السيد والسعودية – عادل سمارة

د. عادل سمارةغطى الحديث عن السعودية مساحة واسعة في لقاء( أو .تي. في) مع سماحة السيد حسن نصر الله. وكان توصيفا دقيقا كما هو في العادة. فهذا النظام هو كتلة من الشر بلا مواربة.

لكن هناك نقطتان لم يغطيهما السيد، وأعتقد أن الإشارة إليهما كانت ضرورية لتوازن التحليل:

الأولى: قوله بأن السعودية لا تقاتل عسكريا قي اي مكان بل تقوم بتمويل اقتتال وقتال وحروب اللآخرين سواء في سوريا او العراق أو أفغانستان…الخ. وهذا صحيح. ولأن السيد أديب جداً لم يقل بأن السعودية بلا جيش ذي عقيدة وبأنها لم “تتمرجل” سوى على الأكثرية الشعبية في البحرين.

لكن السيد لم يُشر إلى أن السعودية لا ترسل الأموال لمقاتلة الكيان الصهيوني الإشكنازي! استذكر هذه النقطة لأنها مرتبطة جدا بالظهور الواضح مؤخراً للصهيونية العربية ، الصهاينة العرب، الذين يؤمنون بيهودية الدولة اي يهودية فلسطين. وآخر تجليات ذلك حديث بيرس إلى 28 مسؤولاً من الصهاينة العرب في اجتماعهم في الإمارات. فقد تحدث من على الشاشة لاعبا دور السيد و السكرتير اليهودي العام للصهاينة العرب. (وأعتقد أن د. عزمي بشارة كان بينهم لأنه من مؤيدي بل من المنظرين ليهودية فلسطين.(أنظر:  أخيراً وليس آخراً: الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية../ د. عزمي بشارة . عن ملحق “فلسطين” في “السفير” تاريخ النشر: 20/11/2010.(نص المقالة أدناه)

وإني اخالُ بأن “السفير” أعادت نشره بعد انكشاف دور عزمي (فتى الموساد) من سوريا. وربما أكون على حق بأن السفير وغيرها من المثقفين العرب لم يتنبهوا

لخطورة أقوال هذا الفتى إلا بعد فضيحته ضد سوريا.

والثانية: أن السعودية كما الكيان الصهيوني الاشكنازي يمكنها الاقدام على اي دور خطير دون موافقة أمريكية. وإذا كان تتبعي للحديث دقيقاً، فإن السيد وفي حمأة تشخيصه لخطر السعودية لم يتعرض لعلاقتها الخضوعية للولايات المتحدة، وأعتقد أن هذا يمكن أن يُعطي النظام الحاكم في السعودية قيمة أكبر من حقيقتها. فالتابع ليس صاحب قرار في كبريات القضايا.

لا شك بأن الولايات المتحدة جرياً على مبدا جابوتنسكي وبن غوريون وبيرس (قائد الخليج اليوم) ونتنياهو همهم الأكبر تدمير سوريا.

 ***

أخيراً وليس آخراً: الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية

د. عزمي بشارة

عن ملحق فلسطين في “السفير، 20/11/2010

تكرر مؤخراً المطلب الإسرائيلي الجديد من السلطة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، أو كدولة الشعب اليهودي. لقد انتقلت اسرائيل من مطلب “الاعتراف بإسرائيل ونبذ الإرهاب” كشرط للتفاوض مع م. ت. ف عشية اتفاقيات أوسلو إلى مطلب الاعتراف بها كدولة يهودية، أي كتعبير عن حق تقرير المصير لشعب تربطه بما يسمى أرض إسرائيل علاقة “حق تاريخي”. وهي تطرح هذا المطلب منذ فترة كشرط للحل الدائم. وكانت حركة “كاديما” التي أسسها شارون قد طرحت هذا المطلب كشرط للحل الدائم المؤسس على مبدأ “دولتين لشعبين”، وهو مبدأ طالما نادى به اليسار الصهيوني الذي يرى في قيام دولة فلسطينية (بالشروط الاسرائيلية طبعا) نوعا من الضمان الديموغرافي ليهودية إسرائيل. كما رأى أن من الضروري أن يعترف الفلسطينيون بهذا ,الحق اليهودي في تقرير المصير” وإقامة دولة على أرض فلسطين (والمقصود هو حق اليهود في كافة أنحاء العالم، وليس حق اليهود الاسرائيليين فحسب). لقد اصر اليسار الصهيوني على أن من الضروري ألا يتوقف العرب عند الاعتراف باسرائيل كواقع قائم. كانت عبارة “دولتين لشعبين” شعارا رفعته قوى السلام الصهيونية في إسرائيل، وتلتها قوى غير صهيونية مثل الحزب الشيوعي الإسرائيلي، و”الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة” طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات.

لا يعني هذا المطلب الذي تحول إلى شعار سوى دولة للشعب الفلسطيني وأخرى للشعب اليهودي. ولا يتحكَّم رافعو شعار “دولتين لشعبين” لا بتعريف “الشعب اليهودي” (أي بحدوده)، ولا بحدود أرض الدولة الفلسطينية، ولا بحدود سيادتها. فهي قضية لها أصحابها، وقد تركت دوليا لتوازن القوى في المفاوضات. وتوازن القوى في المفاوضات ومن دون مرجعيات واضحة ينتج إملاءات اسرائيلية. وقد أسقطت تلك المفاوضات مرجعية القرارين 242 و338، كما أسقطت العديد من القرارات الدولية الأخرى… وبقي من شعار “دولتين لشعبين” مطلب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، ومطلب دولة فلسطينية في أقل من حدود عام 1967 معدومة السيادة ومرفقة بالتخلي عن القدس وعن حق العودة.

وقد تابعت بلورة هذا الشعار كشرط للحل الدائم من هذا النوع وزيرة خارجية اسرائيل السابقة تسيبي ليفني في كافة تحركاتها في مرحلة حكومة أولمرت السابقة. وعبّر عنه أولمرت في خطابه أمام الوفود العربية في أنا بوليس في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2007. كان ذلك في إطار مشروع شارون المعلن بالموافقة على إقامة دولة فلسطينية بالشروط الإسرائيلية. وأحد هذه الشروط ان تكون الموافقة الاسرائيلية على إقامة الدولة الفلسطينية جزءاً من رزمة تشمل إنهاء كافة المطالب الفلسطينية، بما في ذلك التخلي عن حق العودة والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية.

وقد حوَّل رئيس الحكومة نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان هذا المطلب إلى لازمة تُغنّى (أو للدقة تدندن) بسهولة، وتطرح كشرط لأي تجاوب مع مطالب فلسطينية خلال المفاوضات، حتى لو كان متعلقا بتجميد آني للاستيطان. وساعدهما في ذلك ان رئيس الولايات المتحدة في مرحلتهما، باراك أوباما، يكرر التزام الولايات المتحدة بأن تبقى إسرائيل “دولة يهودية” وذلك منذ خطابه أمام مؤتمر منظمة “إيباك” عام 2008 قبل الانتخابات الرئاسية، ومؤخرا في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2010.

يصعب فصل هذا المطلب عن الحمى الاسرائيلية لسنّ قوانين في الكنيست ذات طابع يهودي تمييزي ضد المواطنين العرب في الدورات البرلمانية الثلاث الأخيرة. ولكن لا بد من الفصل لغرض التحليل لأن هنالك فرقاً بين الصراع القائم نتيجة تناقض الدولة اليهودية والديموقراطية والمواطنة، وهو موضوع لنضال وتحليل مستمرين ناجمين عن تعريف هذه الدولة لذاتها ووظائفها وممارستها، وهي في ذلك صهيونية ويهودية منذ أن قامت، وبين المطلب الاسرائيلي المستجد، أي أن يعترف بها العرب على هذا الأساس.

أما من يعتقد أن إسرائيل تعلن بواسطة هذا المطلب عن نفسها الآن فقط كدولة يهودية، وأن هذا الإعلام سوف يؤدي الى طرد العرب المقيمين في إسرائيل، فلا ندري أين كان يعيش حتى الآن. لقد أعلنت إسرائيل عن نفسها “دولة يهودية” في وثيقة الاستقلال، وخططت الحركة الصهيونية لذلك قبلها بنصف قرن، وقد ادى الإصرار على ان تكون الدولة يهودية فعلا (وليس من حيث المفهوم فقط)، أي بأغلبية يهودية، إلى طرد الأغلبية العربية من فلسطين خارج حدود الهدنة عام 1949،المسماة الخط الأخضر.

لقد تم طرد الغالبية العربية فعلا عام 1948، ومنذ ذلك التاريخ تبني إسرائيل ذاتها ومؤسساتها كدولة يهودية، وتصادر الأرض على هذا الأساس، وتستوعب الهجرة اليهودية، ويتنازع علمانيّوها ومتديّنوها على التعريف الأدق لمعنى يهودية الدولة. ومنذ ذلك الوقت يعيش فيها عرب فلسطينيون أصبحوا أقلية في وطنهم. وقد تطوّر لديهم مؤخرا (منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي) الوعي بالتناقض بين المواطنة المتساوية ويهودية الدولة، كما صاغت هذا الوعي نخب وطنية جديدة.

لقد أدى مفهوم الدولة اليهودية وواقعيتها بعد قيامها الى نوعين من الصراعات:
أولا، صراع بين المتدينين والعلمانيين على تعريف يهوديتها، بدءا بمن هو اليهودي، ونهايةً بالفصل بين الدين والدولة، ورفض الإملاءات الدينية فيما يتعلق بالحياة اليومية وقوانين الأحوال الشخصية، وإمكانية نمط الحياة العلماني المتطور فيها.

ثانيا، تولد صراعبين يهودية الدولة وفكرة المواطنة، بما فيها مواطنة العرب الفلسطينيين الذين بقوا كمواطنين فيها. ويتخذ هذا الصراع أشكالا مختلفة مثل حق العودة لليهود ورفض حق العودة للفلسطينيين، واعتبار مصادرة الأرض من العرب لتوطين اليهود مصادرة لأجل المصلحة العامة في دولة ترى أن مهمتها الرئيسية هي استيعاب الهجرة اليهودية، والتمييز الحكومي الممارس ضد المواطنين العرب في نواحي الحياة المختلفة. لقد تعايش تعريف اسرائيل كدولة يهودية مع وجود أقلية عربية تتعايش مع يهودية الدولة، وذات مواطنة من الدرجة الثانية. وتجد اسرائيل الرسمية والشعبية صعوبة متزايدة في هضم صوغ قوى سياسية عربية منذ منتصف التسعينيات لفكرة ان الدولة يجب ان تكون لجميع مواطنيها، وأن من حق العرب المحافظة على هويتهم كعرب فلسطينيين يتواصلون مع الأمةالعربية بهذه الصفة. وقد ارتبط هذا الصراع الأخير بمدى استعداد العرب لصوغ هذا التناقض بشكلٍ واعٍ وتحويله إلى برنامج، وبمدى الإصرار على أن المساواة لا تتوافق مع الصهيونية.

لم تعلن إسرائيل عن نفسها دولة يهودية في السنوات الاخيرة، بل أعلنت ذلك منذ قيامها، وخطّطت الحركة الصهيونية لذلك ما قبل قيامها. ولم يتناقض هذا الواقع مع وجود عرب فيها طالما كانوا أقلية تُعَرَّف كمجموعة أقليات، وطالما جرى التعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية يقبلون بهذا الواقع. إن التناقض ليس بين “أقلية عربية في إسرائيل” وبين يهودية الدولة، بل بين المساواة للعرب كمواطنين وبين يهودية الدولة.

تاريخ قصير

يبدو أن أول من استخدم التعبير على مستوى السياسة الخارجية هو وزير خارجية بوش كولن باول في خطاب له عام 2001. ولا يذكر هو كيف تسربت العبارة الى خطابه ولماذا دخلت الخطاب. ولكن دافيد عبري السفير الاسرائيلي في واشنطن آنذاك يذكر أنه كان له دور في ذلك.

لم يستجب “الطرف الفلسطيني” لهذا المطلب في مؤتمر العقبة. ولكن بوش أورد العبارة في خطابه في المقام نفسه يوم 4 حزيران 2003، مؤكدا التزام الولايات المتحدة لإسرائيل “كدولة يهودية نابضة بالحياة” على حد تعبيره. وتبناها أوباما مرات عدة في خطاباته. وكان كلينتون قد تحدث قبلهما في كامب ديفيد عن دولة فلسطينية تشكل بيتاً قومياً للفلسطينيين إلى جانب اسرائيل كدولة تشكل بيتاً قومياً لليهود. ولكن بعد أن فشل كامب ديفيد باشرت إسرائيل المطالبة بالاعتراف بها كدولة يهودية ضمن شروطها لقبول حل الدولتين، وكصيغة مبدئية نهائية للتنازل عن حق العودة قبل المفاوضات.

إن للاعتراف بدولة اسرائيل كدولة يهودية هدفاً إضافياً هو التحول من الاعتراف باسرائيل كأمر واقع الى الاعتراف بالصهيونية، اي الاعتراف بأن الصهيونية كانت على حق، وأن العرب والفلسطينيين كانوا على خطأ حين لم يقبلواعلى الأقل بأن الصراع هو بين حقين متساويين على الارض نفسها. و”الحق اليهودي”المطروح هذا هو بالطبع أكثر تاريخية، إذا صح التعبير. وهو في الوقت ذاته حق أكثر قدرة على التحقق بفعل موازين القوى أيضا، فينتهي الفلسطينيون اذا ما اعترفوا بذلك بحق تاريخي يهودي فقط، وحق آني فلسطيني غير متحقق ومشروط بالموافقة الصهيونية عليه.

لا شك في أن القضية هي أيضا قضية عرب الداخل، أي المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل. ولكن هذا ليس جديداً، حتى لو اقترح ليبرمان طردهم في تصريحات متكررة عن التبادل السكاني. فليبرمان ليس صاحب قرار سياسي في إسرائيل. ولكنه مزاود خطير يدفع الليكود الى التساوق معه خشية على أصواته، وذلك في ظروف هيمنة أمزجة سياسية يمينية متطرفة تصل حد توقع عشرين مقعداً لليبرمان في الانتخابات اذا جرت في المرحلة الراهنة.

أنتج التناقض بين يهودية الدولة والسكان الأصليين النكبة وقضية اللاجئين. وهو ينتج تمييزا عنصريا مستمرا ضد عرب الداخل. ومنذ أن وعى عرب الداخل أن الدولة يجب أن تكون لجميع مواطنيها، وناضلوا في سبيل كشف التناقض بين الصهيونية والمواطنة المتساوية، إلى جانب التمسك بالهوية العربية الفلسطينية، لم تتوقف إسرائيل عن محاولة تقييد هذا الوعي بالتخويف وبالاتهامات وايضاً بسن قوانين، ولكن ليس هذا هو سبب طلب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية على المستوى الدولي والفلسطيني والعربي بشكل خاص.

ولا يفوتنا أن نذكر أن في الاستخدام الإسرائيلي الحالي لهذا المطلب جانباً متعلقاً بالمماطلة وعرقلة عملية التفاوض ذاتها بإضافة شروط جديدة في كل مرة. وهذه عملية لا تنتهي، لأن لا وجود لمرجعية واضحة تحكم عملية التفاوض، ولأن التفاوض يجري بعد أن تخلى الفلسطينيون عن الخيارات الأخرى. هكذا يكون قبول الشروط الاسرائيلية عملية تراجع تدريجي، في مقابل خطة على مراحل انقلبت وأصبحت إسرائيلية. كل مطلب اسرائيلي هو مجرد مرحلة نحو مطلب آخر.

سوابق

قبلت م. ت. ف. الشروط الاسرائيلية المسبقة التي فرضت لكي تقبل إسرائيل التفاوض معها في إطار اتفاقيات أوسلو، أي أنها كانت مستعدة أن تعترف باسرائيل و”تنبذ الإرهاب” وتعدّل الميثاق. ذلك كله في مقابل أن تعترف إسرائيل بها وليس بالحقوق الفلسطينية. ثم اكتشفت في المفاوضات مطالب إسرائيلية أخرى أهمها أن تتحول إلى شرطي في حراسة أمن إسرائيل قبل زوال الاحتلال.

وفي الماضي، أي بعد احتلال الأراضي العربية عام 1967 طرحت إسرائيل معادلة “الأرض مقابل السلام”. يجب أن نذكر أنها معادلة اسرائيلية في الأصل. فقد صرّحت الحكومة الإسرائيلية أنها تحتفظ بالمناطق التي احتلتها كأمانة (شطحيم موحزكيم)، أو كـ”مناطق مدارة” (شطحيم منوهليم)، لمقايضتها بالسلام والاعتراف العربيين. وعندما قبلت الدولة العربية الأكبر بهذه المعادلة فإنها حققت بذلك أهداف حرب 1967 الإسرائيلية، وهي الاعتراف العربي والسلام مع إسرائيل من دون حل قضية فلسطين، أي تثبيت واقع النكبة ومنحه شرعية عربية. وعندما تبنَّت بقية الدول العربية هذه المعادلة الاسرائيلية وحوّلتها إلى مرجع تفاوضي، تحت مسمى “الأرض مقابل السلام” أو ما سمي بمعادلة مدريد، رفضتها اسرائيل. وواجهها رئيس الحكومة إسحاق شامير بطرح “السلام مقابل السلام”. وبعد شامير عادت إسرائيل لمعادلتها هذه، ولكنها ما عادت تقبل بها الا معدّلة، وأضافت إليها شروطا أخرى.

سياسات خاطئة

لقد فهم بعض المسـؤولين ووسـائل الإعـلام المطلب الإسرائيلي بالاعتراف الفلـسطيني، ثم العـربي، بإسرائيل كدولة يهودية كأنه يعني طرد العـرب في الداخـل. هذا النوع من الفهـم يخطئ مرتين حتى في حالة حسن النيات: فهو ينتقص من الدور العربي ويتهرّب من مسؤولـياته من ناحـية، ويهوِّل من الناحية الاخرى. لقدأعلنت اسرائيل كدولة يهودية قبل ستة عقود ونصف العقد. هذا واقعها وايديـولوجيتها وممارستها منذ عام 1948. وقد عنى ذلك طرد الأغلبـية العربـية من وطنـها من جـهة، والتمـييز القـومي ضد من بقي من جهة أخرى. لقد سادت سـياسة التمـييز على مستـوى المواطـنة، وعلى مسـتوى تفتـيت الهـوية العربيـة الفلسطـينية. ولكن إسرائيل لم تلجأ الى طرد العرب في الداخل لأنها يهودية، وليست بحاجة الى ذلك ما دامت تعيش فيها أغلبية يهودية كبيرة. وخطة الطرد يكاد تنفيذها ان يكون مستحيلاً عمليا بسبب الوضع الدولي، وبسبب وعي العرب أنفسهم ورفضهم التهجير. والتعامل مع هذا الموضوع بهذه السهولة غير المحتملة، والترويج لمخاوف من طرد العرب في الداخل لأسباب داخلية أحيانا، يجعلان التعامل مع فكرة مرفوضة تماما تعاملا عاديا، إلى درجة تحويل الفكرة إلى فكرة ممكنة. فكرة كهذه يجب أن تطرح كفكرة مستحيلة وغير قابلة للتحقيق، عدا عن أن المؤسسة الاسرائيلية لم تعلن عن نفسها يهودية الآن. لا يحمل هذا المطلب بالاعتراف بيهودية الدولة جديدا لعرب الداخل، بل للدول العربية والسلطة الفلسطينية و م. ت. ف. فمسار تنامي العنصرية والنزعة المستمرة نحو اليمين على المستوى الداخلي قائم أصلا. ويتصاعد معه التشدد الرسمي والشعبي الإسرائيلي تجاه الوعي والمتنامي، ومعه الجرأة لدى المواطنين العرب في الداخل في طرح معارضة الطبيعة اليهودية الصهيونية لإسرائيل.

الجديد هو طرح هذا الموضوع للاعتراف به فلسطيينا وعربيا. ولا يكون الرد باللجوء إلى القديم أي التخويف من تشريد العرب الذين بقوا في وطنهم. لقد سبق أن تم تهجير العرب لأن الدولة اليهودية أعلنت استقلالها، وشنت الحرب لاحتلال فلسطين وتهجير غالبية سكانها. يكون الرد بالتمسك بحق العودة من جهة، وبرفض الصهيونية ورفض منح الشرعية لإسرائيل من جهة اخرى. وهذ موقف سياسي، وهو عملية سياسية وتربوية وتثقيفية في الوقت ذاته.

_____________

* سايكس ـ بيكو وهيرتزل والمسألة الشرقية

 

حاول تيودور هيرتزل في بداية مشروعه الاعتماد على المانيا لتحقيق غاياته، وبالتحديد الامبراطور ولهلم الثاني (غليوم) الذي اتصل به في سنة 1897. ولما لم يجد لديه أي صدى إيجابي تحول إلى السلطان عبد الحميد في سنة 1901. ولما فشل مجدداً راح يتقرب من بريطانيا التي تطابق المشروع الصهيوني مع مشروعها لوراثة تركيا؛ هذا المشروع الذي اتخذ قواماً تنفيذياً مع صدور اتفاقية سايكس ـ بيكو أما اتفاقية سايكس ـ بيكو فلا يمكن فهمها إلا في سياق الاتفاقات والمؤتمرات والتصريحات اللاحقة مثل إعلان بلفور (2/11/1917) ومؤتمر سان ريمو (15/4/1920) وصك الانتداب على فلسطين (24/7/1923)، وهي تمثل الحل الاستعماري للمسألة الشرقية.

والمعروف أن “المسألة الشرقية” بدأت مع الحصار العثماني لفيينا في سنة 1683 الذي أيقظ أوروبا مجدداً بعد يقظتها الأولى في سنة 1453 حين سقطت القسطنطينية. وكانت أوروبا شهدت في أواخر القرن السابع عشر نمواً اقتصادياً كبيراً وتوسعاً استعمارياً موازياً، ولم تلبث ان بدأت في شن هجمات متمادية على الدولة العثمانية في المجر ومقدونيا والصرب واليونان. وكان بطرس الأكبر في تلك الأثناء يحاول أن يحتل بعض سواحل البحر الأسود وبلاد القوقاز. وفي خضم الصراع الأوروبي ـ العثماني جاءت حملة بونابرت على مصر وفلسطين. وفي ذلك الوقت بدأ التفكير جدياً في تحطيم الامبراطورية العثمانية واقتسام البلاد الواقعة تحت نفوذها، فاحتلت بريطانيا في هذا السياق مصر بعد انهيار حكم محمد علي، واحتلت فرنسا تونس، واحتلت ايطاليا ليبيا.

في سنة 1913 ألّف الرئيس الفرنسي “بوانكارييه” لجنة الشؤون السورية في إطار وزارة الخارجية الفرنسية. وبدأ التفاوض مع بريطانيا وروسيا في 9/11/1915، وجرى توقيع الاتفاقية سراً في 16/5/1916. وهذه الدول الثلاث اعتبرت سوريا أسلاباً يجب تقسيمها بين فرنسا وبريطانيا، على أن تنال روسيا أرضرورم وأرمينيا والدردنيل وترابزون وفان من تركيا، لقاء عدم الاعتراض على هجرة اليهود إلى فلسطين.

أبرمت بريطانيا الاتفاقية في الوقت الذي كانت تعد فيه الشريف حسين بن علي بدولة اتحادية مستقلة، وتوقع معاهدة مع عبد العزيز آل سعود تناقض تماماً وعودها للشريف حسين… انه الخـداع الاستعماري اللئيم والمشهور في بلادنا. فبريطـانيا كانت راغبة في أن يكون لها ميناء على المتوسط، فاقترحت أن تنال ميناءي طرابلس والاسكندرون، لكن جورج بيكو اقترح غزة بدلاً منهما، وفي النهاية تنازلت فرنسا عن حيفا وخليج عكا للبريطانيين على أن تبقى الأماكن المقدسة في فلسـطين تحت اشراف دولي.

ومهـما يكن الأمر، فإن اقتسام سـوريا قام على عدة أسس منها الاقتصادي بالطبع، ومنها الطائفي والـثقافي معاً، فنالت فرنسا لبنان وسوريا بما في ذلك الاسكندرون حيث المدارس اليسوعية والكاثوليكية، ونالت بريطانيـا فلسـطين والعـراق بما في ذلك كركوك حيث النفط والنساطرة وغير ذلك. وكان من نتائج اتفاقية سايكـس ـ بيكو تقسيم سوريا على أساس طائفي إلى أربع دول هي: دولة العلويين وسنجق الجزيرة ودولة الدروز ودولة دمشق ودولة حلب، (أطاحت الثورة السورية الكبرى بهذا التقـسيم)، وفصل لبـنان والأردن عنها، علاوة على إنشاء سنجق الاسـكندرون (الذي سُلم لاحـقاً إلى تركيا)، وتأسيس دولة ذات طابع مسيحي في لبنان، ثم إنشاء دولة لليهود في فلسطين.

من موقع كنعان