الاتفاق مع إيران سمّم علاقات واشنطن بإسرائيل “والكتلة السُّنية”

الكاتب: عاموس هرئيل / نشر في: هآرتس , 02/12/2013 

ما زال هناك مجاهيل كثيرة بعد أسبوع تقريباً من التوقيع على الاتفاق المرحلي بين القوى العظمى الست وإيران في جنيف. ولا تستمر فقط الجدالات في نوع الاتفاق، بل ما زال يُختلف في تفصيلاته. يوم الثلاثاء بيّنت وزارة الخارجية الأميركية ردا على توجهات صحافيين أن ثمة “تفاصيل تقنية” لم تُغلق، بعد أن اتهمت إيران الولايات المتحدة بنشر معطيات مضللة تتعلق بصيغة الاتفاق الكاملة.الاتفاق مع إيران سمّم علاقات واشنطن بإسرائيل "والكتلة السُّنية"

يفترض أن ينفذ الاتفاق المرحلي على مدة ستة اشهر، يبحث الجانبان في أثنائها في صوغ تسوية دائمة، لكن العد التنازلي لم يبدأ بعد، حيث إن إيران لم تلتزم بعد بالتنازلات التي التزمت بها في الاتفاق المرحلي، ولم تبدأ ساعة التفاوض الجديد التكتكة بعد.

لم يُفاجئ الإعلان الأميركي إسرائيليين تابعوا جولات المحادثات السابقة منذ محادثات الثلاثية الأوروبية قبل نحو عشر سنوات. وفي هذه الحال يبدو الكليشيه الثقافي دقيقا جداً، وهو الذي يقول إنها إيران التقليدية. إن الإيرانيين ماهرون جدا في الحقيقة في إجراء تفاوض طويل مرهق. وهم يستخدمون الاتفاقات التي تُحرز أكثر من مرة لتكون نقطة انطلاق لمساومة جديدة.

لم تزحف طهران على ركبتيها إلى جنيف كما أملت القيادة الإسرائيلية، ويبدو أنها لم تتخل أيضا عن المبادئ الأساسية التي جاءت بها إلى التفاوض. تم إبطاء المشروع في الحقيقة لكن الإيرانيين يستطيعون أن يروا التسوية اعترافا من العالم بالفعل بحقهم في تخصيب اليورانيوم. وقد سجلوا إلى اليوم تقدما مهما في سلسلة طويلة من القضايا وإن لم يلائم إيقاع تطور الأمور التنبؤات المتشائمة للجهات الاستخبارية في الغرب في العقدين الأخيرين.
مخزونات اليورانيوم الموجودة لدى إيران تُمكنها من “الانطلاق إلى الأمام” وإتمام التخصيب بدرجة عالية عسكرية في أشهر معدودة. وما زالت الصواريخ التي في حوزتها تهدد دولاً كثيرة، ومنها إسرائيل. ويُقدر خبراء كثيرون اليوم أنه قصرت جداً المدة التي يحتاجها الإيرانيون لإنتاج رأس ذري لهذه الصواريخ. والآن، بسبب الخطر المباشر الذي خلقته المعارضة العالمية للبرنامج الذري استقر رأي القيادة على التصالح. وقد أملى الضرر الاقتصادي وخيبة أمل الجمهور الإيراني خاصة التصالح في جنيف، لكنه يبدو تصالحاً يستطيع آيات الله التعايش معه.

ما كان كل ذلك ليُحرز مع الرئيس السابق، محمود احمدي نجاد. لكن النتيجة مختلفة تماما مع حسن روحاني المعتدل ومع وزير الخارجية محمد ظريف، خريج الدراسة الأكاديمية في الولايات المتحدة وممثل طهران في الاتصالات. وقد عبر سلوك الوفد الإيراني في جنيف حتى مع الصحافة الأجنبية عن عودة إيرانية واثقة بنفسها إلى حضن المجتمع الدولي. وخُيل إلينا للحظات أن الغرب كأنما اشتاق إلى احتضان إيران، واستُقبل الامتعاض والشك الإسرائيليان في الاتفاق بعداوة.

يبدو أن القيادة الإيرانية تتصرف بحكمة وحذر نسبي؛ ويمكن أن نُخمن أن الاتفاق المرحلي لن يمنعها من الانطلاق قدما وإعلان صنع قنبلة ذرية إذا أُتيحت في المستقبل فرصة مريحة حينما ينصرف انتباه الغرب إلى مكان آخر. وهي ترى الآن أن إيران دولة على العتبة الذرية وقفت هناك لتقديراتها هي، وستضطر القوى العظمى إلى الاعتراف بذلك.

تستطيع إيران أن تسجل لنفسها إنجازا استراتيجيا آخر بعد أن ساعدت مشاركتها في الحرب الأهلية السورية (ولا سيما استقرار الرأي على إرسال مقاتلي “حزب الله” من لبنان إلى المعركة هناك) في إنقاذ نظام الأسد إلى الآن. وهذا توجه دولة ترى نفسها قوة إقليمية ولها مصالح تشمل الشرق الأوسط كله. وقد أنتج الاتفاق الذري دعوة طهران إلى المشاركة في صوغ مصير سورية في مؤتمر آخر خُطط له في جنيف بجُهد لإنهاء الحرب الأهلية. ومن جهة أخرى قد يوجب شهر العسل الجديد مع الغرب على طهران أن تكف شيئا ما عن مشاركتها في النشاط الإرهابي ولا سيما التعاون مع “حزب الله” على الهجوم على أهداف إسرائيلية في الخارج.

يوجد فرق لا يستهان به بين صورة انعكاس الاتفاق المرحلي في واشنطن وبين الردود في الشرق الأوسط. وبرغم أنه وُجه انتقاد إلى سلوك إدارة اوباما من صقور الحزب الجمهوري (بين من يجهدون هناك في الاهتمام بالشؤون الخارجية) ومن أصدقاء إسرائيل في مجلس النواب الأميركي، يرى البيت الأبيض ووزارة الخارجية الاتفاق إنجازا. ويضاف إلى التسوية التي تم إحرازها في آخر لحظة في نهاية آب مع روسيا ومنعت هجوما أميركيا على سورية عوض القضاء على مخزون السلاح الكيميائي لنظام الأسد.

إن اتفاق جنيف والقضية السورية قبله – حينما هدد الرئيس باراك اوباما بالهجوم على سورية ردا على قتل 1500 مواطن على يد النظام السوري بهجوم بالسلاح الكيميائي – يقوي تفضيل الإدارة للدبلوماسية والاتفاقات على استعمال كثيف للقوة العسكرية. وقد استعملت أميركا في العقد الماضي تقنية حديثة وقوة تدمير عظيمة في حربيها في أفغانستان والعراق، لكنها أنهتهما بنتيجة استراتيجية مُخيبة للآمال. وهي الآن تبحث عن طرق أخرى – من استعمال القوة اللينة الدبلوماسية والاقتصادية إلى حرب السايبر وأعمال تخريب خفي.

وينضم هذا التوجه إلى توجهين آخرين من وجوه سياسة الإدارة. الأول وقد كُتب فيه كثيرا، يتعلق بنقل التأكيد الاستراتيجي نحو اقتصادات شرق آسيا الصاعدة. ويحث على ذلك حثا آخر التعلق الأميركي الذي أخذ يقل بالنفط من الشرق الأوسط والنفور المتزايد من الفوضى في العالم العربي. ويتصل التوجه الثاني بجهود واشنطن للبحث عن نقطة توازن بين الكتل المتعادية داخل العالم الإسلامي.

توقعوا في إسرائيل في السنوات الأخيرة أن تقوي أميركا الكتلة السنية التي هي أكثر اعتدالا، والتي تضم مصر والسعودية والأردن ودول الخليج، في صراعها ضد الكتلة الشيعية بقيادة إيران. لكن نشك في أن الأميركيين ما زالوا يقسمون المنطقة إلى أشرار وأخيار.

حينما بيّن مستشارو اوباما قبل سنتين ونصف السنة أن الرئيس تبنى استراتيجية “القيادة من الخلف” (في سياق إسقاط نظام القذافي في ليبيا) أبدعوا مصطلحا يطارده حتى اليوم. فقد سمع السعوديون والمصريون والإسرائيليون مصطلح “القيادة من الخلف”، وفسروا ذلك بأنه إعداد لانسحاب تدريجي من الشرق الأوسط وبأنه تعبير عن عدم استعداد الإدارة الأميركية للاستمرار في استعمال القوة العسكرية في المنطقة. إن مشكلة اوباما الرئيسة بعد الاتفاق، كما أحسن أناس معهد واشنطن لبحوث الشرق الأوسط تشخيصها، هي عدم ثقة دول صديقة بقدرته على تحقيق تصريحاته. ويتذكرون في العواصم السنية للبيت الأبيض التبرؤ السريع من نظام مبارك في مصر في كانون الثاني 2011، والاعوجاج في مسألة الاعتراف بالجنرالات الذين استولوا على الحكم في القاهرة في تموز من هذا العام، والانطواء عن العراق وأفغانستان.

إن الدول السنية ولا سيما السعودية وإمارات الخليج لا يقلقها فقط الانسحاب الأميركي من المنطقة بل ازدياد قوة إيران أيضا. وليست الدعاوى ضد طهران بسبب طموحاتها إلى القدرة الذرية فقط – ففي الخليج يلاحظون بقلق أيضا النشاط الإرهابي المتشعب الذي يُديره فيلق “القدس” التابع للحرس الثوري، وتدخل إيران المتزايد في صراعات دامية بين الشيعة والسنيين في المنطقة وفي مقدمتها الحرب في سورية. إن إعلان المباركة السعودية لاتفاق جنيف بدا متشككا واضطرارياً، وبرز فيه القول إن الاتفاق يثير الأمل، “ما دامت النوايا طيبة”. وبيّن مسؤولون سعوديون كبار وجهوا صحافيين وأناس معاهد بحث في الغرب أن بلدهم سيضطر إلى أن يزن شراء سلاح ذري يكون مُعادلا للسلاح الذري الإيراني إذا لم يقتنع بأن الصفقة ستوقف المشروع الذري الإيراني حقا.

إن اتفاق جنيف من وجهة نظر القدس يعبر عن تحول حاد آخر في الواقع الذي يتزلزل تزلزلا عميقا في السنوات الثلاث الأخيرة. وقد جاء بعد موجة زلازل سابقة من سقوط مبارك إلى القضاء على السلاح الكيميائي في سورية. لكن يبدو أن ما يصعب على القيادة الإسرائيلية أن تهضمه هو أن القدس لم تعد في المركز، سواء أكان ذلك حسنا أم سيئا. وكما لم تكن إسرائيل قط هي الهدف الوحيد للبرنامج الذري الإيراني، فإنه خُصص لها دور ثانوي فقط في الجهد العالمي لإحباط البرنامج. ليس الاتفاق كاملا، لكنه ليس نهاية العالم أيضا. هذا هو الواقع؛ أُحرزت هنا مهلة حيوية تُمكن في ظاهر الأمر من علاج أعمق للمشكلة الذرية ولاحتمال إحراز تسوية دائمة تضائل تهديد إسرائيل.

لدى نتنياهو بواعث جيدة للغضب على أوباما. فقد غضب حينما تبين له قبل أشهر التفاوض السري بين الولايات المتحدة وإيران. إن التنسيق السياسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل في المسألة الإيرانية متعثر منذ ترك توم دونيلون رئاسة مجلس الأمن القومي في واشنطن. ومن الصحيح أيضا أن الأميركيين، الذين أداروا إجراء العقوبات الدولية إدارة يُحتذى بها، فشلوا في المرحلة الحاسمة، وعادوا من جنيف مع اتفاق مشحون بالعيوب. وخُيل إلى مراقبين إسرائيليين أن الولايات المتحدة دهشت في اللحظة الأخيرة، وخشيت الحرب بينما كان يجب أن يخاف الإيرانيون في الحقيقة. ومع كل ذلك يبدو أن هذه هي اللحظة المناسبة للتنبه من أوهام العظمة الإسرائيلية. إن إسرائيل تعمل خلافا لمصلحتها حينما تُشاجر الولايات المتحدة زمنا طويلا على رؤوس الأشهاد. ويوجد فرق بين النقد الموضوعي وبين الجو المسموم الحالي.

لم تنته بعد المعركة الإيرانية. ويفترض أن تبدأ المرحلة الحاسمة وهي التفاوض في التسوية الدائمة، الآن. ويجب على إسرائيل الآن أن تُقدر من جديد الهدف الذي هي معنية به في الاتفاق النهائي، وأن تبذل أقصى ما تستطيع للتوصل إليه بتنسيق مع الأميركيين والأوروبيين. وما زالت توجد قضايا حاسمة يمكن إحراز نتيجة طيبة فيها كضمان رقابة أقوى على ما يجري في المنشآت الذرية، وتطوير قدرة على جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها تكون مُنسقة مع الدول الغربية، ومحاولة “الدفع إلى الوراء” بقدر المستطاع بالنقطة التي ستبقى عندها القدرة الإيرانية في التسوية النهائية. وتوجد أهمية أيضا لإعداد إجراء منسق مع إدارة اوباما لفرض عقوبات أخرى سريعا إذا تبين أن الإيرانيين يخدعون، وإذا انهار الاتفاق.

يمكن أن يحدث كل ذلك فقط اذا كفت إسرائيل عن صدامات معلنة مع الولايات المتحدة. وإن تكرار نتنياهو الدائم لقوله إن الاتفاق سيئ سيئ سيئ قد يجعله في وضع رجل الأمس. بقي رئيس الوزراء في وعي الإسرائيليين، حتى حينما كان سفيرا في الأمم المتحدة قبل ثلاثين سنة تقريبا، مُحذرا من التهديدات على الباب. وفي ذلك الزمان في ثمانينيات القرن الماضي البعيدة، كانت الموضوعات الحبيبة إليه هي خطر الإرهاب الدولي وتنكيل سلطات الاتحاد السوفييتي بيهود روسيا. ومع مرور السنوات اقتنع كثيرون من الناخبين الإسرائيليين بأن نتنياهو هو الشخص المناسب حقاً لحمايتهم من جملة التهديدات في الحي غير الصديق الذي نعيش فيه. لكن الأخطار تغيرت الآن. وفي هذه الجولة وأمام عدو محنك مصمم كإيران لن يكفي التأليف الغالب بين الخطب الفصيحة والتذكير بالمحرقة والتلويح بقدرات سلاح الجو الهجومية بعيدة المدى.