الجليل مجدداً بعد النقب – عوني صادق

عوني صادق

عوني صادق

ليس هناك من أو ما يجعل حكومة بنيامين نتنياهو تعيد النظر في سياساتها التوسعية التهويدية العنصرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة . حتى أولئك الذين يقال إنهم حسب القانون “الإسرائيلي” “إسرائيليون”، يتعرضون لما يتعرض له الفلسطينيون في الضفة الغربية، وربما أكثر . والأمر لا يستدعي أي اندهاش أو استغراب، فمن جهة، نتنياهو ووزراؤه يرون كل أرض فلسطين “أرضاً للشعب اليهودي”، ومن جهة أخرى، كل عرب جانبي “الخط الأخضر” فلسطينيون، فلماذا التفرقة بينهم في المعاملة؟

شهدت مدن وقرى فلسطين المحتلة ،1948 يوم السبت الماضي، مظاهرات صاخبة شارك فيها الآلاف الذين خرجوا للاحتجاج ضد “مخطط برافر”، ووصلت إلى يافا وحيفا، حيث وقعت مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية، وأسفرت عن إصابة عشرات من الفلسطينيين، واعتقال أكثر من سبعين بينهم أطفال وقاصرون . واعتبرت السلطات “الإسرائيلية” أن ما شهده هذا اليوم كان “غير مألوف” . وتوعد نتنياهو الذين شاركوا في التظاهر “وأخلوا بالنظام العام وخرجوا على القانون” بملاحقتهم، وقال: إن الحكومة لن تتساهل معهم، وستمضي قدماً في سن وتنفيذ “مخطط برافر” لتهويد النقب .

من جانبه، صب وزير الخارجية العنصري أفيغدور ليبرمان جام غضبه على المتظاهرين الفلسطينيين، وكتب على صفحته الخاصة على الفيس بوك، يقول: “إن ما يحدث اليوم، يثبت أن شيئاً لم يتغير منذ الأيام الأولى للاستيطان اليهودي في فترة الانتداب البريطاني لفلسطين” . ومعتبراً أن الفلسطينيين يحاولون “سرقة أراضي الشعب اليهودي”، أضاف: “نحن نحارب من أجل أراضي الشعب اليهودي، حيث هناك من يحاولون عن سابق قصد وإصرار سرقة هذه الأراضي والسيطرة عليها بالقوة”!!

وكانت الكنيست قد أقرت “مخطط برافر” في 24 يونيو/حزيران ،2013 بناء على توصية من وزير التخطيط “الإسرائيلي” إيهود برافر قدمها في العام 2011 تدعو إلى تهجير نحو (40 ألفاً) من سكان القرى التي يسكنها بدو النقب، وتجميعهم في “غيتو” أطلق عليه اسم “بلديات التركيز” بحجة “تنظيم حياة البدو وتطويرها” وإنهاء مشاكل تمليك الأراضي بينهم وبين “الدولة” . لكن الهدف الحقيقي، كان مصادرة أكثر من (800 ألف) دونم، وتهجير أكثر من ثلاثين قرية عربية، لا تعترف بها السلطات “الإسرائيلية” وتحرمها من كل مقومات الحياة، من مياه وكهرباء وخدمات تعليمية وتراخيص بناء .

وفي هذا الوقت الذي يخرج فيه عرب 48 للتظاهر ضد “مخطط برافر” معلنين رفضهم له، كشفت صحيفة “هآرتس”، النقاب عن “مبادرة” جديدة لحكومة نتنياهو تستهدف تجديد خطط تهويد الجليل عبر النية في إقامة المزيد من البلدات اليهودية فيه . ولم تخف الصحيفة أن الهدف من هذه “المبادرة” هو “تغيير الميزان الديمغرافي” في الجليل الذي لا يزال يميل لمصلحة الوجود الفلسطيني فيه، وهو ما يعني سد الثغرات الباقية التي لم تغطها عمليات الاستيطان السابقة، التي لم تنجح في ترجيح “الميزان الديمغرافي” لمصلحة المستوطنين اليهود .

وفي كتاب لها حول “تهويد الجليل”، ترى الباحثة الفلسطينية نهى قعوار، أن عملية تهويد الجليل مرت منذ 1948 بثلاث مراحل:

(1) المرحلة الأولى تمت في عهد وإشراف أول رئيس حكومة “إسرائيلية”، دافيد بن غوريون، وانتهت العام ،1951 وتميزت بمصادرة مساحات واسعة من أراضي الجليل والمثلث، وتم فيها هدم (23) قرية عربية أقيم على أنقاضها (308) مستوطنات يهودية .

(2) والمرحلة الثانية، بدأت في أعقاب حرب السويس العام ،1956 من خلال مشروع أطلق عليه “مشروع تطوير الجليل”، وبني في إطاره عدة مستوطنات عدة أصبحت اليوم مدناً، منها نتسريت عيليت- الناصرة العليا، وكرمئيل، ومعالوت .

(3) أما المرحلة الثالثة، فبدأت العام 1975 واستمرت حتى حكومة الليكود الأولى برئاسة مناحيم بيغن العام ،1977 وأعلن فيها عن خطة تستهدف استيعاب (100 ألف) مستوطن يهودي خلال خمس سنوات .

ما سبق، مضافاً إليه ما يجري في الجزء من فلسطين المحتلة ،1948 يعيد التأكيد على حقيقتين: الأولى، أن القيادات “الإسرائيلية” هي قيادات صهيونية توراتيه بالنسبة للأرض، لا تزال تتمسك بمقولة “أرض إسرائيل الكاملة” التي يجب أن تكون خالصة لليهود ولا ينازعهم عليها أحد . أما الحقيقة الثانية، فهي أن كل الحديث الذي يمكن أن يدور حول الاعتراف بأي من حقوق الشعب الفلسطيني، وأولها حقه في أرضه، وأن أي “مفاوضات” تقبلها وتشارك فيها الحكومات “الإسرائيلية”، سواء كان نتنياهو أو غيره، وأي حديث عن “تسوية سياسية” للصراع الدائر سلمياً، كل ذلك ليس إلا كلاماً لكسب الوقت وتوفيره لاستكمال مخططات الاستيطان والتهويد لكامل الأرض الفلسطينية، وهو ما يطرح مجدداً السؤال الكبير حول المفاوضات الجارية بين السلطة في رام الله وبين حكومة نتنياهو، وجدوى هذه المفاوضات .

لقد مضى ثلث المدة التي حددها وزير الخارجية الأمريكية، جون كيري، للمفاوضات من دون أية نتيجة تذكر، بل اتضح أن المواقف “الإسرائيلية” تزداد تشدداً وتعنتاً في كل القضايا المبحوثة، ما دفع الوفد الفلسطيني المفاوض لتقديم استقالته . لكن ذلك لم يؤد إلا لإعادة تشكيل الوفد لمتابعة العبث المستمر بحجة أن السلطة قبلت مدة الشهور التسعة للوصول إلى النتائج التي لم يتم التوصل إليها خلال عشرين سنة! ألم يحن الوقت لتقتنع السلطة في رام الله أن التفاوض من موقع الضعف لا يؤدي إلا إلى الاستسلام؟ ثم ألم يحن الوقت لتقتنع السلطتان في رام الله وغزة أن قوة الشعب الفلسطيني في وحدته، وتتحركا لإنهاء الانقسام المسؤولتان عنه؟