العلاقة العميقة بين إسرائيل وأميركا: قصة من الماضي

الكاتب: ايتان هابر / نشر في: يديعوت , 28/11/2013

سيوجد قراء، بعد أن ينهوا قراءة هذه السطور، سيقرصون جلودهم ويقولون: لا يُصدق. وسيوجد آخرون، وهم الذين يؤمنون بتفوق العرق اليهودي، سيسألون قائلين: ليكن، فماذا، إذاً؟ ويقولون باستخفاف “صفقة كبيرة”. وسيوجد آخرون ايضا وهم قلة ستغضبهم هذه المقالة المنشورة، فلا يُتعامل مع العلاقات بين الزعماء والدول على هذا النحوالعلاقة العميقة بين إسرائيل وأميركا: قصة من الماضي

إن السكوت عن هذه القصة غير المهمة حسن، لكن الدرك الذي بلغت اليه علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة يدعوني في هذه الساعات الصعبة خاصة إلى أن أعرضها باعتبارها مثالاً على عمق العلاقات التي كانت في الماضي بين رئيس للولايات المتحدة وإسرائيل.

يدور الحديث في هذه الحال عن اسحق رابين الذي كان وزير الدفاع آنذاك، لكن هذا قد يحدث لكل رئيس وزراء آخر ربما ما عدا اسحق شامير ومناحيم بيغن. ويمكن أن تحلم دول اخرى في العالم فقط بهذه الحال الحالمة. وأما العبرة من التشبيه والاستنتاجات والدروس فتنتظر القراء في نهاية القصة لأننا أصبحنا في اشتياق شديد الى أن نقصها:
في العام 1988 كانت العلاقات بين الامبراطورية الأميركية والقزم الإسرائيلي سيئة، سيئة جدا. فقد كانت الانتفاضة الاولى آنذاك في ذروتها، وكانت شاشات التلفاز الأميركي مليئة بصور دم فلسطيني ودموع اولاد. وأحبت أميركا جدا الدموع وصيحات الانكسار، وأظهرت عداوة لمن جسد الوضع آنذاك وهو وزير الدفاع.
اهتم رابين طول السنين بتسميد اراضي العلاقات بالولايات المتحدة، وكان في كل بضعة اشهر يأتي الى واشنطن للقاء معارف واصدقاء كانوا رؤساء الادارة في تلك الايام. وكانت تلك ايام جو “اكسروا العظام”، وقد أشاروا على رابين من كل صوب ألا يشخص الى الولايات المتحدة، وقالوا له إن الحجارة من قلقيلية ستطارده في واشنطن ايضا. وأصر عليه رفاقه الأقربون كي لا يسافر. وبيّن صحافيون إسرائيليون في عاصمة الولايات المتحدة في كل يوم أن واشنطن غير معنية بزيارة من إسرائيل، وكيف سيقاطعونه بمن فيهم الرئيس “الذي سيطرحه عن الدرج”، وكيف سيعود الى الوطن “وذيله بين رجليه”. فلا يدخل هذا الشرك سوى أحمق.

واستقر رأي رابين على السفر مع كل ذلك. وفي اطار الاعداد للزيارة هاتفنا المندوب السياسي آنذاك، عوديد عيران، وقال إنهم هاتفوا من البيت الابيض وإن الرئيس سيستقبل وزير الدفاع للحديث معه. وفي أميركا، التي هي بلد البروتوكولات الصارمة، لن يلقى الرئيس وزير الدفاع بالغرفة البيضوية، وفي أفضل الحالات وهي حالة نادرة جدا “يدخل” بصورة عارضة بالطبع الى الغرفة المجاورة لمستشار الامن القومي، ويلتقي من يريد ان يلتقيه صدفة (بصورة مخطط لها بالطبع).

وبعد يوم أو يومين هاتفنا عوديد عيران مرة اخرى وأعلن أن “الرئيس ووزير الدفاع سينشران إعلانا مشتركا”. وكان ذلك يفوق فهمنا، لكن من نكون لنفتح أفواهنا؟ هل يريد رئيس الولايات المتحدة أن يقف مع وزير الدفاع في مرمى النار؟ حسن. وحطم الاعلان بعد يوم الارقام القياسية. فقد طلبوا من البيت الابيض ان نصوغ الاعلان المشترك حتى للجانب الأميركي ايضا. هذا لا يصدق.

وقلنا في أنفسنا مثل كل يهودي يأخذ اليد كلها اذا أعطوه إصبعا واحدا: اذا حدث ذلك فليكن. وصغنا اعلانا طويلا فخما مشحونا بالثناء على دولة إسرائيل وبالثناء على وزير دفاعها في هذه الفرصة ايضا. وكان افتراضنا أنه حتى لو أبقى الأميركيون سطرا أو اثنين من نص الاعلان فسيكون ذلك كافيا لإفراح دولة إسرائيل ووزير دفاعها. واستعملنا كلمات غير عادية “متفجرة”.

وبعد يوم أو يومين عاد عوديد عيران من لقاء في البيت الابيض في اطار الاعداد للزيارة يحمل معه كارثة قومية تقريبا. فالبيت الابيض لم يغير ولو فاصلة، وسينشر الاعلان كما اقترحناه بالضبط، وقلنا آنذاك لأنفسنا ليحفظنا الله. إن العالم السياسي لن يصدق. فماذا نفعل الآن؟ وكيف نقنع الأميركيين بتقصير الاعلان وتغيير كلمات كتبناها نحن وإحلال كلمات اخرى محلها؟ ماذا نفعل؟.

وكانت النهاية طيبة، فقد صدر الاعلان المشترك مختصرا غير موسع مع الكلمات المناسبة وخلصنا من الورطة. فما هي الاستنتاجات؟ وما هي العبر والمعاني؟ انه كانت توجد ذات مرة علاقات مختلفة وعميقة وحميمة ورائعة بين رئيس الولايات المتحدة وأميركا، ولم يبق لنا سوى ذكريات الماضي وأحلام المستقبل.