من شأنه أن يحتك بقيادة العمق التي أقيمت في الجيش الإسرائيلي قبل سنتين. وحل محتمل لتقليص الاحتكاك سيكون ترفيع عميد من سلاح الجو ليكون قائد العمق. 

عندما تحدث بن غوريون والقيادة العسكرية في الخمسينيات عن نقل المعركة الى ارض العدو، كانوا يقصدون الدول المجاورة لإسرائيل والتي يمكن الوصول إليها بالسفر، اذا كان يراد البقاء فيها لزمن طويل. أما بالنسبة للدول البعيدة، مثل العراق وإيران، فيمكن فقط الأمل في العودة الى الديار بسلام. فإذا كانت مصر ترفض العودة الى عادتها الحربية، وسورية مشغولة بشؤونها وباراك اوباما يسلب من بنيامين نتنياهو إيران، فقد انقضى عصر الضربة الأولى. هذا لا يعني إعفاءً من الإعداد للضربة الثانية التي يساهم وجودها في ردع العدو عن الضربة الأولى. ومن الأفضل أيضا الاستباق وتوجيه ضربة سياسية، مبادرة سلام. ليس صدفة أن وايزمان اياه، محرك “موكيد” كان من أوائل من فهموا أهمية مبادرة السادات في تشرين الثاني 1977، للعمل في سبيل السلام مع عناصر أمنية ومعارضة المستوطنات والحروب التي يمكن تفاديها من اجل التمسك بالمناطق.