القدس في مواجهة التهويد والاستيطان.. عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح إدريس

استوقفني أحد مشايخ الوعظ والاستفتاء في إحدى الفضائيات السعودية وهو يتحدث عن المعاني الفقهية لإسراء الرسول ومعراجه إلى السماء من المسجد الأقصى.. وقد تركز حديثه على مسائل العبادة والمسلكية الفردية لعلاقة الإنسان بربه.. ولم يتطرق لمسألة الأهمية المكانية الإيمانية للمسجد الأقصى والقدس وفلسطين وبلاد الشام عموماً.. وهي أصل العلاقة الإيمانية المرتبطة ارتباطاً تاماً بكونها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين في الإسلام. هذا الربط الإلهي الذي يجعلهما –أي المسجد الأقصى والقدس- في صنو واحد مع مكة والمسجد الحرام. ومن ثم المتطلبات الجهادية من المسلم في الدفاع عنها والحفاظ على نقائها الروحي وطهارتها المكانية من المعتدين والمحتلين. وهو كغيره وهم كثر ممن أطلقوا على أنفسهم مشايخ وعلماء دين..

يحاولون التستر على المعنى الإيماني الجهادي والمكانة القرآنية الإلهية للمسجد الأقصى والقدس وما حولها لتشمل فلسطين وبلاد الشام أرض الرباط التي باركها الله ونبيّه الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم). ونحن نقول بما تيسر من النصوص القرآنية والسيرة النبوية العظيمة بأنه أي فصل أو استهانة بوضع القدس والمسجد الأقصى الإيماني هو بالتأكيد انتقاص لصلة الإنسان التعبدية بربه ومحكم كتابه.

ومحاولات جهات وتنظيمات تعمل تحت يافطة الإسلام اليوم لتجاوز هذه المكانة أو إرجائها أو التصرف وفق قاعدة مزيفة بحجة التعامل والتطبيع مع أهل الكتاب اليهود هي محاولات خطيرة، وخارجة عن الإسلام الصحيح” لأنّ انشغالها وارتدادها إلى التخاصم والتقاتل مع المسلمين أنفسهم وتكفيرهم وتدمير قراهم وبيوتهم واستباحة دمائهم وسبي نسائهم إنما هو غاية في الإجرام والخروج عن طاعة الله، وتدمير للقيم الإنسانية التي باركها الله في محكم كتابه وفي الخيارات التعبدية والمسلكية للإنسان التي سيحاسب عليها يوم القيامة..

واليوم ينتقل بنا الإعلام السعودي والفضائيات السعودية إلى نهج آخر وانحراف ديني آخر عنوانه تهويد المصطلحات لتتلاءم مع حالات التطبيع والتنسيق مع الكيان الصهيوني المحتل للمقدسات الإسلامية والمسيحية، وليتلاءم أيضاً مع دفع نفقات استشفاء الإرهابيين الذين يعيثون خراباً في مناطق الفصل في الجولان تحت الحماية الصهيونية.

لقد تبرع الإعلام السعودي المتمثل بفضائية العربية بوصف الأماكن المقدسة والمسجد الأقصى باصطلاح جديد، واعتباره (مجتمعاً دينياً مقدساً) إشارة لإعطاء الإسرائيليين اليهود مكانة وحقاً (شرعياً) واعترافاً من الباب الخلفي بالادعاءات الصهيونية بحصة لهم كاملة في المسجد الأقصى!! الذي يعتبرونه مكاناً شيد على أنقاض (الهيكل) الذي ينوون إعادة بنائه اليوم في نفس المكان!! ويمكننا أن نتخيل الوقاحة التي لا مثيل لها للفضائية السعودية (العربية). بعد أن تخطت كثيراً البنية الأخلاقية والقيمية والمهنية التي يقوم عليها الإعلام النزيه والملتزم بالقيم الدينية والإيمانية والإنسانية. لم تكتف وسائل إعلامية سعودية كثيرة بالتحريض على القتل والتدمير في سورية وليبيا واليمن بل تمادت إلى تخطي الخطوط الحمر المتعلقة بالمكانة المقدسة الإسلامية للقدس..

اليوم ونحن على أبواب الذكرى 97 لوعد بلفور المشؤوم الذي أسس لإقامة كيان صهيوني غاصب، يقوم على العدوان والقتل والتشريد ما تزال آثاره التدميرية على المنطقة العربية والمقدسات الإسلامية والمسيحية قائمة، بل هي على اضطرادٍ مستمر. فالتهويد والاعتداء على القدس ومقدساتها قائم اليوم. والاستيطان يملأ الأرجاء في كل مكان. بعد أن توطد الكيان الصهيوني في المدن والقرى والسهول والجبال الفلسطينية في كل مكان، وقطعان المستوطنين يعيثون فساداً في الأرض الفلسطينية.. والمنظرون والاستراتيجيون الصهاينة يعملون اليوم على أمرين اثنين: الأمر الأول الدعوة إلى الخروج على الالتزامات الدولية بشأن إقامة دولة فلسطينية بجانب (دولة) الكيان الصهيوني!! وإلغاء كافة الالتزامات التي تخص الفلسطينيين في اتفاقيات أوسلو بل تجاوزها وإلغائها كلياً بعد الإلغاء العملي الذي تم خلال السنوات الماضية.. وضم الضفة عموماً إلى (إسرائيل) وإعطاء الفلسطينيين حكماً ذاتياً بل إدارة ذاتية مدنية. والأمر الثاني: يعمل الإسرائيليون والمنظّرون الاستراتيجيون والمؤسسة الدينية اليهودية على التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى والأوابد الإسلامية المقدسة. بمعنى أن يعطي المتدينون واليهود الإسرائيليون وقتاً محدداً خاصاً بهم للدخول إلى الأماكن المقدسة الإسلامية للتعبد وممارسة طقوسهم فيها. ويعني من الناحية المكانية تخصيص اليهود بقسم مكاني من المسجد الأقصى وملحقاته يكون ملكاً صافياً للعبادة اليهودية الصهيونية!!.. إذا كان هذا الطرح اليوم هو مجرد تنظير وتخطيط سابق لأوانه.فعلينا أن نحترس ونتلمس الخطر منذ اليوم. فالصهاينة منذ أكثر من مائة عام يخططون ثم ينفذون. والعرب للأسف لم يتلمسوا مواقع الخطر في كل الحقب التي مرت بها المخططات الصهيونية لفلسطين والقدس والمنطقة وآخرها هذا الحلم الطائفي بتقسيم المنطقة العربية إلى دويلات طائفية، وتوظيف المنظمات الإسلامية المتطرفة التكفيرية لتكون أدوات هذا الحلم.. الذي يعيث تكفيراً وكراهية وطائفية في العراق وسورية وغيرها من البلدان العربية.

وعودة إلى العامل الروحي في هذا الجانب من الصراع مع عدونا الصهيوني. فكما بات معروفاً اليوم فإن الآثاريين الصهاينة بعد سنوات طويلة من الفشل المتراكم أقرّوا بعدم وجود دليل للمسميات التوراتية على الأرض بما فيها الحفريات تحت المسجد الأقصى وحوله!! ولا يوجد بذلك أي أثر للإسناد التاريخي الذي يدّعونه في هذا المكان على الإطلاق. ومع ذلك فالاستراتيجيون الصهاينة يدركون اليوم وبشكل عميق أنهم يستمدون وجودهم وشرعية وجودهم في فلسطين والمنطقة من الواقع الذي يمثلونه على الأرض وعلى الدعم الاستعماري غير المحدود لكيانهم ومشروعهم الاستيطاني. وهم اليوم يستفيدون من انشغال العالم والمحيط المعادي لهم بداعش والتنظيمات التكفيرية الأخرى للمضي قدماً بتصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية تقوم كما قلنا على ضم الأرض وإعطاء السكان إدارة ذاتية محلية!!

وهكذا فإن المفاوضات التي تستغرق عشرات السنين كانت فرصة للإسرائيليين لتهويد وتقليص (المشروع الوطني الفلسطيني) على أمل موافقة سلطة أنشأوها وغذوها بأنفسهم لتكون وسيلة لتمرير الخطط الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية!! وذلك بالتراجع الاستراتيجي الذي قدمه الأوسلويون خلال مراحل المفاوضات. رغم أن التطهير العرقي كان هو المظهر الأيديولوجي السائد للحركة العنصرية الصهيونية في فلسطين. فالأرض استبيحت وقلعت أشجار الزيتون التي قدسها الله في قرآنه الكريم، وهدمت البيوت واستولى المستوطنون على قسم كبير من البيوت المقدسية.وهكذا فالمقدسيون أكثر من غيرهم يواجهون التهويد والاستنزاف في التعليم والتربية، وشروط البناء القاسية والضرائب وهدم البيوت ودفع تكاليف هدمها. وملاحقة الفلسطينيين المحتجين المنتفضين واعتقالهم أو قتلهم.. ورغم كل هذا العسف العنصري الصهيوني. فالعرب والمسلمون منشغلون بدعم الإرهاب وتدمير الدولة الوطنية وإسقاط الأنظمة المقاومة.. في حين أن القدس تحتاج إلى صندوق دعم كبير قبل أي تضامن سياسي بارد لا قيمة له.

الكيان الصهيوني اليوم في حالة انتعاش وتمادي كامل. فهو يحاول الاستعاضة عن التحولات البطيئة الغربية والأمريكية إن صح ذلك، بإقامة علاقات تعاون مع دول إقليمية خليجية على رأسها السعودية وقطر. ورغم كل ما قيل إن العلاقات الإسرائيلية مع الولايات المتحدة يشوبها التوتر وعدم الارتياح، ورغم كل الشكوك حول هذا التحول، فالواقع يشير إلى أنها تستفيد من ضعف الجيوش العربية وانشغالها، ويتيح لها المضي في تطبيق كثير من الطموحات التي طالما سعت إليها في الماضي. وحتى التقارير الإعلامية الإسرائيلية التي تقول: بأن الرئيس أوباما هدد برفع غطاء الفيتو الممنوح لإسرائيل مشكوك به حقيقة. مع أن الكيان الصهيوني اعتبره تهديداً يمسُّ في أساس وجوده..

كما ذكرت (معاريف) إن مقربين من نتنياهو ينتابهم إحساس قوي بالقلق بعد أن علموا بأن الرئيس أوباما يعتزم التخلي عن (إسرائيل) في الأمم المتحدة، واعتبروا هذا التحول (مروّعاً ويمس بجوهر العلاقات).. ويظل السؤال دائماً هل يمكن أن تتخلى الولايات المتحدة عن دعم إسرائيل المطلق والكامل بما فيه الدعم الدائم والتغطية الكاملة في الأمم المتحدة؟ نعتقد أن ذلك أمر مشكوك فيه تماماً.. وإن كان الأمر يبدو نوعاً من العتب والندم من التصرفات الإسرائيلية الخارجة عن المألوف بالنسبة للإدارة الأمريكية!!

كثير من المعطيات بدأت تتغير اليوم في المنطقة بفعل الإرهاب وصعود داعش إلى سلم الأحداث. مما دفع رئيس الدبلوماسية الأمريكية الأسبق اليهودي هنري كيسنجر إلى القول: إنه تم تدمير الحاضنات الشعبية العربية للقبضة الفلسطينية، وخاصة في الدول المتاخمة للكيان الصهيوني.. ونستطيع أن نضيف إن إشغال الجيوش العربية اليوم التي تواجه الإرهاب والمحاولات الفاشلة لتفكيكها، يضيف إلى مقولة كيسنجر بعداً آخر، بما يخدم إسرائيل من تحوّل في مواقفها على صعيد نيتها تصفية القضية الفلسطينية إلى رؤى محلية ذاتية.. ونقول أيضاً إن عمل التنظيمات الإرهابية التكفيرية على تدمير دور العبادة والمساجد والكنائس يوفر (لإسرائيل) البيئة النفسية والأخلاقية لتدمير المسجد الأقصى وغيره من الأوابد المقدسة ونزع القدسية عنها، ونقول هنا وقبل ذلك وعلى مدى صراعنا مع العدو الصهيوني والمشروع الاستعماري الاستيطاني الذي عمل عليه الغرب لزرعه بين ظهرانينا بأنه لم يكن ليتحول إلى مكسب خالص لليهود لو ارتقى العرب إلى مستوى الخطر.. وأمام الانتكاسات الاستراتيجية للعرب المتكررة حيال تطور المشروع الصهيوني، فإن الإسرائيليين صنعوا تاريخاً من الاستيلاء والقضم التدريجي لفلسطين والمقدسات والأوابد في كل مكان من فلسطين.

وأخيراً نقول إن البعض ما يزال يراهن على الأمم المتحدة التي طالما كانت الداعم الأساس للمشروع الصهيوني، يراهن على نقل ملف القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.. فهل هذا النقل يمكن أن يعيد للفلسطينيين حقوقاً مسلوبة وأرضاً منهوبة!!؟؟؟.

عبد الفتاح إدريس