المستوطنات: ما لم ينتبه إليه العالم منذ “أوسلو” !

الكاتب: درور أتاكس / نشر في: هآرتس , 09/12/2013

تُقدم السياسة الاسرائيلية كما تعلمون غير قليل من الأمثلة الفكاهية في كل يوم، لكن يبدو أن التحول الذي كُشف عنه مع نشر مناقصات وزارة الاسكان لبناء آلاف الوحدات السكنية في المستوطنات وطيها فورا بأمر من رئيس الوزراء، هو ذروة جديدة حتى بحسب مصطلحات السياسة المحلية. وكانت الدعوى وراء أمر الالغاء الهستيري، الذي صدر عن بنيامين نتنياهو، أن “هذه ليست اللحظة المناسبة لأن اسرائيل في وضع حساس”. أجل، تبين فجأة بين التفاوض المتعثر الذي يجري مع السلطة الفلسطينية والذي يهتم نتنياهو بتحميل الفلسطينيين تبعة فشله، والتفاوض الزاهر بين ايران والقوى العظمى الذي يتمنى نتنياهو فشله في الوقت نفسه، أن ليس هذا هو الوقت لبناء المستوطنات.

يمكن أن نفهم لماذا يرى من يحيطون بنتنياهو – الذين يتلخص عالمهم السياسي في شعار: يجوز لاسرائيل أن تفعل في الضفة ما شاءت بشرط ألا يعلم العالم الغربي الذي تعلقها به مطلق ومباشر، بما تفعل – أن ليس هذا هو الوقت المناسب، لكن ربما يكون هو الوقت المناسب للتذكير بما فعلته اسرائيل في “المناطق” في العقود التي اختار فيها العالم الغربي ألا ينتبه الى أفعالها الآثمة فيما يتعلق بتوسيع مشروع الاستيطان. 

وبرغم أن الكلام قيل مرات لا تحصى فوق منابر مختلفة، ينبغي تكراره لفهم عمق وخطر التثبيط الذي أصاب به الطرف الاسرائيلي قواعد مسيرة “أوسلو”.

حسب معطيات المكتب المركزي للإحصاء، كان يعيش في المستوطنات في نهاية 1993 – من غير شرقي القدس – نحو 110 آلاف مستوطن. ويعيش اليوم في المستوطنات نحو 355 ألفا. أي أن عدد المستوطنين تضاعف في هذه السنوات أكثر من ثلاث مرات. ولكي نفهم مبلغ كون هذه الاعداد تتجاوز الزيادة السكانية العامة التي حدثت في إسرائيل في تلك السنوات نذكر أنه لو زاد عدد سكان الدولة بدرجة مشابهة لأصبح اليوم أكثر من 16 مليون نسمة في حين يبلغ اليوم نصف هذا العدد فقط.

ونقول لمن يعتقد أن الزيادة غير العادية في عدد المستوطنين في تلك السنوات اعتمدت فقط أو في الأساس على زيادة الولادة التي تنبع من الطبيعة الحريدية المتدينة لأكثر اولئك السكان، نذكر أنه حسب معطيات المكتب المركزي للإحصاء في السنوات 1994 – 2001، حينما كانت الزيادة السنوية لسكان المستوطنات هي الأسرع، يُنسب ثلثا الزيادة العامة الى الهجرة من اسرائيل ومن خارجها الى المستوطنات، فقد اعتمد الثلث فقط على الولادة. ومنذ سنة 2001 فقط في واقع الامر – بعد نشوب الانتفاضة الثانية التي أفضت الى انخفاض حاد لعدد الاسرائيليين الذين انتقلوا الى المستوطنات – انقلبت النسبة بين عاملي الزيادة فأصبحت الولادة هي العامل المركزي في الزيادة العامة في سكان المستوطنات.

وقد عبر عن الزيادة السكانية المتطرفة بالطبع ايضا نسب بناء وحدات سكنية في المستوطنات. فحسب معطيات المكتب المركزي للإحصاء بُني في المستوطنات (من غير شرقي القدس) منذ بدء 1994 حتى نهاية 2012، 38744 وحدة سكنية. لكننا اذا حسبنا آلاف المباني، التي أُقيمت في البؤر الاستيطانية بصورة غير قانونية والتي لا تشتمل عليها معطيات المكتب المركزي للإحصاء، والبناء الرسمي وغير الرسمي الذي تم في سنة 2013 والذي لم يُكشف عن مقداره الى الآن، فمن المنطق أن نفرض أن يكون العدد الحقيقي للوحدات السكنية التي زيدت على المستوطنات منذ بدأت مسيرة “اوسلو” الى اليوم حوالي 42 ألفاً.

ويضاف الى كل ذلك أنه في السنوات التي مضت منذ التوقيع على اتفاق اوسلو، ضاعفت اسرائيل عدد المستوطنات في الضفة الغربية تقريبا، إذ انشأت أكثر من 100 مستوطنة جديدة ما زالت تسمي أكثرها لأسباب سياسية فقط “بؤرا استيطانية”. بيد أن جزءا كبيرا من هذه البؤر الاستيطانية يُجرى عليها في السنوات الاخيرة تبييض وتطوير لتصبح مستوطنات رسمية بتشجيع الحكومة ونفقتها، وبذلك زاد كثيرا عدد الوحدات السكنية التي سيمكن بناؤها في المستقبل.

إن مهاجمة أوري ارئيل، الذي عُين وزيراً للإسكان كي يفعل ما يفعله بالضبط، واتهامه بالمس بالتفاوض السياسي ليس فيه عدل ولا يعترف بالحقائق الأساسية، فهذه الحقائق تشير الى مشاركة كل الحكومات العميقة، التي تولت الامور منذ بدأ اتفاق “اوسلو”، في الافساد المنهجي المستمر لمسيرة السلام وخيار تقسيم البلاد الى دولتين لشعبين.