المفاوضات تنازل عن الحقوق وتغوّل في الاستيطان – د. غازي حسين

د. غازي حسين

د.غازي حسين

إن فلسطين أرض عربية إسلامية من البحر إلى النهر ومن رأس الناقورة حتى رفح، وهي سورية الجنوبية وجزء أساسي من سورية وبلاد الشام، والتي بدورها جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير.

يعتقد الشارع الفلسطيني في مخيمات اللجوء في سورية ولبنان أن المفاوض الفلسطيني وجامعة الدول العربية باعوا حق عودة اللاجئين إلى ديارهم والأراضي المحتلة عام 1948. ووافقوا بذريعة تبادل الأراضي على ضم أكثر من 85% من المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة إلى الكيان الصهيوني.

وفي الوقت نفسه يؤكد قادة العدو الصهيوني أن الدولة الفلسطينية التي تزمع (إسرائيل) الموافقة على إقامتها من خلال رؤية الدولتين هي مقابل الاعتراف بالكيان الصهيوني في حوالي 90% من فلسطين وإلغاء حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وتهويد القدس بشطريها المحتلين ومنطقة الأغوار، وعدم الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967، وتوطين اللاجئين، وإقامة الوطن البديل من خلال الكونفدرالية واتحاد اقتصادي شرق أوسطي إسرائيلي ـ فلسطيني ـ أردني على غرار اتحاد بنيلوكس (بين هولندا وبلجيكا ولوكسنبورغ).

وكان رئيس السلطة المنتهية ولايته قد تعهَّد للرئيس أوباما في 24 أيلول 2013 عزم الفلسطينيين خوض المفاوضات حتى نهايتها، وأن الجانب الفلسطيني سيمتنع عن الانسحاب منها بسبب أي استفزازات إسرائيلية.

وتجري المفاوضات بدون مرجعية بعد أن أسقطت إسرائيل المرجعية الدولية بما فيها قرارات مجلس الأمن ومبادئ القانون الدولي وأيدتها بذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وألبس كيري الخطة التي وضعها معهد الأمن القومي اليهودي في تل أبيب أي الخطة الإسرائيلية في نيسان 2013  بلباس أمريكي، ويعمل بإمكانيات الولايات المتحدة الدبلوماسية والسياسية والمالية والعسكرية لفرضها على المفاوض الفلسطيني الضعيف لحل مشكلة إسرائيل، وليس لحل قضية فلسطين حلاً عادلاً، ولإنجاح خطة كيري الإسرائيلية الأصل، عين كيري الصهيوني العريق والمؤيد القوي لإسرائيل مارتن أنديك ممثلاً للولايات المتحدة في عملية السلام أي بمنصب الراعي الأمريكي للمفاوضات لحمل المفاوض الفلسطيني على توقيع الحل النهائي وتصفية قضية فلسطين بما فيها حق عودة اللاجئين إلى ديارهم واستعادة أرضهم وممتلكاتهم.

ثبت بجلاء من مواقف وممارسات مارتن أنديك، وهو أحد المسؤولين الكبار السابقين في اللوبي الإسرائيلي (الإيباك) من خلال المناصب التي تقلَّدها كسفير للولايات المتحدة في الكيان الصهيوني، ومعاون وزير الخارجية الأمريكي أنه إسرائيلي المعتقد والموقف والهوى، بل ومن دهاقنة الاستعمار الاستيطاني اليهودي ويؤمن بالتعليمات التي رسَّخها كتبة التوارة والتلمود.

يعود الفشل الذريع الذي لاقته الولايات المتحدة في معالجة قضية فلسطين إلى الإدارات الأمريكية التي جعلت رئيس الفريق الأمريكي في عملية المفاوضات وقفاً على الذين ترشحهم الإيباك إلى هذه المناصب بدءاً من رينس روس ومادلين اولبرايت وحتى مارتن أنديك.

وتستعمل إدارة أوباما مع المفاوض الفلسطيني الترهيب والترغيب، العصا والجزرة للتوصُّل إلى تسوية تصنعها الولايات المتحدة لإنقاذ إسرائيل من نفسها، وتخليد وجودها عن طريق حمل صاحب الحق والوطن للتنازل عن حقوقه في وطنه.

بدأت المفاوضات بعد الانتصار الإسرائيلي في حرب حزيران العدوانية عام 1967، ولا تزال مستمرة حتى الآن ولن تفشل، أي أنه من  الممكن أن تتوصَّلَ إلى اتفاق الحل النهائي فالعدو الصهيوني يعمل على كسب الوقت لتحقيق جميع مخططاته لتهويد القدس بشطريها المحتلين، ومعظم الأراضي الخصبة، والأماكن الأساسية في فلسطين العربية.

ويؤمن العدو أن المزيد من الوقت يؤدِّي إلى المزيد من بناء الأحياء والمستعمرات اليهودية، وتهويد المزيد من المقدسات العربية ـ الإسلامية والمسيحية فيها وإلى كسر ما تبقَّى من حواجز نفسية لدى المواطن الفلسطيني والعربي على أمل أن يقبل بالاستسلام والإذعان لاتفاق الحل النهائي الذي ستوقعه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ولا يكون مصيره إلى الإلغاء كما حدث في اتفاق الإذعان في 17/ أيار بلبنان.

وكان الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر قد أشار إلى الجهود الهائلة التي بذلها جون كيري لعودة المفاوض الفلسطيني إلى طاولة المفاوضات، والتي تضمنت أيضاً أربعة مليارات دولار ثمناً لما تبقَّى من فلسطين لتحقيق السلام الاقتصادي الذي ينادي به نتنياهو والسلام مقابل السلام بدلاً من السلام مقابل الأراضي المحتلة. وأكَّد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الذي أجبر السادات على توقيع اتفاقيتي الإذعان في كامب ديفيد، أن نتنياهو على وشك أن يدخل التاريخ باعتباره البطل التاريخي الذي جاء بالسلام الكامل والنهائي، وقال: إن خطة كيري تستحق الإعجاب للأسباب التالية:

1- إصرار عنيد على التمسك بها.

2-فرض كيري مبدأ السرية المطلقة على المفاوضات وعدم إدلاء المفاوضين بتصريحات إلاَّ بموافقة الأطراف الثلاثة.

3- قيام الجامعة العربية بشطب حق عودة اللاجئين إلى ديارهم، والموافقة على تبادل الأراضي، وتوفير التغطية والدعم لرئيس السلطة للتوقيع على اتفاق الحل النهائي.

4- مناشدة الجاليات اليهودية في أمريكا لدعم المساعي الأمريكية لإنقاذ إسرائيل من نفسها، وتستمر دولة الاحتلال بتصعيد البناء الاستيطاني وتهويد القدس والمسجد الأقصى لأن دعوة كيري لم تتضمن أي إشارة إلى تجميد الاستيطان، أو العودة إلى المفاوضات، أو تفكيك المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

فالمستفيد الوحيد من استئناف المفاوضات هو نتنياهو أي الاحتلال الإسرائيلي لإدارة الصراع وكسب المزيد من الوقف لاستمرار الاستيطان، والتهويد وليس لحل الصراع، حيث استخدمت إسرائيل مؤتمر مدريد عام 1991 واتفاق الإذعان عام1993 كغطاء لكسب الوقت والاستمرار في الاستيطان وممارسة العنصرية والإرهاب والتطهير العرقي والترحيل لكسر الإرادات الرسمية للحكام العرب وقيادة السلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية حيث نجح كيري في الحصول على غطاء عربي عن طريق حمد بن جاسم لخطته باسم الجامعة العربية، مما جعل الموقف الفلسطيني يقترب كثيراً من الشروط الإسرائيلية التي قدمها نتنياهو إلى كيري وعلى رأسها توفير غطاء عربي لتنازلات رئيس السلطة التي وافق عليها في مفاوضاته مع أولمرت وليفني وهي تبادل الأراضي وتعديل مبادرة السلام العربية التي وضعها اليهودي الأمريكي توماس فريدمان وأعطاها آنذاك إلى سمو ولي العهد السعودي الأمير عبد الله وفرضها الأمير السعودي على قمة بيروت عام2002 وأصبحت تعرف باسم مبادرة السلام العربية. وتؤدي الموافقة على تبادل الأراضي إلى شرعنة أكثر من 85% من كتل المستعمرات اليهودية الكبيرة في القدس الشرقية وبقية الضفة الغربية وضمها لإسرائيل وإلى عدم العودة إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967، وسابقة خطيرة جداً في العلاقات الدولية ستحاول إسرائيل تكريسها لإبعاد سورية عن شواطئ بحيرة طبرية الشرقية لمنعها من أخذ حصتها من مياه البحيرة طبقاً للقانون الدولي.

بحث جون كيري في بداية آب 2013 مع الجالية اليهودية الأمريكية حتمية التوصل إلى اتفاق إسرائيلي ـ فلسطيني وأشار كيري في هذا اللقاء إلى الالتزام الجاد الذي لمسه من جانب نتنياهو وعباس وأكد لهم أنه متفائل إزاء المحادثات وكرر نداءه لليهود الأمريكيين بتأكيد دعم عملية السلام وشدد على أن التوصل إلى اتفاق قريباً آخر من الناحية الاستراتيجية.

أكدت جامعة الدول العربية تأييدها ودعمها للموقف الفلسطيني في المفاوضات وأعربت عن ثقتها في جدية التحرك الأمريكي الحالي لإحياء عملية السلام.

وأكد نتنياهو في بيان أصدره بتاريخ 22/7/2013 أن استئناف عملية السلام يصب في المصلحة الحيوية الاستراتيجية لدولة إسرائيل، وهو أمر مهم بسبب التحديات التي تواجهها خصوصاً تلك التي مصدرها إيران وسورية.

وقال في بيانه أن يشدِّدَ على شروط إسرائيل على المستوى الأمني وعلى مستوى مصالحنا الحيوية وبرَّر نتنياهو موقفه بقوله: «بأنه سيعمل على إنهاء الصراع القائم والتفرُّغ للتحديَّات الأمنيَّة التي تواجهها إسرائيل من إيران وسورية».

ووافقت الحكومة الإسرائيلية في 28/تموز/ 2013 على طرح أي اتفاق يتمُّ التوصل إليه في المفاوضات للاستفتاء لكي يدلي كل مواطن بصوته في قضية ستحدد مستقبل الدولة وذلك بعد تصديق الحكومة و(الكنيست) عليه.

عارضت الفصائل الفلسطينية استئناف المفاوضات بسبب تراجع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية حتى عن الشروط التي وضعتها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير؛ ومنها وقف الاستيطان بما فيه مدينة القدس المحتلة، وأن تكون حدود الرابع من حزيران عام 1967 المرجعية وإطلاق سراح أسرى ماقبل توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو.

عاد المفاوض الفلسطيني إلى طاولة المفاوضات استجابةً لضغوط إدارة أوباما التي هددت بالعصا والجزرة ودعم جامعة الدول العربية لخطة كيري.

إن الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه الوطنية ترفض العودة إلى المفاوضات الكارثية، وترفض التنازل عن حقوقه وثوابته الوطنيةو على رأسها تحرير القدس مدينة الإسراء والمعراج، وعودة اللاجئين إلى ديارهم وتؤكد على عدم شرعيتها وعلى أن رئيس السلطة لا يحمل تفويضاً بالعودة إليها حتى من القيادات التي شكَّلها.

فشلت قيادة السلطة الفلسطينية من خلال المفاوضات الكارثية التي استمرت أكثر من عقدين من الزمن وتوقيع اتفاقات الإذعان الانتقال في الضفة والقطاع من مرحلة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني إلى مرحلة الحرية والاستقلال وعودة اللاجئين إلى ديارهم.

إن الحل العادل والشامل والدائم والقانوني والإنساني هو بزوال كيان الاستعمار الاستيطاني والعنصري وإقامة الدولة الديمقراطية في كل فلسطين التاريخية لكل مواطنيها من عرب ويهود بحيث يتساوون بالحقوق والواجبات أمام القانون وبدون استعمار استيطاني وعنصري وتطهير عرقي وتعصب قومي ورجعية، دولة ديمقراطية علمانية مدنية للعرب واليهود بدون كراهية وبغضاء وبدون تمييز ديني أو طائفي أو قومي.

عناوين فرعية

ـ تجري المفاوضات برعاية يهود الإدارة الأمريكية لحل مشكلة إسرائيل وليس لحل قضية فلسطين حلاً عادلاً.

ـ ألبس كيري الخطة التي وضعها معهد الأمن القومي اليهودي في جامعة تل أبيب في نيسان 2013 بلباس أمريكي ويعمل على فرضها على المفاوض الفلسطيني.

ـ يعتبر مارتن انديك من دهاقنة الاستعمار الاستيطاني اليهودي.

ـ تمارس إدارة أوباما الترهيب والترغيب /العصا والجزرة/ على المفاوض الفلسطيني لتخليد وجود إسرائيل في الوطن العربي.

ـ نتنياهو يعمل على تحقيق السلام الاقتصادي والسلام مقابل السلام بدلاً من السلام مقابل الأرض. 

د. غازي حسين