تاريخ علاقات اسرائيل مع جنوب افريقيا في وثائق باتت علنية وفي متناول الباحثين

الكاتب: أمير اورن/ نشر في: هآرتس , 11/12/2013

نيلسون مانديلا“المشكلة السوداء”. هكذا قال اسحق رابين، السفير في واشنطن في زيارة الى الوطن، في عرض أمام لجنة الخارجية والامن في الكنيست، في نهاية ايار 1968 – بعد اسابيع قليلة من مقتل مارتين لوثر كينغ وفي ظل اضطرابات السود في واشنطن ومدن أمريكية مركزية أخرى. “المشكلة السوداء احتدمت”، قضى رابين، وبسبب النفقات الكبرى على حرب فيتنام، والتي شوشت سلم الاولويات الاقتصادي، يسارعون الى عزو ذلك الى الحرب وان كانت “موجودة منذ عشرات، ان لم يكن مئات، السنين”. لم تكن هذه زلة لسان: ففي غضون دقيقة كرر رابين تعبير “المشكلة السوداء” ثلاث مرات.

سهل جدا وليس نزيها على الاطلاق، فحص علاقات القدس مع النظام القمعي في بريتوريا من خلف نظارات الحاضر. فمن يتجرأ اليوم، بعد جيل أو اثنين، في الحديث عن “السود”. ففي البيت الابيض يجلس براك اوباما، من مواليد 1961، الذي تشكل وعيه السياسي بقصص كينغ وحركة حقوق المواطن. والد مستشارة الامن القومي، سوزان رايس، خدم في الحرب العالمية الثانية كضابط في “سرب تسكيجي” – اطار منفصل، للسود فقط، في سلاح الجو الامريكي، اقلع الى مسافات بعيدة دفاعا عن الحرية بينما كان في الوطن تمييز اجتماعي، اقتصادي، سياسي بل وفي الجنوب قانوني.

هذا تذكير حيوي لان رابين في عهده كرئيس للاركان، كسفير، كرئيس الوزراء في السبعينيات وكوزير الدفاع في الثمانينيات لم يكن رئيس الوزراء ووزير الدفاع رابين في التسعينيات، بعد نهاية الحرب الباردة وانتقال الحكم في جنوب افريقيا من الاقلية الى الاغلبية. هكذا ايضا شمعون بيرس، الرئيس الذي يؤمن نلسون مانديلا وفي السنوات البعيدة اياها، “حسابات الماضي” التي يكرهها جدا، كان يشغل منصب مركزي في العلاقات السرية مع جنوب افريقيا، بصفته وزير الدفاع بعد حرب يوم الغفران. في عهده، حسب الوثائق، تشكلت “ايسا”، اللجنة المشتركة بين اسرائيل وجنوب افريقيا. لقاءاتها، في زورخ ولشبونه، عقدت على مستوى موظفين وضباط (مدير عام وزارة الدفاع ونائبه يعقوب “شفيق” شبيرا مثلوا اسرائيل) ووزراء.

دروس تشرين الاول 1973 كانت طازجة. الاحساس بالازمة الوجودية والتعلق بالقطار الجوي الامريكي دفعا حكومة اسرائيل الى البحث عن شركاء اقليميين اغنياء بالمصادر ومتحمسين للتعاون الامني. وكانت المرشحتان الاساسيتان هما ايران وجنوب افريقيا. العلاقات معهما كانت هامة كوسيلة لتحقيق تمويل لعمل الصناعة الامنية في اسرائيل، لغرض تطوير منظومات متطورة للجيش الاسرائيلي وتخفيض اسعارها بانتاج منتظم، ان لم نقل الاهمية السياسية، الحزبية، لهذه الصناعة.

منفعة مأمولة اخرى كانت زيادة تنويع المصادر للمساعدة الامنية، في الايام العادية وعند الطوارىء. وعندما سقط نظاما الشاه والابرتهايد، نشرت السلطات الجديدة اتصالات الانظمة السابقة لها مع رؤساء الوزراء ووزراء الدفاع في اسرائيل. وكانت هذه احيانا اتصالات مشابهة على نحو مدهش. على ذات منظومات السلاح وان كانت بالقاب مختلفة.

البعد القيمي، في العلاقات الدولية، تقزم في ضوء صورة الحاجة. فعندما اشترى الامريكيون النفط من السعودية او باعوا لها السلاح لم يكن يهمهم ان يكون غير المسلمين، الكفار، يعانون هناك من الابرتهايد. وكان الاعتبار الاساس هو “اعداء اعدائي”. فالسوفييت ومساعدوهم الكوبيون تسللوا وسعوا في انغولا؛ وجنوب افريقيا، مهما كانت منبوذة، كانت تندرج في المعسكر المضاد، الغربي. “50 في المئة من الجنود القتاليين عندنا سود، بسبب الغاء التجنيد الالزامي”، شرح هنري كيسنجر لجون فورستر في 1976 – في لقاء اول منذ 30 سنة بين وزير خارجية امريكي ورئيس وزراء جنوب افريقيا – لماذا التدخل العسكري الامريكي متوقع ضد قوة كوبية ولكن ليس في الحرب  الاهلية، او في نزاع محلي آخر، بين الافارقة.

لقد كان سهلا للمؤسسة الاسرائيلية الرسمية اغلاق الانف والتماثل مع الاستراتيجية. فمن أنشد “في بحر ابيض مجموعة سود تقتطف” رأوا في افريقيا، في البحر الاسود، مجموعة بيض يعتدى عليها. قلة حيال كثرة هناك، قلة حيال عرب هنا، وعشرات دول في افريقيا – تنفض عنها حكم بريطانيا وفرنسا، بلجيكا والبرتغال، تستعين جدا بالمساعدات الزراعية والصناعية لقسم التعاون الدولي في وزارة الخارجية منذ عهد غولدا مائير، خانت اسرائيل، خضعت لضغط دول النفط وقطعت العلاقات معها. وفي الخفاء، وخلافا لتصريحات زعمائها، اقامت العديد من هذه الدول علاقات اقتصادية وغيرها مع جنوب افريقيا.

رابين وبيرس لم يكونا الوحيدين اللذين طورا الملف الجنوب افريقي. عندما فتحت الارشيفات الرسمية في بريتوريا ووقعت في ايدي باحثين نشطاء ومنهم الى الكتب ومخزونات المعلومات، رشحت منها مواد مثيرة عن نسيج العلاقات الخفية بين كل وزير دفاع ورئيس اركان وقفوا صمتا لانشاد “هتكفا” (الامل – النشيد القومي الاسرائيلي) وبين جالسي كفة الامل الطيب. في ذات عصر حلف المعزولين، الدول التي هي غير مقبولة بما يكفي في المجتمع الدولي وبالتالي ترتبط الواحدة بالاخرى، كانت هذه علاقات دم، عرق وامعاء – المهم الامن، والى الجحيم بفصل السود عن البيض ومرغوب ان اضافة الى الاستراتيجية يكون ايضا رزق، الكثير من الرزق، على الاقل لاحد الطرفين. والى هذه الدرجة، علم الاسرائيليون الجنوب افريقيين ما هي عدم المساواة، بحيث أنه في ربيع 1983، مع تنحية اريئيل شارون وتعيين موشيه آرنس بدلا منه باتت مملة محاولات الظهور بالبراءة لوزير الدفاع ماغنوس مالن.

لقد ارادت اسرائيل في حينه التوقيع مع جنوب افريقيا على شراء المزيد من العناصر الامنية. ووافقوا في بريتوريا على الشراء، ولكن الصناعة المحلية هناك طالبت بالتبادلية. جزئية، معينة، ليس متوازنة تماما، ولكنها بشكل يعترف بانه بعد سنوات من التخلف توجد ايضا للمصانع الجنوب افريقية ما تعرضه. مثلا، مركزية هاتف. واوضح مالن لارنس بان الصفقة الامنية مشروطة، عمليا بفوز المركزية في عطاء وزارة الاتصالات. وقد حاول آرنس التملص: توجد أنظمة للارتباطات، والفائز يتم اختياره ويعلن عنه بطريقة لا تسمح بالتراجع، للاسف. واجتهد مالن جدا للحفاظ على الكياسة. فأجرى احصاء للمخزون قائلا: “نحن اشترينا منكم باكثر من مليار دولار. انتم اشتريتم عندما باقل من 10 مليون”.

واثار الاهتمام الجنوب افريقي الشهية الاسرائيلية. واقترح بيرس بيع حتى نصف منتوج خط الانتاج لدبابات “مركباه”، 10 في الشهر، بسعر 810 الف دولار للدبابة، بحساب الف دبابة على الاقل. وقد تأثر الجنوب افريقيين باداء الدبابة، التي كانت تسمى عندهم “فيست”. ولكنهم فضلوا الانتظار الى أن تبدأ بالعمل كمنظومة سلاح. وفي ذروة العلاقات السرية خطط لاقامة مدرسة “في مداخل حيفا” لاطفال جنوب افريقيين يأتون للعمل في برنامج مشترك في مشروع أمني مجاور.

 الوثائق الجنوب افريقية، المكشوفة للجميع في موقع معهد ويلسون في واشنطن، توثق جوانب مختلفة من علاقات الحكومات. ووجود اليورانيوم في جنوب افريقيا يوصف بالتوازي مع اقامة المفاعل النووي في ديمونا ونقل المعلومات والتكنولوجيا من اسرائيل. توجد تلميحات، ان لم يكن قول صريح، بشراكة اسرائيلية في البرنامج النووي في جنوب افريقيا، والذي جمد وفي النهاية فكك بقنابله الستة على يد دي كلارك مع حلول العقد الاخير من القرن الماضي.

الوثائق الجنوب افريقية تكشف النقاب عن ان جهازي الامن اكثر من الحديث بينهما عن صواريخ ارض – ارض بالمدى المتوسط.

وحسب الوثائق، فقد كانت هذه هي صواريخ “يريحو” او بلقبه الجنوب افريقي “شيله”. فمثلا، تقرير الجنرال غليسون عن مهمته في اسرائيل في شباط 1979. موضوع الزيارة: صاروخ ارض – ارض لمدى 185 حتى 510كم. وتابع غليسون تجربة الصاروخ وافاد عن حجومه: “قطره 0.8 متر، طوله 13متر، وزنه 7 وطن، شحنته الناجعة 980 كغم، خطأ الدوائر المتوقعة في اقصى مدى 200 متر، السرعة القصوى 5.7 ماك”.

في مناسبة سابقة في 1975 حاول بيرس اقناع نظيره بوتيه ان ينقذ من جمودها مساومة مالية – أمنية في ذات الموضوع. فرفض بوتيه وطلب أن يقترح بيرس مساهمة بمعدل 15 في المئة من نفقات التطوير التي سبق ان استثمرت، فوضع بيرس اوراقه، بدلا من ربع الطائرة القتالية خفيفة الوزن (خليفة “كفير” وطراز متطور واقل طموحا من “لفي”) وثلث منظومة اخرى. فرد بوتيه بثناء متحفظ، رفض الالتزام مسبقا بالخطة كلها واصر على نقاط خروج. وفي التقرير الجنوب افريقي عن الحديث قيل ان “بوتيه” اعرب عن اهتمام بعدد معين من صواريخ شيله، اذا كانت الشحنة الناجعة السليمة متوفرة ولكن ليس لنا نوايا هجومية وبالتالي فان طراز “برغنر” الى مدى 3 الاف كم لا داعي له. قيل له ان مدى الاف الكيلو مترات هو فكرة حكومة جنوب افريقيا. ومن أجل التأثير على الجنوب افريقيين رتب لهم لقاء مع اعضاء احدى الدوائر في مكتب علاقات الاستعلام في وزارة الدفاع، برئاسة المقدم دودو بنية الذي تباهى بمؤهلات ضباط البحث لديه، كلهم يتميزون بالمبادرة، بالذكاء العالي، بمعرفة اللغات وبالتجربة العسكرية في الميدان وفي الاركان. وكل هذه المؤهلات لم تمنع بعد ذلك مكتب علاقات الاستعلام من أن يوقع على اسرائيل قضية جونثان بولارد. وبعد الحديث مع بنية نقل الضيوف الى معرض للغنائم من حرب يوم الغفران – دبابات، مدافع، سيارات قتالية، كاتيوشا بل وصواريخ “فروغ” التي بزعم المضيفين يمكن تسليحها برؤوس متفجرة نووية.

بعد حرب يوم الغفران أرسل الجيش الاسرائيلي ووزارة الدفاع الى جنوب افريقيا ضباط كبار، بينهم اللواء (قائد سلاح البحرية بيني تيلم والعمداء يعقوب شتيرن، غيورا زوريغ، غيورا ليف، عاموس كاتس وحجاي ريغف. وليسوا جميعا وليس دوما، كانوا علنيين؛ فقد كان الضابط الاسرائيلي الكبير احيانا مجرد “ملحق زراعي”. ونشبت نزاعات بين وزارتي الدفاع والخارجية وداخل جهاز الامن – فقد حاول موظفون في وزارة الدفاع التنكيل بالعميد كاتس. “الحروب في داخلنا”، كتب الى الجنرال مالن اللواء احتياط يونا افرات، صديقه منذ 1962 حين تعلما في الكلية الامريكية للقيادة والاركان في بورت لونفرت . “اقسى من الحروب ضد اعدائنا”. افرات ومالن الذي تقدم بسرعة الى قيادة الذراع البري، الى رئيس اركان الجيش له والى منصب وزير الدفاع، تبادلا بينهما التهاني والدعوات، الشخصية ظاهرا. ولكن في ارشيف جنوب افريقيا احتفظ بكل بطاقة، بما في ذلك ميزانية الهدايا والوجبات الغذائية والاستضافة في كروجر بارك. كان افراد عضوا في لجنة كهان للتحقيق في مذبحة صبرا وشاتيلا، التي اوصت بتنحية شارون وعدم تمديد ولاية رفائيل ايتان (الذي تطلع الى سنة سادسة في رئاسة الاركان). وعندما انهار النظام الذي كان مالن من كبار رجالاته، اشتبه بوزير الدفاع السابق، قدم الى المحاكمة وبريء من المسؤولية عن ذبح المواطنين. وبقي لديه على سبيل التذكار رسالة بتاريخ 10 حزيران 1981، بعد ثلاثة ايام من قصف المفاعل العراق. فقد منح الفريق ايتان العملية الجوية، أي لنفسه، علامة 100 من اصل 100 نقطة. واحتفلا قائلا: “قمنا بالمهامة، بتصميم حديدي الا نسمح للعرب المجانين اولئك امتلاك سلاح نووي. من يدعي بان هذا كان مجرد مفاعل لاهداف البحث هو شرير فظيع يتدفق في عروقه نفط وليس دم بشري. وللاحتجاج على ازدواجية الوجه لا تكفي دموع كل التماسيح في انهار جنوب افريقيا”.