الاستحقاق الوطني : وقفة مع الذات؟ – د. خلف المفتاح

د. خلف المفتاح

د. خلف المفتاح

ليست القضية استحقاقاًً رئاسياً انسجاماً مع قواعد الدستور وتكريساً لشرعية المؤسسات فقط، بقدر ما هي مسألة مركبة بأبعادها الداخلية أوالإقليمية والدولية، ويتداخل فيها الذاتي والموضوعي، بحكم الظرف التاريخي الاستثنائي الذي تعيشه سورية واستهدافها غير المسبوق من قوى إقليمية ودولية، شكلت لها سورية، خلال العقود الستة الماضية من تاريخ الصراع في المنطقة ( على الأقل )، صداعاً دائماً وقلقاً مستمراً وسداًَ منيعاً وقف في وجه مخططاتها واستراتيجياتها التي تريد من خلالها الهيمنة على المنطقة ونهب ثرواتها ومصادرة قرارها الوطني المستقل واستلابها سياسياً و إرادياً ، من هنا تأتي أهمية إعلان مجلس الشعب السوري فتح باب الترشيح لموقع رئاسة الجمهورية العربية السورية وفق نصوص الدستور الذي ولد في رحم الأزمة وكان أحد أهم ملامح الإصلاح السياسي والديمقراطي استجابة لرغبة شعبية واضحة وإرادة سياسية تفاعلت إيجابياً مع المطالب الشعبية في عملية إصلاح سياسي واقتصادي بإرادة وطنية شملت جوانب أساسية في المجمل الكلي السوري .

إن الاستحقاق الدستوري الذي جاء سياقه الزمني مكتسياً معنى استثنائياً بحكم الظرف الذي تمر به سورية في مواجهة حرب غير مسبوقة تشن عليها من قوى دولية وازنة وتنظيمات إرهابية مسلحة بالحقد والكراهية على الدولة السورية بكافة حواملها ومقوماتها وتسعى لاجتثاث الحالة السورية التي قدمت الأنموذج في العيش والتفاعل المشترك في نسيج وطني متناغم ومنسجم تاريخياً وحضارياً شكل أنموذجاً يحتذى به على المستويين الاقليمي والدولي حمل صورة سورية التي انطلقت من أرضها رسالة السيد المسيح ومن عاصمتها دمشق امتد شعاع الإسلام رحيباً يحمل معاني الايمان والمحبة والتسامح والتفاعل بين الحضارات لا صراعها . إن الحرب الارهابية التي تشن على سورية ونالت عبر التخريب والتدمير والقتل من مؤسساتها وإنجازتها الاقتصادية وألحقت الضرر بالعمران السوري وما أنجز خلال عقود كثيرة، لم تستطع تلك الحرب اللاأخلاقية والقذرة أن تنال من إرادة السوريين أو تفت في عضدهم وعزيمتهم أو تستنزف مخزونهم الوطني والنضالي واستماتتهم في الدفاع عن سيادة بلدهم وشرعية مؤسساتهم بدليل ارتفاع منسوب الوطنية لديهم وتفاعلهم عالي الوتيرة مع الاستحقاق الدستوري الذي هو عند الجماعة السياسية السورية استحقاق وطني بامتياز لأنه يأتي في ظرف استثنائي يشكل بالنسبة للسوريين تحدياً حقيقياً في الخيار بين الارادة الوطنية التي تعكس شرعيتها الدستورية وطبيعة مؤسساتها وإرادة القوى الخارجية التي تريد مصادرتها واستلابها عبر الاستثمار في معطى القوة والارهاب الدولي وحمى الاستعمار والهيمنة التي يراد اعادة انتاحها بأدوات وعناوين جديدة، إنها لحظة وقفة مع الذات ورحلة تفتيش في الضمير فالخيار هنا ليس بين شخص وآخرلموقع الرئاسة بقدر ما هو صراع إرادات وطنية ونهج تحرري مقاوم من جهة ومشروع استلاب سياسي استعماري استئثاري بغيض.

إن القوى الاستعمارية ومخلفاتها المحلية التي تحاول الظهور بحلة جديدة مظهرة حنيناً الى ماضيها الأسود الذي لم يغادرها لحظة واحدة تدرك تمام الإدراك أن الوطنية السورية وذاكرة السوريين الجمعية ذات حساسية عالية لم تلوثها مفرزات العولمة ووهج المال والسلطة والنفوذ وخداع الإعلام المضلل لأنها تربت ونمت وكبرت في بيئة نظيفة راكمت تراثاً سياسياً وتقاليد وطنية أكسبت الجماعة السياسية السورية مناعة قل نظيرها، نراها في أحسن حالاتها في لحظات التحدي والمواجهة مع القوى الخارجية .إن القدرات الاستثنائية لأي قائد لا تظهر إلا في اللحظات الصعبة والمنعطفات الحادة في تاريخ الأمم والشعوب حيث يصبح المعدن والأصالة والشجاعة والثبات وتقدير الموقف مسألة شديدة الحساسية ويبرز في تلك اللحظة حس المسؤولية التاريخية والقدرة على تحمل التبعات وقدرة القائد على اتخاذ قرارات صعبة ومكلفة في الميزان، فالتاريخ لا يرحم ولا يمنح فرصاً أخرى لمراجعة الخيارات أو تصويبها إن أخطأت الوسيلة والهدف، وقدرة القائد لا تقف هنا عند حدود اتخاذ القرارات الصعبة وانما في صوابيتها وقدرتها على التأثير في مسار الأحداث وتحقيق النتائج المرجوة منها قدرتها على تحريض الجماهير بشكل ايجابي ودفعها بالاتجاهات الصحيحة التي تحقق المصالح العليا للوطن والحفاظ عليه وصيانته والحفاظ على سيادته واستقلاله وكرامة مواطنيه وحريتهم وعيشهم المشترك .

لقد أثبت السوريون جيشاً وشعباً وقيادة ومؤسسات أنهم على قدر المسؤولية التاريخية وأنهم عند حسن ظن القائد السيد الرئيس بشار الأسد بهم وهو الذي خبرهم جيداً وخبروه في ساعات الرخاء والشدة الى درجة أن الحالة السورية ستجعل العديد من المحللين وراسمي الاستراتيجيات والمؤرخين يقفون عند مفرداتها ليفتشوا في قاموسها ويستمدوا منه الكثير من الدروس والعبر لتتعلم منه الأجيال الدروس في المقاومة والصمود والوطنية والوفاء؟

د. خلف المفتاح* عضو القيادة القطرية السورية لحزب البعث العربي الاشتراكي