الغرب ينزع شرعية الخيار العسكري ضد ايران

الكاتب: زكي شالوم / نشر في: نظرة عليا , 09/12/2013امريكا-ايران ‫‬

ردا على الانتقاد العلني المتواصل لاتفاق جنيف يميل قادة الدول العظمة الخمسة زائد واحد الاعراب عن تفهم للشك السائد في اسرائيل وغيرها من الدول في المنطقة في مدى صدق ايران للايفاء بتعهداتها في اطار الاتفاق. ومع ذلك فانهم يشددون بان هذا اتفاق ذو طابع مؤقت ومحدود يرمي الى خلق اجواء اكثر راحة تمهيدا للمباحثات على التسوية الدائمة مع ايران في مسألة نشاطها النووي.

على هذه الخلفية من الصعب فهم مظاهر الفرح والتحبب للمندوبين الايرانيين الذي اجتاحت قادة الدول الخمسة زائد واحد بعد التوقيع على الاتفاق. من الصعب الافتراض بان’ مندوبي الدول العظمى لم يفهموا بان مكانة كهذه تنطوي على رسالة بانه طرأ تغيير دراماتيكي بالنسبة لايران في اعقاب الاتفاق.

ومن الان فصاعدا هكذا يفهم من حماية الدول العظمى. حتى وان لم تكن هذه نيتها، ينبغي النظر الى ايران كدولة تنخرط في ‘اسرة الشعوب’ وكذا جهة تساهم في حل الازمة اكثر مما هي جهة مسؤولة عن وجود هذه الازمة. عمليا يتخذ هذا التصوير معنى استراتيجيا هو أن ايران تبتعد عن مكانة الدولة المتطرفة والمنعزلة التي من الجدير ومن الشرعي العمل ضدها، في ظروف معينة، بوسائل عسكرية.

التصريحات ضد الخيار العسكري

منذ التوقيع على الاتفاق مع ايران، كثرت تصريحات قادة الدول العظمى وعلى رأسهم الرئيس اوباما ضد طرح الخيار العسكري حيال ايران كخيار واقعي. وفضلا عن ذلك، فقد’ اهتم الرئيس اوباما بالتعبير في كل خطاب له تقريبا عن انتقاد لاذع وان كان مبطنا على من يعرض، بغير صالحه، ورغم نفيه، كمروج لاستخدام الخيار العسكري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

تشير هذه التصريحات على نحو ظاهر الى أن الدول العظمى ترد الرسالة التي تنطوي عليها تصريحات منتقدي الاتفاق على رأسهم نتنياهو وبموجبها: ايران ترى في المشروع النووي مصلحة وطنية عليا لها وهي لن تتخلى عن تحقيقه الا اذا ما تبين لها على نحو مؤكد بان ‘سيفا حادا’ موضوع على رقبتها، أي وجود خيار عسكري، والادارة الامريكية مصممة على تطبيقه اذا لم تستجب ايران لمطالبها. اما تصريحات قادة الدول العظمى فتعرض طريقة تفكير مختلفة جدا وبشكل تظاهري.

حتى قبل أن يوقع الاتفاق، تكبد الرئيس على ايضاح تحفظه على الخيار العسكري والاولوية العليا التي يعطيها لتحقيق تسوية بطرق سلمية. فقد قال الرئيس ان الولايات المتحدة في 14 تشرين الثاني 2013 تفضل ان تكون ايران هي التي تقرر بانها لا ترغب بسلاح نووي ونحن نراقب ذلك فقط. ولم يكتفِ الرئيس بذلك بل وتكبد عناء التشديد على اقوال مفهومة من تلقاء نفسها في سياق المخاطر التي ينطوي عليها العمل العسكري: الا يهم كم هو جيشنا جيد’، يقول الرئيس، ‘فالخيارات العسكرية هي دوما اشكالية (messy) صعبة الى التنفيذ وتنطوي على خطر نتائج لم يخطط لتحقيقها.

فضلا عن ذلك أعرب الرئيس عن شكه في جدوى الخيار العسكري حيال ايران. ليس واضحا على الاطلاق، كما أوضح، اذا كان مثل هذا الخيار سيؤدي الى وقف النشاط النووي الايراني. بل ربما يدفع ايران الى تسريع نشاطها في هذا الاتجاه بشدة أعظم (more vigorously). وفي هذه التصريحات تكمن رسالة واضحة من الرئيس: حتى لو انتهت العملية العسكرية بـ انجاحب فلا ضمانة في أن تردع ايران عن مواصلة نشاطها النووي بل وبشدة اعظم. ومن شبه المؤكد انه في اقوال الرئيس تكمن ايضا رسالة مبطنة لاسرائيل ذ اذا كانت الولايات المتحدة، التي قدراتها العسكرية أكبر بلا قياس من قدرة اسرائيل، تبدي شكوكا حول جدوى العمل العسكري حيال ايران، فان اسرائيل ملزمة بان تكون اكثر شكا بكثير.

في الخطاب الذي القاه في 23 تشرين الثاني 2013 كرر الرئيس اللازمة التالية: فهو يقول انه ‘في نهاية المطاف الدبلوماسية وحدها يمكنها أن تؤدي الى حل بعيد المدى للتحديات التي تطرحها نشاطات ايران النووية. والادارة ستفعل ما هو مطلوب كي تمنع ايران عن تحقيق قدرة نووية’. وفي السياق يسعى الرئيس الى تمييز نفسه عن زعماء آخرين (والمقصود على أي حال نتنياهو). فالرئيس يقول ان ‘من واجبي الاعلى حل المشاكل بالطرق السلمية وليس المسارعة نحو المواجهات’.
وفي الخطاب الذي القاه في 25 تشرين الثاني 2013 عاد وكرر الرسالة الانتقادية الواضحة لرئيس الوزراء نتنياهو: ‘لا يمكننا أن نغلق الباب امام الدبلوماسية’، يقول الرئيس في ظل هتاف الجمهور، ‘ولا يمكننا أن نستبعد حلولا بالطرق السلمية لمشاكل العالم. لا يمكننا أن نكون ملتزمين بدوائر لا تنتهي من المواجهات. الحديث الحازم والتهديدات العابثة قد تكون طريقا مريحا من ناحية سياسية، ولكن هذا ليس السبيل الافضل لتثبيت أمننا’.

ومرة اخرى في الغداة في 26 تشرين الثاني 2013 يكرر فيوضح تمسك الولايات المتحدة بالتزامها منع ايران من تحقيق قدرة نووية. اضافة الى ذلك يشدد على زياراته الكثيرة الى المستشفيات العسكرية حيث ينزل فتيان ارسلوا الى القتال من أجل بلادهم والثمن الباهظ الذي دفعوه على هذه الحروب. وبالتالي فانه يشدد ‘سأفعل كل ما في وسعي كي احل هذه الازمة دون الاضطرار الى مواجهة عسكرية. فنحن (وربما خلافا للاخرين) لا ننشغل هنا بالسياسة ولا في الالعاب. فالمخاطر التي تنطوي عليها قراراتنا عالية جدا. نحن (وربما خلافا لزعماء آخرين)، لا نتخذ القرارات على اساس المنفعة السياسية ولا على أساس قول يمنحنا عنوانا طيبا في صحيفة الغد.

وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ صاغ اقواله بشكل اكثر مباشر بل واكثر تهديدا ضد امكانية اتخاذ عمل عسكري ضد ايران يقوض الاتفاق القائم. وهو يشدد على أن بريطانيا ستوضح لكل جهة في الساحة الدولية، بما فيها اسرائيل، معارضتها لاتخاذ خطوات تؤدي الى تقويض الاتفاق. ويعد بان بريطانيا ستوضح هذا الموقف لكل ذوي الشأن.
وانضم الى المحذرين من استخدام الخيار العسكري وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس ايضا. ففي مقابلة اعطاها في 25 تشرين الثاني 2013 اعرب عن رأيه بان في نهاية المطاف سيحسن الاتفاق مع ايران أمن دول المنطقة. وردا على سؤال هل توجد امكانية ضربة وقائية من جانب اسرائيل في اثناء الاشهر الستة القريبة أجاب الوزير بالنفي: ‘ليس في هذه المرحلة’، يقول فابيوس. لان ‘احدا لن يفهم هذا’.

الخلاصة

ان التصريحات المتكررة لرئيس الوزراء نتنياهو بموجبها اسرائيل لا ترى نفسها ملتزمة بالاتفاق مع ايران وفي انتقاده اللاذع للاتفاق، طرحت كما يمكن اخذ الانطباع مخاوف في اوساط الدول العظمى من هجوم عسكري اسرائيلي ضد ايران حتى في فترة الاتفاق في النصف سنة القريبة. مثل هذا الهجوم، كما يخشى، وعن حق، زعماء الدول العظمى سيؤدي الى انهيار الاتفاق التي بذلت لتحقيقه جهود جمة.
على هذه الخلفية تتضح جهود مكثفة من قادة الدول العظمى لخلق نزع الشرعية عن الخيار العسكري. كما يمكن أن نأخذ الانطباع فان هذه الجهود تتركز في هذه المرحلة، لمنع عملية عسكرية اسرائيلية حتى انتهاء مفعول الاتفاق الحالي. تصريحات الرئيس اوباما هي الابرز في هذا السياق.