الهرولة الاعتذارية لفرنسا عاشقة بعضها! – د. عادل سمارة

د. عادل سمارة

د. عادل سمارة

وراء الاعتذار المفرط والتسابق عليه، لا بد ان يكون حبا حقيقياً متبادلاً. هكذا علمنا التاريخ ومنه العربي. النابغة الذبياني هو مؤسس الاعتذاريات في الشعر العربي، والشعر حينها ديوان العرب اي سجلهم التاريخي بمفهوم من يؤمنون بأهمية التاريخ. أساس اعتذاريات النابغة إلى الملك النعمان بن المنذر بن ماء السماء، لم يكن ولائه للملك بل حبه لزوجته المتجردة التي كانت تبادله الحب كما يُقال.
فعلى ماذا تعتذرون لفرنسا ساسة ومثقفين/ات؟ وفرنسا لا تحب سوى جزءا من فرنسا. هل اعتذرت فرنسا عن مشروع استعماري وحشي قتل في الجزائر مليون شهيد؟ لا داع لتعداد جرائم فرنسا.
المطلوب إنسانيا هو فقط التعاطف مع الضحايا واسرهم لا نظامهم ودولتهم قط.

إن سباق الهرولة الاعتذاري له مفعول عكسي باتجاهين:
الأول: يؤكد للطبقة الحاكمة المالكة الإرهابية في فرنسا بأن العرب لم يغضبوا بعد منها ولذا يجب ان تواصل امتصاص دمهم في ليبيا والخليج والمغارب العربية وبالتالي سحقهم عبر القاعدة وداعش والوهابية ومختلف انظمة وقوى الدين السياسي.
والثاني: فالاعتذاريات المهرولة مثابة تغذية إضافية للبيئة الحاضنة للإرهاب. فيجب ان لا ننسى ذلك الكره العميق في امتنا للاستعمار، وهو كره يفتح على احد منهجين:
• إما منهج عروبي ثوري مقاوم وتنموي يحول دون تدفق فوائضنا إلى الاستعماريين.
• أو منهج ثأري انتقامي يختزل الحالة القومية او الطبقية في الثأر الفردي.

وهكذا، في ضعف او غياب الأول، يزدهر الثاني ويشعر كثير من الشباب بان هذا هو الرد.
أما بيت القصيدوراء الموقف نفسه وكل المشهد منذ قرون فهو أن الراسمالية الفرنسية كجزء اساسي من الرأسمالية الغربية عموما، هي عدو بالمطلق. وبأن الوطن العربي قيد الاستهداف الدائم من هؤلاء عبر أشكال متعددة أحدها الكيان الصهيوني. بل لقد انتقلت فرنسا واخواتها من الاستعمار والاستيطان إلى التدمير. وإلا ما الذي يحصل في العراق وسوريا وليبيا واليمن وبعض مصر؟
الاستعمار والإرهاب مشروع واحد وعدو واحد ومصدره واحد. أما الإرهاب المنقول على شكل منظمات القاعدة وداعش وعشرات التمفصلات في سوريا والعراق فهي من صنع الإرهاب الغربي.
لقد انتقل الاستشراق من الاستعمار عسكريا وثقافيا إلى الاستشراق التدميري حتى ولو وصل إلى الاجتثاث. ومخطىء من يعتقد ان الهدف هو اجتثاث الإسلام، بل الأمة العربية نفسها. وإلا لماذا اولوية تدمير العرب هي التي على شاشة الأرض والسماء معاً.

من قال ان دماء عشرة فرنسيين أو ألف أو آلاف مقلقة للرأسمالية الفرنسية؟ لو كانت مقلقة، فمن الذي يعرف عدد الفرنسيين الذين قُتلوا وهي تتمدد استعماريا وتذابح مع ألمانيا على الاستعمار. فهل غيرت الرأسمالية الفرنسية من نهجها العدواني الاستعماري؟ بالمناسبة المانيا الأقوى أوروبيا اليوم تتلمظ على حرب عالمية ثالثة، فاحذروا.
كل ما يفعله الاستعمار هو تنظيم بلاغة سياسية قانونية شعرية في التباكي على حقوق الإنسان. مزيدا من القتل والنهب إلى جانب مزيد من بلاغة الزيف والكذب الممكيج كما قال لينين رحمه الله.
من يعتقد ان فرنسا بعد هذه المذبحة سوف ترسل الورود إلى الشعب السوري، عليه أن يذهب إلى طبيب فيزيائي وليس اخلاقي.

وحتى الشارع الفرنسي، في أغلبه لن يتغير. وسيميل عنصريا اكثر مع تأزم اقتصاي أكثر. هو شارع يعرف ان ثمن دمائنا وثروتنا هو بعض دمه. لذا يعتبر احتلال ليبيا ضرورة قومية فرنسية. لا يمكن القطع بأن في فرنسا والغرب مجتمعا مدنيا. هذا مجتمع وحشي، أكثر من إدارة داعش التوحشية. مجتمع ينتخب لمئات السنين لصوصا وقتلة ونهابين لا يمكن ان يكون مدنياً. كم مظاهرة مثلا خرجت في فرنسا والغرب على تفكك الاتحاد السوفييتي الذي كان يحاول ان يكون اشتراكياً أي مشروع سلام اممي؟ بالعكس، كان التهليل والغنج لأن سوقا جديدة قد فتحت؟ هكذا قال تشرشل حينما انتصر البلاشفة، “تقلصت رقعة السوق”.

لن تتغير الراسمالية الغربية ما لم يتغير الشارع، والشارع لن يتغير بعملية إرهابية ثأرية كهذه، بل حينما يعود جنودهم وخبرائهم من أرضنا قتلى بعد ان تم فك قبضات شركاتهم عن أعناق آبار النفط والسوق المحليين.
لعل المضحك أن المذبحة زعمت الثأر للرسول. يا للبلاهة، أليست انظمة الدين السياسي هي أشد إهانة للرسول؟ ولكن، هي التي تمول الإرهاب نفسه.
كل هذا وغيره لن يثني المهرولين الذين يجهدون انفسهم للظهور بمظهر البراءة والحداثة وما بعد الحداثة، ولكن فرنسا تعشق بعضها فقط.