التحالف الدولي ضد داعش وخلفياته المشبوهة!! – عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح ادريس

عبد الفتاح ادريس

منذ اجتماع حلف الأطلسي الأخير قبيل توجه جون كيري إلى الشرق الأوسط لحشد التحالف ضد داعش؛ أطلق الحلف تحدياً جديداً عندما أجاز لنفسه التوسع والاحتواء في رقعة تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط المضطربة وتحدياتها المصيرية!

وكان واضحاً أن هذا التحدي الجديد يعيد الاعتبار إلى أجواء الحرب الباردة والصدام بين الشرق والغرب الذي كان قائماً قبل انهيار الاتحاد السوفيتي.. فالحلف أراد أن يرسل رسالة قوية إلى روسيا وحلفائها، وأراد أن يوظف ذلك في الأزمة الأوكرانية في مواجهة روسيا. إضافة للمسائل الخطيرة المعقدة التي نجمت عن انفلات الوحش الداعشي من عقاله الذي وضع فيه من قبل أميركا والغرب..

وكانوا يعتقدون خلال السنوات الماضية أنه تحت التحكم والسيطرة يقدم في نفس الوقت خدمات استراتيجية للغرب لتدمير بُنى الدولة في الشرق الأوسط وفي المنطقة العربية بشكل خاص من تونس وليبيا ومصر حتى العراق وسورية، ولم يقتصر الاستهداف على الدولة القطرية ومرتسماتها الموجودة على الخارطة منذ سايكس بيكو. بل إن الاستهداف يشمل تفتيت الدول وتقسيمها على أساس طائفي ومذهبي وعرقي ليكون الفائز الاستراتيجي الوحيد هو الكيان والمصالح الاقتصادية والبترولية والدفاعية للغرب.

وبطبيعة الحال كان من المتوقع الرد الحاسم الذي وجهه الرئيس بوتين على عجل من خلال حلف شنغهاي القوي الذي يشكل 40% من سكان العالم. ويترشح إليه في سياق الرد الاستراتيجي إيران وباكستان وأفغانستان. وبذلك تكون الصفعة قد وصلت إلى القيادة الأمريكية على جناح السرعة. والروس عملياً ذاهبون إلى معالجة الخطر الداهم لتنظيم داعش والتعامل مع الحرب الحقيقية ضد الإرهاب. بعيداً عن ازدواجية المعايير وسياسة الإقصاء. ورسم الأهداف الخبيثة المخفية من وراء هذا التحرك الظاهري!!

لا نريد هنا إعادة التأكيد مرة أخرى على أن الولايات المتحدة والغرب وتركيا وقطر والسعودية إضافة لدول الخليج هي التي صنعت داعش وموّلتها وسلحتها لتدمير بنية النظام في سورية وإسقاط الدولة السورية وحتى تقسيمها! معروف تماماً أن صنيعتهم داعش كانت بالنسبة لهم القبضة الحديدية لما سمّوه (الثورة السورية)!!. وهي لم تكن أبداً خارج رعاية الإرهاب بأخطر صورة.. قبل أن تتمرّد داعش وتعمل منفردة لمشروعها الخاص الذي يشكل خطراً داهماً على الدول التي صنعتها وأنتجتها ورعتها سنوات طويلة! فداعش كتنظيم بات معروف المكان والجغرافية والتاريخ، وهو معروف الدعم والمساندة والتسليح. والذي يحدث هو أن نهجاً معروفاً أطلق داعش، ونفس النهج يقاومه اليوم. فالداعم الرئيسي للمنظمات الإرهابية بكافة مسمياتها على مدار السنوات الماضية كانت تركيا وقطر والسعودية والولايات المتحدة.

الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد شركاء حقيقيين بل تريد تابعين لقيادتها ونهجها وسياساتها.. ولا يستثني ذلك الأوربيين ولا العملاء الأقل شأناً مثل السعودية وقطر ودول الخليج وتركيا.. فهي عندما سارعت بالطلب من السعودية استضافة تجمع الدول للحشد ضد إرهاب داعش في جدة، لم تخرج عن هذا السياق. بل هدفت من هذا المؤتمر أن يكون مؤتمراً للعلاقات العامة لصالح الولايات المتحدة، ولكن الهدف الحقيقي هو دفع فاتورة الحراك ضد داعش من أموال النفط السعودية والقطرية. ودفع فاتورة الحرب وتكلفتها مذعنة وهي بالمليارات.. فالولايات المتحدة تريد تنفيذ برنامجها الاستراتيجي في المنطقة والذي يستهدف في إحدى خطواته ضرب داعش في العراق أولاً ثم سورية بأموال العرب وجهود الآخرين بالسلاح والرجال. أما هي فتكتفي بالقيادة والتوجيه وضربات الطيران من الجو!! وحصد النتائج لصالحها!.

لقد سارعت الإدارة الأمريكية لصياغة برنامجها في الحرب ضد الإرهاب الداعشي بإقصاء سورية وإيران وروسيا عن تحالف الدول.. وأرسلت إشارات بأن جهودها لضرب داعش سوف لن تكون في مصلحة (نظام الأسد) في سورية!! وهذا يشير إلى المقاصد الخبيثة الموجهة ضد الحكومة السورية لتحقيق مأربين: الأول تسليح بعض القوى الإرهابية الموجودة على الأرض السورية غير داعش.

والثانية استخدام هذه الورقة فيما بعد لفرض شروط مشاركة بعض المعارضة السورية التابعة لها في العملية السياسية والتغيير السياسي المطلوب وفق الرؤية الأمريكية!! ولم يتوان الرئيس الأمريكي أوباما على إطلاق إشارات غريبة على أن الهدف هو تحشيد الدول ذات الأغلبية (السنيّة)! ضد إرهاب داعش. مطلقاً بذلك مشاعر طائفية تفتيتية تستهدف الأمن الاجتماعي العربي. وضرب البنية الاجتماعية وترسيخ الطائفية في المنطقة!! ولعلنا قبل كل ذلك نتساءل لماذا تدعم الإدارة الأمريكية وتوابعها العرب والأوروبيون داعش والتنظيمات الإرهابية على مدى أكثر من ثلاث سنوات في سورية.. وعندما انفلت الوحش من العقال وبات يهدّد حقول النفط حول الموصل ومشروع الكيان الكردي في الشمال تحرّكت على عجل؟؟! ويتساءل المرء أيضاً لماذا يحرّك ذبح مواطن أمريكي الحراك الدولي ضد داعش على وجه السرعة. مع أن هذا المواطن تحوم حوله الشبهة للدور الذي قام به في سورية بجانب الإرهابيين؟ لماذا من أجل مواطن واحد هنا ومواطن بريطاني هناك تنتفض النخوة والإنسانية الأوروبية؛ ولا يحركها إرهابيون يأكلون الأكباد ويقطعون الرؤوس ويدمرون الحضارة على مدى أكثر من ثلاث سنوات؟ المعيار الإنساني لديهم للأسف استعلائي انتقائي فالآلاف الذين قتلتهم وذبحتهم داعش واستباحت أعراضهم، وأخذت نساءهم سبايا لأنهم مختلفون معها في الرأي أو لأنهم مسيحيون أو من مللٍ أخرى، لا يحركهم الضمير الإنساني. أما هنا فالاستجابة كانت سريعة.

بيان البيت الأبيض الذي حدد الأفق الذي ستسير عليه السياسة والمواجهة الأمريكية ضد داعش. وخاصة في العراق يقوم على البنود التالية: أولاً: اعتبار تنظيم داعش خطراً على الشعب العراقي والسوري والعالم أجمع، وخطراً على الأمن الوطني الأمريكي نفسه. ثانياً: دعم حكم رشيد في العراق. ثالثاً: حرمان داعش من الملاذ الآمن. رابعاً: بناء حلف الأصدقاء في مواجهة داعش وحشد الحرب ضد الإرهاب الداعشي. خامساً: وقف تدفق التبرعات الخارجية. سادساً: تسليط الضوء على تنظيم داعش وفضح مرتكزاته الفكرية المستندة خطأً على الدين وفضح برامجه وممارساته. سابعاً: تحقيق العدالة الجنائية ضد الإرهاب. ثامناً: الدعم الإنساني للنازحين في العراق وسورية.

هذه العناوين البرّاقة التي تضمنها بيان البيت الأبيض لن تخفي الرغبة الأمريكية بإقصاء سورية وإيران عن التحالف الدولي ضد الإرهاب. ويتساءل المرء كيف يمكن إقصاء سورية والتركيز على العراق مع أن سورية تحارب الإرهاب بكافة فصائله منذ أكثر من ثلاث سنوات بالنيابة عن العالم أجمع؟.

من الواضح أن الأمريكيين وتنسيقاً لرغبةٍ دفينةٍ لديهم ولدى أتباعهم السعوديين والأتراك، وإرضاءً لهؤلاء الحلفاء التابعين. خاصة وأن الأميركيين حريصون أن تقوم السعودية وقطر بدفع فاتورة الحرب ضد داعش وهذا الأمر لا يُخفي رغبة الولايات المتحدة في تقويض الحكومة السورية بحجة الحرب ضد داعش. فهم مايزالون يلعبون لعبة التوظيف الاستراتيجي للإرهاب الداعشي لتقويض النظام في سورية وتقسيم العراق إضافة لسورية!! فالإدارة الأمريكية التي تسعى في حراكها الجديد لوضع بصمة جديدة لها في المنطقة تنظر إلى تسليح وتدريب ما سمّته مجموعات معارضة مسلحة معتدلة، في محاولة لإعادة الأمل ولتقويض النظام الوطني في سورية!! في الوقت التي يُرفع فيه الغطاء عن جبهة النصرة كمنظمة إرهابية، وتستثنى من المساءلة لأن لها دوراً ضد الحكومة السورية على الطريق!

لقد استثنيت جبهة النصرة وهي المسؤولة عن اختطاف قوات الأندوف التابعة للأمم المتحدة في الجولان، وتقوم بالتنسيق العلني مع الكيان الإسرائيلي… وعلى كل حال فإن التركيز على أن داعش أصبحت خطراً وتهديداً للغرب. فإنه يعني في الحقيقة عنواناً للحراك ضد هذا الخطر رغم أنه كان قائماً منذ سنوات عديدة فلم يواجه الغرب للأسف الخطورة التي تشكلها داعش والعمل الدؤوب الحثيث لتدمير الحضارة الإنسانية في سورية. وقبلها العراق. وفي الحقيقة فإن الولايات المتحدة تتحرك لحماية أمنها ومصالحها والحفاظ على مواطنيها ولا يعنيها أحداً في المنطقة باستثناء الكيان الصهيوني.
تحرّكت فرنسا أيضاً ودعت لمؤتمر باريس لحشد تحالفٍ دوليٍ ضد داعش.

ورغم أن كثير من المراقبين يرى في هذا الحراك رغبة فرنسية للبحث عن موقع يعيدها مرّة ثانية إلى خارطة الشرق الأوسط. بعيداً عن التبعيّة تحت مظلّة القيادة الأميركية. وفي هذا الإطار قد يكون مؤتمر باريس مجرّد مؤتمر للعلاقات العامة لصالح فرنسا… ورغم التوافق الظاهر بين الحلفاء. إلا أن حدّة التنافس في الأسواق التجارية والغاز والنفط وسوق السلاح لم تكن خافية على أحد. فأميركا لا تريد منافساً لها في أسواق السلاح . ومع أن فرنسا تريد العودة إلى المنطقة بعد أن خسرت مواقع استراتيجية فيها نتيجة سياستها الرعناء… فقد أدركت أخيراً أن تجارة العطورات وهي المهمة التي تقوم بها منذ سنوات لم تعد مفيدة ومربحة لها على المستوى الاستراتيجي!

ومع ذلك فسيظل الدّور الفرنسي لا يخرج عن دائرة العلاقات العامة في المنطقة وليس لديها أي قرار سياسي استراتيجي. فالقرار دائماً في جعبة الولايات المتحدة الأميركية. ويستطيع المراقب ملاحظة تمنّع الفيصل وزير الخارجية السعودي عن الإعلان صراحة بدفع المليارات الموعودة للجيش اللبناني أثناء مؤتمر باريس وهو تمنع مقصود في إطار التنافس القائم حالياً… ورغم الإعلان الفرنسي أن طائرات رافائيل ستنطلق بدايةً من قاعدة الظفره في الإمارات العربية في مهمة استطلاعية، لكنها لا فرنسا ولا الدول الأوروبية مجتمعة تستطيع القيام بدور قيادي في هذه المرحلة.

لقد تحيّز الدور الروسي القويّ وردود الرئيس بوتين الاستراتيجية على السياسات المشبوهة ذات المعايير المزدوجة التي تعمل بها الولايات المتحدة لإقصاء روسيا وحلفائها عن الحراك الدولي ضد الإرهاب.. فالتحيّزُ تمثّل بالفعل بردٍّ قويّ من مجموعة دول شنغهاي مقابل الحلف الأطلسي وحراكه في المنطقة وأوكرانيا.. فالدور الروسي من خلال تحالف شنغهاي القوي الذي يضم الصين ودول أخرى على الطريق يسعى دائماً للعمل من خلال الارتكاز على دور الأمم المتحدة في محاربة الإرهاب وفي هذا الإطار فإن استراتيجية الروس تقوم أولاً: على عقد مؤتمر دولي للعمل ضد الإرهاب بكافة صنوفه وأشكاله وخاصة الإرهاب والخطر المحدق الذي تمثله داعش!

وتقوم ثانياً: على تحالفٍ قوي ضد الإرهاب مع سورية وإيران. الأمر الذي يؤكد الدور الذي تضطلع به روسيا في الشراكة الجديدة في النظام العالمي الجديد الذي يتم صياغته من خلال الصمود السوري العظيم في وجه الإرهاب… ويسعى الروس وحلفاؤهم إلى هدم المعايير المزدوجة التي تعمل بها الإدارة الأميركية في إقامة تحالفها ضد إرهاب داعش.

روسيا العضو المؤثّر في مجلس الأمن لا يستطيع أحد تغييبها ولذلك فقد كان وزير خارجيتها في رأس الحضور لمؤتمر باريس، وكان صوته عالياً يرفض ازدواجية المعايير، ويرفض استبعاد سورية وإيران من الحراك الأممي ضد الإرهاب. رغم أن لافروف شكّك أكثر من مرة بالنوايا الأميركية في محاربة الإرهاب وداعش بشكل خاص. وحذّر الولايات المتحدة من الانحراف نحو محاولات ضرب قوات الحكومة السورية أو الاعتداء على الدولة السورية!!

ومع أن روسيا تتطلّع إلى تسويق القضية الأوكرانية وإنهاء برامج العقوبات المتواصلة من خلال الحرب ضد داعش. إلا أنها تعي جيداً أن الولايات المتحدة وحلف الناتو ما يزال ماضياً في تحدّي روسيا.. وأن الأمر يتطلب عملاً دؤوباً. وهم أي الروس يعملون دائماً للعودة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن لحل كافة القضايا.

ويمكننا القول: إن مؤتمر باريس الذي انتهى قبل أيام أطلق ما سماه تحالفاً إنسانياً ضد الإرهاب وركّز على وحدة العراق وسيادته ومحاربة داعش في العراق. وإن الحديث عن سورية كان دائماً يتجنب التعاون مع الحكومة السورية واكتفى بدعم الشعب العربي السوري. وسننتظر قليلاً حتى نرى وجهة الحراك الفعليّة للحشد ضد الإرهاب من قبل أتباع الولايات المتحدة الأميركية، وسننتظر أيضاً ردود الفعل التي ستؤول إليها الأفعال الروسية وحلفاؤها في المنطقة والعالم. خاصة وأن إيران قد بدأت موقفاً تنصلياً ضد شراكة الولايات المتحدة ضد الإرهاب وداعش.

وأن أحداث مهمة ستطرأ على الخارطة الدولية إذا انضمت إيران وباكستان وأفغانستان إلى مجموعة دول شنغهاي.

عبد الفتاح إدريس