السلطة الفلسطينية تقمع رافضي المفاوضات

منذ قررت السلطة الفلسطينية العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، أصبح خطاب السر والعلن هو السمة المسيطرة على الأحداث الميدانية في الضفة الغربية. ولعل أكثر ما يميز ويظهر تباينات هذا الخطاب هو مخيم جنين والحملة الأمنية التي لا تنفك تنتهي فيه حتى تعود لتبدأ من جديد للقبض على مطلوبين، ونشطاء من كتائب «شهداء الأقصى» التابعة لحركة فتح، و«سرايا القدس» التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، تحت مسميات وحجج مختلفة، منها القبض على تجار المخدرات والمهربينالسلطة الفلسطينية تقمع رافضي المفاوضات

علا التميمي

جنين | ما حققته المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية منذ عودتها في تموز الماضي حتى اللحظة، 17 شهيداً آخرهم 3 شهداء أمس في مواجهات مع قوات العدو، و400 معتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي، واعتقال ما يقارب 50 شخصاً من قبل السلطة الفلسطينية، فيما استمر الاستيطان في القدس ومدن الضفة الغربية بوتيرة متصاعدة من دون أي اعتبار للوعود التي أطلقها الراعي الأميركي لضمان عودة السلطة إلى طاولة المفاوضات.
في الوقت ذاته، أصبح الحديث عن أي معارضة شعبية أو من الفصائل للمفاوضات من المحرمات التي يجب عدم التطرق إليها، وإلا كانت النتيجة عشرات المعتقلين في سجون السلطة الفلسطينية لضمان استمرارها من دون أي مؤثرات شعبية تعطل مسارها.

الاستدلال بخارطة الطريق

أحدثت التغييرات والممارسات الحاصلة على الأرض ضغطاً متزايداً على الرئيس محمود عباس من قبل التيار المناهض للمفاوضات داخل حركة فتح، وشهدت اجتماعات اللجنة المركزية حوارات عاصفة حول جدوى المفاوضات، والصلاحيات المخولة للفريق المفاوض التي استمدها من الرئيس دون غيره، ولا يعلم بها أحد، وأصبحت خارج نطاق المساءلة.
تقاطعت التغييرات والنقاشات العاصفة داخل اللجنة المركزية لحركة فتح مع التحولات الجذرية التي شهدتها بنية حركات المقاومة في الضفة الغربية منذ عام 2005. فالإعفاءات عن المطلوبين، وتفريغ بعض المقاتلين للعمل في الأجهزة الأمنية ومؤسسات السلطة الأخرى، والرواتب العالية مقابل تسليم السلاح، أمور كانت كفيلة بخلق توازن جديد لمصلحة تيار الرئيس محمود عباس داخل حركة فتح أولاً، وعلى الساحة الفلسطينية ثانياً. إلا أن هذا التوازن لم يأت من فراغ، فهو من الأمور التي تعدّ جوهر خارطة الطريق، والتي من دونها لن ينجح أي تطبيق لبنودها.
شهدت الفترة الواقعة بين عامي 2002 و2005 بروز تيار جديد داخل السلطة الفلسطينية أكثر حماسة لتطبيق حلم جنرالات إسرائيل بإيقاف الانتفاضة، ومنع أي وجود لأي حركة مقاومة مسلحة داخل مناطق الحكم الذاتي للسلطة الفلسطينية من أجل ضمان أمن إسرائيل كما نصت عليه خارطة الطريق التي طالبت صراحة بإعلان الفلسطينيين بوضوح وضع حدّ لما سمّوه «العنف والإرهاب»، والطلب من جهاز الأمن الفلسطيني مكافحة أي عمل مقاوم ضد الإسرائيليين.
الترتيبات الأمنية وتفكيك البنية التحتية لحركات المقاومة كانت نوعاً من مغريات قدمت إلى الرئيس محمود عباس لتعزيز سلطته في مناطق الحكم الذاتي، إلا أنها مع مرور الوقت وعدم نجاح الأجهزة الأمنية في القضاء على البنى التحتية بنحو كامل، وخاصة في المخيمات التي تعدّ الحاضنة الأقوى للمقاومين، بدأت تمثّل عبئاً لا بد من التخلص منه. وما عزز هذا العبء، ما حصل في مفاوضات عام 2009 حين اتفق عباس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت على ملف الحدود. ونص الاتفاق المذكور على وضع قوات حفظ سلام دولية على الحدود بين فلسطين وإسرائيل، وبين فلسطين والأردن، على أن تكون الدولة الفلسطينية مجردة من السلاح، باستثناء السلاح الضروري لقوة بوليسية. لكن أولمرت استقال قبل الاتفاق على الملف الثاني، وهو ملف الحدود. ولم تعترف حكومة بنيامين نتنياهو بالاتفاق الأمني بين عباس وأولمرت، وطالبت بالعودة إلى المفاوضات من النقطة الصفر.

المخيم عبء أمني

مع عودة المفاوضات إلى النقطة الصفر، ومع افتتاح الجولة الأولى منها بين الطرفين في القدس المحتلة بعد توقف ثلاث سنوات، أعلن المسؤولون في إسرائيل زيادة الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة. أما في الجانب الفلسطيني، وبعد تلقّي مساعدة مالية بقيمة أربعة مليارات دولار لتساعد السلطة على الخروج من أزمتها المالية، كان لا بد من إعادة تهيئة الظروف الميدانية والسياسية للعودة إلى المفاوضات برعاية من الفريق الأمني الأميركي (الذي تم تأليفه عام 2005، من أجل مساعدة السلطة الفلسطينية في تأهيل القطاع الأمني، ليصبح قادراً على تفكيك البنى التحتية للمقاومة، وتطبيق بنود حفظ الأمن حسبما رسمت في خارطة الطريق). بهذا بدأت الحملة الأمنية «تستهدف معارضي المفاوضات من النشطاء السياسيين»، إذ تعتبر السلطة من يعارضون المفاوضات مطلوبين وليسوا نشطاء سياسيين.
وهو ما أكده قائد «كتائب شهداء الأقصى في جنين»، زكريا الزبيدي، في مقابلته الشهيرة مع صحيفة «معاريف» العبرية في 4 أيلول الماضي، حيث أوضح للصحيفة أن «السلطة الفلسطينية تعتقل العناصر الذين يعارضون علناً المفاوضات».
النائب في المجلس التشريعي جمال حويل أكد لـ«الأخبار» أنه رغم الاعتقالات التي تقوم بها السلطة، فإن «مخيم جنين مقاوم وسيبقى مقاوماً، وسيدافع عن نفسه في ظل انتهاكات الاحتلال واقتحاماته المستمرة»، معتبراً أنه «لا يمكن استمرار المفاوضات التي ترافقها خروقات الاحتلال المتكررة، والمطلوب من السلطة وقف تلك المفاوضات».
بدوره، رأى القيادي في حركة «الجهاد الإسلامي أحمد المدلل لـ«الأخبار» أن «السلطة وأجهزتها الأمنية تقوم بدور الاحتلال الإسرائيلي في ملاحقة المقاومة بالتوازي مع اشتداد حملات التهويد التي تتعرض لها المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة».
وحمّل المدلل أجهزة الأمن في الضفة المسؤولية الكاملة عن حياة المقاومين وقيادات الحركة الذين تلاحقهم السلطة في جنين، وطالب «المقاومين في مخيم جنين بالوقوف في وجه الحملة الأمنية، ومحاولة منع تلك الأجهزة من دخول منازل المقاومين والمواطنين بأي طريقة لاعتقالهم أو تصفيتهم»، وهو ما يزيد من فرص انفجار المخيم في أي لحظة.
تصريحات الزبيدي وحويل والمدلل إن دلّت على شيء فهي تدل على أن المخيم والمفاوضات يسيران في خطين متوازيين لا يمكنهما الالتقاء، وفي الوقت ذاته لا بد من طرف ينتصر على الآخر. فوجود عبء أمني متمثل في المخيم والمعارضين أمر لن يسرّ الفريق الأمني الأميركي ولن يكون لمصلحة فرض أي حل سياسي على الأرض، وهو ما سيدفع إلى المزيد من الضغوط على السلطة الفلسطينية من أجل التخلص من هذا العبء، وبالتالي، بطريقة أو بأخرى، ستنفجر الأمور وتخرج عن السيطرة نهائياً.

سياسة الوضع الراهن

مع استمرار الاستيطان والموافقة على بناء ما يزيد على 20 ألف وحدة استيطانية في القدس ومدن الضفة الغربية، ومصادرة مئات الدونمات وتهجير عشرات العائلات الفلسطينية، ووصول الأزمة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى ذروتها (حسبما يروّج إعلام السلطة) والتي تمثلت في استقالة فريق المفاوضات الفلسطيني بعد خوضه عشرين جلسة تفاوضية منذ تموز 2013. يضاف إلى ذلك وجود معارضة قوية للمفاوضات، سواء داخل حركة فتح أو في الشارع الفلسطيني أو في المخيمات، وعدم قدرة الأجهزة الأمنية على الحسم مع معارضي المفاوضات ولجمهم. كل ما يتبقى لدى الرئيس محمود عباس هو الإبقاء على الوضع الراهن والمحافظة عليه كما هو، وذلك من خلال اعتماده استراتيجية تسيير أعمال المفاوضات بعد استقالة رئيس الوفد المفاوض صائب عريقات. وهنا يجب الانتباه إلى أن هذه الاستقالة لن تؤدي إلى انهيار المفاوضات، فيمكن الرئيس محمود عباس أن يصدر مرسوماً رئاسياً بتأليف فريق مفاوضات جديد يستمر في عقد جلسات تفاوضية برعاية أمنية أميركية من جهة، ومن جهة أخرى تستمر الحملات الأمنية لاعتقال معارضي المفاوضات حتى لا تتحول تلك المعارضة إلى فعل شعبي على الأرض يتطور إلى انتفاضة، ليس فقط في وجه «الاحتلال الإسرائيلي»، بل في وجه السلطة الفلسطينية، خاصة بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها كواليس اجتماعات اللجنة المركزية لحركة فتح بحسب ما سرّب لـ«الأخبار»، والتي وصلت إلى المطالبة بمساءلة فريق المفاوضات ومحاسبته بخصوص ما يجري التفاوض عليه، والمطالبة بالإفصاح عن الترتيبات الجارية مع الجانب الإسرائيلي.


الصحافة الفلسطينية جزء من الحملة الأمنية

مع إعلان محافظ جنين اللواء طلال دويكات انطلاق الحملة الأمنية في مخيم جنين من أجل القضاء على الفلتان الأمني الذي يسود المخيم، سارعت الصحافة والإعلام الفلسطينيين إلى الترويج للحملة على أنها «شرّ لا بد منه». في هذا السياق، لم تتوان البرامج الإذاعية على مدار أيام عن أن تتحول إلى وسيلة أخرى لعزل المقاومين ومعارضي المفاوضات، من خلال نشر فكرة شيطنة المقاومين والمعارضين وتجريمهم بوصفهم مفتعلي الفلتان الأمني الذين يجب القبض عليهم من أجل أن يسود الأمن داخل المخيم وخارجه. وفي السياق، أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز «القدس للإعلام والاتصال» أن نصف الشعب الفلسطيني (50.5%) يرون أن قرار السلطة الفلسطينية باستئناف المفاوضات مع إسرائيل كان «خاطئاً»، مقابل (33.8%) اعتبروه «صائباً».
كذلك أظهرت نتائج الاستطلاع أن أكثرية المستطلعة آراؤهم (68.7%) يرون أن المفاوضات لن تنجح في الوصول إلى اتفاق مع إسرائيل، مقابل (20.8%) قالوا إنها ستنجح.

صحيفة الأخبار اللبنانية