القاهرة– موسكو عود على ذي بدء – معن بشور

ألاف المصريين المحتشدين على كورنيش البحر في الإسكندرية ليحيوا فريق الشرف من البحارة الروس الذين أقلهم الطراد الحربي الروسي (فارياج) في زيارته قبل يومين للساحل المصري، كانوا يحيّون “ضيوفهم” الروس بما هو أكثر من الضيافة العربية المعروفة،

بل أيضاً بما يحمل استبشاراً وأملاً بأن العلاقات بين القاهرة وموسكو ستعود إلى زاهر عهدها في الخمسينيات حين كانت مصر بقيادة ناصر منارة مشعّة في المنطقة والعالم، وحين كان الاتحاد السوفياتي الطرف الآخر في معادلة القوة التي تقرر مصير الكون.

لم تكن زيارة الطراّد الروسي يتيمة في مسار العلاقات الروسية– المصرية بعد 30 يونيو 2013، بل كانت حلقة في سلسلة زيارات ازدحم بها مطارا القاهرة وموسكو مؤخراً، كان آخرها زيارة وفد “شعبي” مصري يضم شخصيات سياسية وحزبية وإعلامية تمّ استقباله بحفاوة استثنائية في العاصمة الروسية، كما زيارة وزيري الخارجية والدفاع الروسيين اليوم إلى القاهرة، والتي أحب وزير خارجية مصر أن يطلق عليها اجتماع 2 + 2 لإضفاء أهمية استثنائية على زيارة تاريخية، وللارتقاء بها إلى مصاف اجتماعات الأقطاب التي يجري خلالها اختصار الأسماء بأرقام، كما هي حال اجتماعات جنيف الإيرانية مؤخراً (5+1)، وغيرها من الاجتماعات الدولية الهامة.

جدول أعمال “السيرغيين” لافروف وشويغو إلى القاهرة سيكون مزدحماً بالتأكيد، لا لأنه سيتضمن أموراً عسكرية واقتصادية وإستراتيجية فقط، ولا لأنه سيتناول العلاقات الثنائية بين البلدين فحسب، بل لأنه سيطل على جملة قضايا إقليمية ودولية تستعيد من خلالها مصر دورها العربي والقومي، وتستعيد روسيا دورها الدولي والأممي.

ولعل أبرز ما في هذا التطور المتسارع للعلاقات بين الدولتين المصرية والروسية، أن القيادتين حريصتان على التأكيد أن تعاونهما ليس موجهاً ضد أحد، وإنما موجه لمصلحة البلدين والقضايا التي تهمهما، وهذا الحرص بات أحد ملامح النضج في سياسات الدول من جهة، كما هو سمة من سمات العلاقات الدولية المعاصرة، حيث سقط الاستقطاب الثنائي الذي تلازم مع قواعد الحرب الباردة وشروطها في النصف الثاني من القرن الماضي، كما سقطت القطبية الأحادية التي أغرّت واشنطن بالانزلاق في حروب ومغامرات، في العقد الأول من القرن الحالي، تحولت إلى عناوين لأزمتها البنيوية المتفاقمة يوماً بعد يوم، بل تقدّمت مكانهما فكرة التعايش العقلاني بين دول كبرى على المستوى الدولي، وأخرى كبرى على المستوى الإقليمي، ناهيك عن حركات تستعيد للشعوب دورها وللمقاومة ألقها ووهجها.

بين القضايا الأكثر إلحاحاً على العاصمتين هي القضية السورية، بكل تعقيداتها وتداعياتها، حيث تدرك القاهرة، لاسيّما قواتها المسلحة، عمق الترابط بين أمن مصر القومي وأمن سوريا القومي عبر التاريخ القديم والمعاصر، وهو الأمن الذي ما تصرّف البلدان في ضوء احتياجاته إلا وكتب لهما، والأمّة كلها، النصر على الأعداء، وما تجاهل البلدان، أو أحدهما، متطلبات هذا الأمن القومي إلاّ واختلّت الأوضاع والموازين داخل البلدين وعلى مستوى الأمّة والإقليم.

وبالمقابل فإن موسكو تدرك أنها دخلت في الخمسينيات العالم من أوسع أبوابه من خلال مصر وسوريا معاً، بعد أن حاصرها الحلف الأطلسي خلف جدار حديدي سميك لم تنفع معه كل هيمنتها على أوروبا الشرقية، كما لم تتمكن، رغم وجوده، من تجنّب الحالة العدائية وبين “رفيقتها” بكين، فتحوّلت “الرفقة” العقائدية بين البلدين الكبيرين إلى تنافس وتدافع وتناحر وشبه احتراب آنذاك، كما تدرك موسكو اليوم أنها عادت اليوم وبقوة إلى مسرح العلاقات الدولية بفضل الصمود السوري بوجه أخطر أشكال الحرب والعدوان التي استغلّت مطالب شعبية مشروعة لتنفيذ أجندات استعمارية مشبوهة، وهو صمود لا يمكن إلاّ لناكري الجميل أن يقلل من دور روسيا وإيران والصين ودول البريكس في تحقيقه..

ومن هنا فالبلدان مؤهلان للعب دور في التعجيل بإخراج سوريا من واقعها الدامي والتدميري، بل من أسر إرهاب يهدّد القاهرة وموسكو أيضاً، فالرئيس الذي يحضّر نفسه لزيارة تاريخية إلى القاهرة بعد انتخابات الرئاسة فيها، يتولى أمر واشنطن ويحمي تفاهمهما على عقد جنيف (2) من معرقلي انعقاده، وما أكثرهم داخل أمريكا وخارجها، فيما تتولى القيادة المصرية أمر الرياض التي باتت تراهن كثيراً على علاقتها بالقاهرة لمواجهة أحلاف عدّة في الإقليم والعالم لم تجد لها مكاناً فيها.

ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ فقط فلروسيا أيضاً دورها في إقناع تركيا، وفي التعجيل بالانعطافة القطرية نحو موقف جديد في الأزمة السورية، كما في تطوّر العلاقات مع الرياض في لحظة “توترها” مع واشنطن، كما إن للقاهرة دور في التأثير على دول غربية وإقليمية عدّة، بحيث إذا تضافرت جهود روسيا ومصر ومعهما إيران، ودون استبعاد جهات عربية وإقليمية ودولية فاعلة، فإن نقطة ضوء في حلّ الأزمة السورية تلوح في نهاية النفق السوري الدموي.

المصريون جميعاً يدركون، كما أشار الكاتب البارز مصطفى بكري، أحد أبرز وجوه الوفد “الشعبي” المصري إلى موسكو قبل أيام، أن هناك جرحاً عميقاً في الذاكرة الروسية تجاه انقلاب أنور السادات على المعاهدة الإستراتيجية مع موسكو، وطرد 15000 خبير عسكري سوفياتي عام 1972، ويقولون لقد ساعدتنا موسكو على الانتصار في الحرب على العدو، فإذا بحكومتنا تعطي واشنطن ثمار الانتصار، لكن المصريين الذين يتابعون ملف العلاقات المصرية – الروسية يلاحظون أن الروس تجاوزا جراحهم، وأنهم يعملون وفق نصيحة فلاديمير لينين مؤسس الدولة البلشفية “بأن الأحقاد موجه سيء في السياسة”، وهي نصيحة يبدو أن فلاديمير بوتين أكثر الحريصين على تطبيقها.

فهل نحن أمام مرحلة جديدة يستعيد فيها العرب عنفوانهم، عبر مصر وسوريا، كما كان الأمر في أواسط الخمسينيات، وتستعيد فيها روسيا القها وإشعاعها الذي انطلق بالأمس من معركة العرب ضدّ الأحلاف والعدوان، وينطلق اليوم من معركتهم ضدّ الاحتلال والتدخل الاستعماري والعدوان.