البعث … حقيقة يتم تجاهلها – سمير فزاع

سمير فزاع

سمير فزاع

  • رحل عبد الناصر وجاء السادات ، فانقلبت مصر رأس على عقب ، في هويتها وتوجهاتها ، وقائمة أصدقائها وأعدائها ، وخرائط اهتمامها وإهمالها …
  • وكأن مصر ناصر كانت عبئا ثقيلا على مصر السادات يجب التخلص منه ، والانقلاب عليه في كل عناوينه وتفاصيله .
  • سوريا ، رحل حافظ الأسد وجاء بشار الأسد ، فكيف حافظت سوريا على خطها وهويتها وتحالفاتها … ؟ 

التفكير الأحادي ومأزق أبيض – أسود :

هناك من يُعيد صمود سوريا وتماسكها بأن “أسد” جاء إثر رحيل ” أسد” ، وهذا يُثبّت حقيقة أنّ الرئيس بشار حافظ الأسد ملتزم خط التصحيح 1970 ، وأنه أمين على هوية سوريا وخطها القومي المقاوم ، واستقلال قراراها ، وسيادتها الوطنيّة … من جهة ، وإن كان “يؤشر” إلى أنّ شخصيّة الشعب العربي السوري – كما غيره من العرب – يتأثر إلى أبعد الحدود بهوية قائده وشخصيته وسياساته والجو العام الذي يولّده نمط قيادته .

ولكن ، هل يكفي هذا العنصر لوحده لتفسير تماسك سوريا وصمودها وانتصارها ؟

بكل تأكيد لا ، وهذا ما تحدث عنه مراراً الرئيس بشار حافظ الأسد .

ويمكننا أن نجد في انقسام شعبنا العربي في لبنان بين بيئة مقاومة متأثرة إلى أبعد الحدود بسماحة السيد حسن نصر الله ، وأخرى تغريبيّة و”متساهلة جداً” بانتمائها القومي والوطني … تنتمي لقوى 14 آذار مثال صارخ على ذلك .

قال بعض “المتفذلكون” ، بأن هذه هي هويّة الشعب السوري ؛ أن يكون عروبيّا مقاوماً حرّاً سيداً … فكيف نفسر “تساهل” الشعب العربي في مصر أو لبنان أو حتى جزيرة العرب بهذه القيم والمبادئ… ؟

إلى جانب أن تلك نظرة شوفينيّة بالغة التعصب والانغلاق ، وتشبه إلى حدّ بعيد مقولة “شعب الله المختار” الصهيونيّة من جهة ، وقاصرة جداً عن تقديم أي تفسير علمي “لتغير” المزاج الشعبي ؛ إن لم نقل إنقلابه من الناصريّة إلى الساداتيّة من جهة ثانية .

و إن قلتم بأن هذه الخصائص مقصورة على بلاد الشام فإن هذا يطرح عدة تساؤلات مركبة دفعة واحدة إلى جانب ما سبق ، مثل ، لماذا يتم اختيار اللحظة التاريخيّة – السياسيّة – الاجتماعية – الاقتصادية والثقافيّة المُشخصة ببلاد الشام ، لنجعل من بلاد الشام “وطن” مكتمل العناصر ، وأمة “مكتملة” التكوين ، ولا ينقصها سوى تحرير المُغتصب من أرضها ؟

لماذا يتم التغاضي عن تاريخ طويل كانت فيه سوريا جزء أساسي من الفضاء الحضاري للمتوسط ؟

و لماذا يتمّ تجاهل قرابة 1500 عام من التاريخ كانت فيها سوريا إمّا حاكما أو محكوماً ضمن فضاء غني من العروبة و”الإسلام” ؟

عانت بلاد الشام من قلمي (سايكس وبيكو ،) فأنتُزع منها أراض ، وأُضيف لها أخرى ، فكيف سيتم التعامل معها وفق هذا المنطق الانتقائي ؟ ولماذا نحن “مطالبون” بالتخلي عن حلم وحدتنا العربيّة لصالح “مخططات ومشاريع” ممالك النفط والغاز وأطماع الشركات العابرة للقوميّات ومخططات تفتيت المنطقة لتسهيل تمرير المشاريع الغربيّة بمختلف صنوفها … ؟ ولماذا تتم مهاجمة الحزب الوحيد – حزب البعث العربي الاشتراكي – الذي قدّم مشروعاً تقدميّاً ، تحرّريّا ، توحيديّاً ، شعبيّاً … بهذه القسوة غير المسبوقة ، وبكل هذا التضليل المركب ؟

ألا تعتبر مهاجمة هذا الحزب العريق ، والأكثر شعبيّة في الوطن العربي – حتى قبل أعوام قليلة خَلت – المقدمة الضروريّة والحيويّة لتمزيقنا إلى ثنائيات غير مسموح لها بالتصالح والتلاقي ، عَلماني – مؤمن ، مسلم – مسيحي ، سني – شيعي ، كردي – عربي ، خليجي – عربي … ؟! ألم يكن هذا الحزب المظلّة الجامعة لهؤلاء جميعاً في يوم من الأيام ؟! .

عموماً ، تُمثل هذه الحالة وصفاً نموذجيّاً للتفكير الأحادي الاتجاه ، والغير قادر على التفكير بالأحداث وتفسيرها إلا بمنطق الأبيض والأسود ، والعنصر الوحيد المسؤول عن الحدث أو الظاهرة … لماذا لا تكون عناصر من مثل ، القائد والشعب والجغرافيا والفكر وتوازن القوى … جميعها مسؤولة عن إنتاج لحظة فاصلة من تاريخ سوريا والإقليم والعالم ، وقادرة في الوقت عينه على تقديم التفسير المنطقي والحقيقي لها ؟! .

المؤسسة العسكريّة :

قد يُرجع أحدهم تماسك سوريا إلى تماسك المؤسسة العسكريّة وحدها ، والجيش العربي السوري تحديداً .

حسناً ، ما هي عقيدة الجيش العربي السوري ؟ هناك من يحاول التعمية على الانتماء البعثي عند الأعم الأغلب من أفراد وقيادات الجيش العربي السوري لصالح “عقيدة قتاليّة” يتمّ من خلالها التمويه أو التخفيف من هذه الهويّة البعثيّة بهوية أخرى تحمل ذات المعاني ولكن بسطوع أقل ، ومفردات مغايره ، وكأن هذه العقيدة التي ساهمت إلى مدى بعيد في تماسك هذا الجيش أمر “مُخجل” أو جزء من لغة “خشبيّة ” – على طريقة الرئيس اللبناني ميشيل سليمان – يجب تغييّرها وتحويرها إلى لغة أكثر “حداثة وعصريّة ” !!! .

وكأننا مفتونون بتحطيم عناصر قوتنا وعوامل ثباتنا ، ولا يمكنني العثور على سبب منطقي لذلك ، فعناصر القوة التي سمحت بتماسكك وانتصارك يجب أن تكون محط الإعتناء ومصدر للفخر ، والأولى بالتدقيق والتعميم والتطوير .

وقد يقول بعضهم ” لقد تماسكت المؤسسة العسكريّة المصرية دون الحاجة إلى عقيدة ، كالبعث ” ؟ هناك عدة أسباب خلف تماسكها ، سأذكر بعض منها :

1- أن المؤسسة العسكريّة المصريّة لا تملك ذلك التنوع الكبير الموجود في المؤسسة العسكريّة السوريّة ، وهذا يجعل من تماسكها مهمة أقل صعوبة بما لا يُقاس عند تعرضها لعوامل التفتيت والتفكيك .

2- أن المؤسسة العسكريّة المصريّة أكثر “إستقرارا” تاريخيّاً من مثيلتها في سوريا ، والتي لم تعرف الاستقرار إلا منذ الحركة التصحيحيّة التي قادها الراحل الكبير حافظ الأسد في العام 1970 .

3- لم تخظ المؤسسة العسكريّة في مصر صراعاً حقيقيّاً مع عدد كبير جداً من المرتزقة والعملاء وفرق الكوماندوس الإقليميّة والعالميّة والإرهابيين المحليين والأجانب … ومن مختلف دول العالم ، في حرب ممتدة منذ ثلاثة أعوام حتى اليوم ، أستخدم فيها كل ما يمكن أن يفكك ويحطم وحدته كما حصل مع شقيقتها في سوريا ، فنستطيع المقارنة بموضوعيّة .

4- المؤسسة العسكريّة المصريّة هي أول وأكبر مؤسسة قام قائدها الأعلى “السادات” بتوقيع اتفاق “سلام” مع العدو الصهيوني ، فيجب الحفاظ عليها “ولو مؤقتاً ووفق المصلحة” بسبب هذه “القيمة” ، ولأنها كانت البوابة التي دخل منها بقية أطراف التسويات .

5- هناك أطراف إقليميّة ودوليّة معروفة بعينها ، معنيّة وبشدة بالمحافظة على تماسك المؤسسة العسكريّة في مصر لأسباب مختلفة ، يقف على رأسها “استقرار” اتفاقية “كامب ديفيد” التي تحفظ أمن كيان العدو ، وتُخرج مصر من معادلة الصراع معه . واللافت أن ذات الأطراف الإقليميّة والدوليّة تعمل جاهدة على تشظي وتحطيم المؤسسة العسكريّة السورية ، وعلى إدامة حربها ضد مجموعات القتل والتخريب والإرهاب منذ ثلاثة أعوام حتى اليوم .

8 آذار ، ثورة حقيقيّة في زمن العقم :

في 8 من آذار من عام 1963 أطلق الشعب العربي في سوريا بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي أول ثورة حقيقيّة في تاريخ العرب المعاصر ، ثورة تكامل فيها العنصر الشعبي العريض المؤيد والمساند ، والفكر التقدمي الثوري المنبثق من الواقع – والمنقلب عليه في آن ، وطليعة منتمية وثائرة ، واستجابة مميزة للظروف الذاتيّة والموضوعيّة … . صحيح ، أن بعض السياسات والمواقف كانت “رومانسيّة” و”طرفيّة” بعض الشيء … ، وأن المسار تمّ تصحيحه في العام 1970 ، وهو بكل تأكيد يحتاج إلى حركة تصحيحيّة أخرى اليوم يقودها الرجل الذي بات يمتلك المشروعية الوطنيّة والقوميّة والنضاليّة … بشار حافظ الأسد ، ولكنّ هذه الثورة حققت إنجازات كبرى لا يمكن أن يهملها إلا جاهل ، ولا يتغاضى عنها إلا حاقد ، ولا يستسهلها إلا سفيه .

من هنا يُمكننا الحديث عن نقطة فاصلة في تاريخ سوريا ميزتها عن غيرها من الأقطار العربيّة ، إنها ميزة الثورة . صحيح أن الأردن هو أول بلد عربي ترأس فيه رئيس وزراء بعثي الحكومة عام 1957 لكنّ التجربة وئدت سريعا لأسباب ذاتيّة وموضوعيّة ، أما في سوريا فقد امتازت التجربة باستقرار نسبي كبير ، بسبب الإلتفاف الشعبي الكبير والذي تحققت له مكاسب كبرى اقتصادية وسياسيّة واجتماعية … وتبني السلطة لحزب البعث العربي الاشتراكي كحزب قائد وحاكم ، وتبني المؤسسة العسكريّة لعقيدة عسكريّة مستمدة من “ايدولوجيا” هذا الحزب ، وتحقيق أكبر وأهم انتصار على كيان العدو الصهيوني عام 1973 في أول حرب يبادر إليها العرب …

لقد ساعد ذلك سوريا على بناء “جدار” قويّ من المناعة الوطنيّة والقوميّة ، وإنتاج أجيالاً مؤمنة بقضاياها الوطنيّة والقوميّة ، وإفراز قيادة تخرج من رحم هذه الثورة وتلبي طموحاتها بصبرها وصمودها ، واستقلال قرارها .

لا يمكننا بلوغ نقطة فصل علميّة وموضوعيّة بين أسباب وعناصر صمود سوريا في وجه أعقد وأشرس عدوان عرفه تاريخ البشريّة ، فنتحدث باطمئنان عن أنّ هذا العنصر أو ذاك ، كان وحده نقطة الفصل .

إنما يمكننا أن نتحدث عن جملة عناصر تشابكت فيما بينها ، وتبادلت قيادة مسيرة الصمود والانتصار خلال معركة الأعوام الثلاثة .

فكان الأسد هو قائد عناصر الصمود في لحظة تاريخيّة ، وفي لحظة أخرى كان المواطن ، وثالثة كانت المؤسسة العسكريّة ، وفي أغلب الأحيان كان البعث حاضراً كفكر جامع وإن توارى خلف بعض “الستائر” … مع الحضور الدائم لبقيّة العناصر حين يتقدم أحد العناصر قيادة المسيرة . قال “رولان بارت” “في الشعر ، النّص يرتدي الوردة أو يرتدي الليل . في أي مسألة أخرى ، النّص يرتدي النص” ، ونحن اليوم في معركة الوعي والعقول التي نخوضها ، بحاجة إلى “نصوص” تسوق الوقائع لا الشعر ، وتنتج الوعي لا الخرافة ، وتعمّق الانتماء لا أن تشعل العواطف ، وتوطن المبادرة لا التواكل … مع كلّ الاحترام للشعر والعواطف .

سمير فزاع