الحزب بين الجماهير والإيديولوجيا – د.عبد اللطيف عمران

هل ستهتز حدود سايكس بيكو؟ - د.عبد اللطيف عمرانهناك الآن متغيرات في مفهوم «الجماهير» بعد انهيار أوروبا الشرقية، ونجاح المحافظين الجدد في إطلاق النظام العالمي الجديد، وماارتبط بذلك من طرح الشرق الأوسط الجديد.

ومع بروز ظاهرة العولمة وانتشار وسائل التواصل الحديثة صار من الصعب على الأحزاب التقليدية والجديدة الرهان على كتلة كانت تسمى جماهير الحزب أو جماهير الشعب… ولاسيما بعد أن نقل تحالف المركزية الغربية مع الصهيونية والرجعية العربية ظاهرة الصراع بين الدول إلى الصراع ضمن الدولة الواحدة والمجتمع الواحد، وخاصة في منطقتنا اليوم.

«الجماهير» اليوم لم تعد قاعدة عريضة متجانسة راسخة الأسس ثابتة المبادئ والتطلّعات، صارت في عصر الفضائيات والانترنت وتحويل العالم إلى قرية صغيرة أكثر حيوية، وتغيّر، عصيّة على التماسك التنظيمي والإيديولوجي المستدام، عِرضة لمؤثرات واقعية مباشرة تتصل بالحاضر، وبالمستقبل، وأحياناً كثيرة تعود إلى تَرِكة تاريخية ماضوية ثقيلة مؤلمة ولاسيما في البعد الإسلامي الذي يشغل العالم اليوم، ويُستغَل أبشع استغلال.

هذا لا شك من أهم التحديات أمام الأحزاب التقليدية القومية واليسارية، والإسلامية أيضاً، وهو تحدٍّ يجابهه حزب البعث الذي يجب أن يمتلك بخبرته النضالية، وبمشروعه القابل للتجديد، عوامل وأدوات النجاح في التعامل معه، لكن كيف؟

من جهة ثانية، تبيّن التجربة الحزبية على المستوى الدولي الراهن كيف أن الأجيال الجديدة تميل إلى التخلي عن الأفكار الإيديولوجية الكاملة، فلم تعد قطاعات واسعة من هذه الأجيال تقبل الإيديولوجيا التقليدية فتصفها بالبالية التي أكل وشرب عليها الزمن والواقع،  وتبتسم حين الحديث عنها.

وترى أغلب الأحزاب الجديدة أن تخفيف وطأة الإيديولوجيا – إن لم يكن رفضها – صار خياراً استراتيجياً لذلك تهرب من تحديد هوية إيديولوجية مسبقة لنفسها، لأن البراغماتية صارت ضرورة يفرضها العالم المعاصر، بينما كانت الأحزاب التقليدية ترى في الإيديولوجيا مشروعاً تنظيمياً بالضرورة، وهدفاً استراتيجياً يحدّ أولاً من الانقسامات الداخلية في الحزب، ويعطيه القدرة على الثبات والديمومة والتماسك الفكري والمؤسساتي، والسلطوي أيضاً.

وفي الواقع الوطني والعربي الذي نعيشه الآن من الصعب رفض أي إيديولوجية تتصل بتعزيز مقومات الوعي والعلمانية والتحرر والهوية والانتماء إلى الوطن والأمة العربية، مقابل استمرار، بل تجديد إيديولوجيات مضادة كالصهيونية، والرجعية العربية ولاسيما الوهابية التي تعمل على تمزيق المجتمعات والأوطان والأمة. وهذه من مصاعب انتهاء عصر الإيديولوجيات في زمن يغيب فيه اليقين لانفتاحه على احتمالات عديدة.

لذلك نحن اليوم في حاجة إلى انبعاث جديد لحركة تحرّر وطني عربي متكاملة ببعدها التقليدي والحداثوي تعمل في الشارع الوطني والعربي على بعث مفهوم جديد تتضافر فيه جهود تيارات سياسية واجتماعية وفكرية وروحية لتتمكن من  تشكيل المفهوم الجديد والمنشود لحركة التحرر القادرة على كسب الأجيال الجديدة من خلال تحالفات أو أحزاب أو منظمات… تمنع القوى المضادة «ولاسيما الإرهاب» من كسبها واستلابها واستقطابها.

قواعد حزب البعث وكوادره وقياداته تطرح اليوم في ملتقياتها ومنتدياتها واجتماعاتها هذه الأفكار، وتناقش ماهو أهم وأبعد وأصعب، وهي تدرك بحكم التجربة والهوية والانتماء أهمية تعزيز الفكر النقدي، وضرورة المراجعة والمبادرة والتطوّع والشهادة، ولاسيما بعد أن صار الحزب دريئة ومشجباً يكثر استهدافه، ويسهُل نكران دوره الإيجابي، ويتوسع الحديث عن أهمية بل ضرورة التغيير فيه: تغيير في القيادات، وفي التنظيم، وفي النظرية، وفي الممارسة، وفي الاستراتيجية أيضاً…

ووتيرة التغيير في الحزب ليست بطيئة، فهناك محطات تغيير تاريخية معروفة في 63-66-70-2000-2005-2013، ولكل منها استراتيجية خاصة ومتميزة يدركها من يقرأ تاريخ الحزب النضالي. وهذه المحطات تدحض مؤشر العجز لأن بعضها نجح في إرساء قواعد دعم شعبي وطني وعربي مستدامة إلى حدّ ما، لم توفّرها سلطة الحزب فقط، بل شرعيته ومشروعه اللذان نجحا في توسيع دائرة التمثيل السياسي والاجتماعي والدستوري والتشريعي والتنفيذي أيضاً عبر جهود وتضحيات لا تُنسى ولا تُنكر. على الرغم من أن الحزب عمد في كثير من الأحيان إلى تحالفات مع قوى سياسية وطنية.. ومع حكومات عربية.. أربكته وأثقلت مسيرته. كما نشهد أيضاً نوعاً من الإرباك أو العبء الذي ألقاه على نفسه في العلاقة مع المنظمات والنقابات… وهي علاقة أثبتت الأحداث أنها جدلية أكثر منها عضوية.

فالبعث تنظيمياً ونظرياً وشعبياً أمام معترك راهن، وقيادته وكوادره أمام مسؤوليات جسام يبدو أنها ملحوظة بدقة، بعد أن حددها الرئيس الأسد الأمين القطري للحزب برؤية نقدية ومستقبلية في كلمته يوم 8 تموز 2013 في اجتماع اللجنة المركزية الموسّع التي أشار فيها إلى: «تعثّر الحزب عن مواكبة العصر، وانفصال التثقيف الحزبي عن الواقع.. فكانت المبادرات الشعبية في بعض المحافظات أكبر من مبادرات الحزب.. الذي عليه أن يبتكر آليات جديدة للتواصل مع المواطنين ولاسيما الشباب.. وأن يكتسب دوره من جماهيريته وشعبيته وليس من أي امتياز دستوري.. لإعادة الأمن والاستقرار ومنع عملية التآكل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. وضرورة تخليص الحزب من الجمود الإيديولوجي..».

لكن.. وللحقيقة وللواقع، فإن الأهم اليوم هو تضافر جهود البعث الميدانية مع كافة القوى الوطنية والعروبية للنجاح في المعركة ضد الإرهاب والتكفير اللذين يهدّدان الفرد والمجتمع والوطن والعروبة والإسلام جميعاً، وهذه أولوية دون الحسم فيها لا نظرية ولا تنظيم ولا… يجدي شيئاً.