النفاق وازدواجية المعايير بين الأزمة الأوكرانية والعدوان على سورية – عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح ادريس

عبد الفتاح ادريس

بعيداً عن المواقف والتصريحات المنمقة حول انتهاك السيادة وخرق مبادئ القانون الدولي، فإن الذي حدث في أوكرانيا هو صفحة في الصراع المباشر بين القوى الدولية التي تحاول تسجيل نقاط ومكاسب لمصالحها الاستراتيجية في العراك القائم اليوم لصياغة التوازن الدولي الجديد فالولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون مازالوا يتسترون بجلد الحمل وهم الذئاب الذين طالما أذاقوا العالم ويلات الحروب وشرور الإرهاب وتدمير الدول والعقائد والقيم! باسم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان التي يتشدقون بها…

لقد ذاق العالم ويلات وانتكاسات طالت الأمن والأمان منذ سنوات طويلة. منذ تربعت الولايات المتحدة الأمريكية وحيدة فوق النظام الدولي. وكان جراء ذلك حروب وتدمير للقيم وإرهاب شمل دول ومواقع إقليمية كثيرة من أفغانستان مروراً بباكستان والعراق ودول ما سمي الربيع العربي، وامتد تأثيره على أفريقيا وأمريكا اللاتينية ودول شرق آسيا، وطال الاستقرار والأمن والاقتصاد!! وهو يستقر تأثيره الدامي اليوم في سورية وفي أوكرانيا في محاولة فاشلة لتدوير الدوائر على المعادلة الدولية الجديدة في مواجهة الاتحاد الروسي الصاعد بقوة على ركام الخسائر الجسيمة التي خلفتها السياسات الأمريكية وحلفاؤها الأوروبيون وأثقلت صدر العالم سنين طويلة، وقد نال العرب مساوئ وآثار الإرهاب والتدمير القيمي والسياسي الشأن الكثير.. وكانت القضية الفلسطينية والاستقرار والأمن القومي العربي هما الضحية الكبرى لهذه السياسات الإرهابية الاستعمارية المدمرة…

عندما نرى ونسمع الغرب اليوم يذرف دموع التماسيح على انتهاك مبادئ شرعية الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي في أوكرانيا من قبل روسيا، ونسمع عويل جون كيري وبراك أوباما وجوقة حلف الأطلسي الاستعمارية حول انتهاك سيادة أوكرانيا! وعندما نستعرض بيان حلف شمال الأطلسي حول تهديد السلم في أوروبا واعتبار دفاع روسيا عن مصالحها الاستراتيجية التي مُست في عقر دارها تهديد للسلم في أوروبا، عندما نسمع ونرى هذا الهذر كله فإن شعوراً بالقرف والاشمئزاز ينتابنا لأول وهلة!! فهؤلاء الذئاب الذين اعتادوا على سفك الدماء في سورية وليبيا واليمن والعراق ومصر إلى آخر السبحة لايحق لهم البكاء اليوم على أوكرانيا. ولم يعد النفاق سلعة يصنعونها ويصدرونها في الإعلام والأقوال المنمقة في تصريحاتهم ومواقفهم واجتماعاتهم وهي لاتعد ولا تحصى وهي في الإجمال لم تكن إلا نتيجة تحالف ظلامي يستهدف شعوب العالم وبلداننا العربية خاصة، وقضايانا القومية والوطنية وبرامج الإنماء والثروة في بلادنا. وتستهدف فيما تستهدف قضيتنا الفلسطينية وتطلعاتنا نحو الحرية والاستقلال وحقوق الإنسان. هذه الحقوق التي صاغوها على قياس مصالحهم وبرامجهم في الحرب والإرهاب وتفتيت الدول على أساس مذهبي وطائفي. وكانت الصراعات بين أبناء الأمة وسيلتهم وهدفهم الإجرامي.

النفاق السياسي والتلوث القيمي وازدواجية المعايير وظلامية المقاصد والممارسات الحاقدة هي عنوان للمرحلة اليوم… وهي تمارس بشكل يومي من قبل الولايات المتحدة والصهيونية العالمية والدول الاستعمارية التابعة. وهي في مرحلة اختبار وانتكاسات حقيقية! وهي تواجه الفشل والانكسار في سورية بفعل انتصارات الدولة السورية بشعبها وجيشها العظيم وبمآزرة أصدقائها في العالم وعلى رأسهم روسيا والصين وإيران ودول مجموعة البركس وكافة الشعوب المتطلعة للحرية والانفلات من الإرهاب الإمبريالي الذي ولّد الفتن والحروب والتدمير، وما يزال اليوم يتلقى الدعم المادي واللوجستي والسياسي في سورية والعراق ومصر! وما يزال الوهابيون الظلاميون ومن خلفهم هذا الحلف الاستعماري والصهيوني يدعمون برامج القتل والتدمير وفصائله التكفيرية دون حساب أو رقيب، ودون أي اعتبار للقوانين الدولية وشرعية الأمم المتحدة، التي يتباكون عليها اليوم في أوكرانيا… وكل ما نسمعه من الانتهاكات وخرق السيادة في أوكرانيا إنما يثير القرف والاستغراب! فما يفعلونه هنا في سورية منذ ثلاث سنوات وما فعلوه في العراق وأفغانستان يشعر الإنسان بالصدمة.. وليس له توصيف آخر غير النفاق الذي ليس له حدود. ولا يستطيع المرء إشاحة النظر عن الحقائق الساطعة والوقائع التي وثقتها خزائن التاريخ؛ فالجميع يعرف أن القاعدة التكفيرية التي أشاعت الفوضى والإرهاب هي من صنع أجهزة المخابرات الأمريكية والسعودية، وهي مستولدة من رحم الفكر الوهابي السعودي، لقد كانت البداية في أفغانستان وهي اليوم في سورية والعراق ودول إقليمية وغير إقليمية أخرى.

ورغم كل ما يقال من تجريم وملاحقة لهذا المستولد التكفيري الإرهابي فإن غرف الاستخبارات السرية ما تزال تستخدمها ذراعاً لها، كلما حانت الفرصة للاعتداء على بلد أو تدميره. ويبدو أن شيئاً من هذا الصنف الإرهابي يستولد اليوم في أوكرانيا وبمسميات طائفية وعنصرية أخرى ولكنها في النهاية من نفس الصنف الإرهابي الذي يمثله تنظيم القاعدة ومخلفاته وتفريعاته في بلادنا اليوم.

من خلال الخسائر الجسيمة التي يتلقاها المشروع الدولي الاستعماري لتدمير الدولة السورية. وبسبب بأس هذه الدول لتحقيق إنجاز استراتيجي ضد الشعب والدولة السورية.. حرّكت الولايات المتحدة البيئة الطائفية والنازية الموجودة في المجتمع الأوكراني للأسف.. لعلها كما نعتقد تساوم على ما يحدث اليوم في سورية!! وقد انتهت حوادث الشغب المبيتة هناك إلى اتفاق مع الدولة الأوكرانية ورئيسها الشرعي، رعته دول غرب أوروبا بإدارة أمريكية بالطبع وانتهى باتفاق لإجراء إصلاحات وانتخابات مبكرة حلاً سلمياً للأزمة الأوكرانية.

بموافقة روسيا التي تريد حلاً سلمياً مع مراعاة مصالحها الاستراتيجية في عقر دارها.. وقبل أن يبرد الاتفاق الموقع ويبدأ طريقه إلى التنفيذ حركت غرف الاستخبارات الغربية السرية أزلامها وكان ما كان من انقلاب على السلطة الشرعية وتهديد الأمن الروسي.. الأمر الذي وُجّه بردّ عاصف من قبل الروس الذين شعروا بالخديعة.. وهي أشبه بخديعة ليبيا التي تلقاها الروس منذ سنوات خلت.. الأمر الذي فشل في سورية وهو يفشل اليوم في أوكرانيا بعد الإجراءات السريعة التي قام بها الروس في جزيرة القرم الاستراتيجية، وشكلوا بادرة استراتيجية موفقة لإعادة الأمور إلى نصابها الشرعي في أي حل سلمي تسعى إليه دول الاتحاد الأوروبي. التي باتت توازن مصالحها الاقتصادية مع الاتحاد الروسي. وفي رأسها الغاز والنفط التي تعتبر أوكرانيا ممراً طبيعياً له بأسعار معقولة! ومن هذا الإنجاز الاستباقي الروسي انطلق التهديد والوعيد والإنذارات الأمريكية والأوروبية: ابتدأها جون كيري وزير خارجية أمريكا بالتهديد بصعوبة انعقاد قمة الثمانية في سوتشي الروسية إذا استمر الوضع كما هو. ثم أضاف إلى ذلك بأن الثمن سيكون غالياً، وسوف تكون روسيا معزولة، وهذا بنظر كيري ليس موقف قوة! ومضى قائلاً إن الدول الحليفة مستعدة للذهاب إلى أقصى حد لعزل روسيا!! وبعد اجتماع لحلف شمال الأطلسي صرح أمينه العام “أندرس فوغ راسموسن” بأن ما تقوم به روسيا في أوكرانيا، ينتهك مبادئ شرعية الأمم المتحدة ويهدد السلم في أوروبا.. وسيتلو ذلك اجتماعات وزارية ومؤتمرات وتصريحات.. فالضربة موجعة بالنسبة للتصرفات الغربية وفشلها في الوصول إلى مرماها بفعل المبادرة الروسية للحفاظ على المصالح الحيوية ولإيجاد حل مقبول من الجميع..

وكما هي العادة فقد شبّه الغرب ما يحدث اليوم من اضطرابات وانقلاب سياسي في أوكرانيا (بالثورة) وأن الاضطرابات وحوادث الشغب مجرد مظاهرات شعبية. وهو نفس الأسلوب الذي استخدم في سورية ومصر وليبيا.. الخ!! ولأن الولايات المتحدة خاسرة بسبب الحراك الاستراتيجي الذي قام به الروس في جزيرة القرم. فإننا نجد الرئيس أوباما يستشيط غضباً مهدداً روسيا بالويل والثبور. مما استدعى الرد من قبل الرئيس بوتين بالقول: “إن تحذيرات أوباما خارج حسابات موسكو.. وحسابها الوحيد هو ضمانة مصالحها..

يقال اليوم في الأوساط الإعلامية إن ثمة عرض أمريكي بالمقايضة بين أوكرانيا وسورية!! ويقصد بذلك ترك سورية للأمريكيين والوهابيين السعوديين والصهاينة الإسرائيليين ومجموعات الإرهاب التابعة إلى هذا الحلف لتعيث فساداً وتخريباً. ينتهي بإسقاط الدولة السورية وانكسار الشعب السوري!! مقابل الإبقاء على أوكرانيا في حضن روسيا!! على ذمّة الولايات المتحدة! وإذا سلمنا بأن مثل هذا العرض قد طرح ونحن بالطبع لا ننكر الحبل السري الذي يجمع الأزمة الأوكرانية بما يحدث اليوم في سورية على صعيد التنافس الدولي القائم حالياً..

ولكننا نشك شكاً مبرماً بإمكانية تخلي الروس عن حليفها السوري. لأن سورية اليوم تواجه وهي تحمل عبء مصالحها القوية ومصالح أصدقائها وفي مقدمتها الروس.. فخسارة سورية بالنسبة لروسيا يعني طردها من البحار الدافئة والإجهاز على موقعها الدولي الجديد وفق المعادلة الدولية الجديدة. كما يعني تمكين الغرب والولايات المتحدة بإحداث اختراق استراتيجي على الحدود الروسية في أوكرانيا يعني أيضاً حصار روسيا وتراجعها كدولة كيري، وتراجع طموحاتها على الصعيد الدولي ومحاصرتها في عقر دارها.. يلحق ذلك خطوات أخرى لعلها تستهدف القلب الروسي وتحريك عصابات التكفير والإرهاب ضدها. ومن هنا تبرز أهمية الدعم الروسي للحليف السوري الذي يشكل في مواجهة الإرهاب وفصائل القتل والإجرام جبهة أمامية وجداراً استراتيجياً للاتحاد الروسي!!.

وباعتقادنا فإن الحركة الاستراتيجية الروسية تفضي إلى حتمية الانتصار في أوكرانيا، وحتمية الانتصار في سورية. الانتصار الذي بات ظاهراً على العيان بفعل القيادة الصلبة الحكيمة والجيش السوري العظيم وصمود الشعب في سورية الذي أسقط جميع الحسابات والتكهنات الخاطئة.

عبد الفتاح إدريس